٢٦/٠٤/٢٠٠٦
قراءة
(( فوضى الحواس ))
رواية تسبح ضد التيار
بقلم :كليزار أنور
هناك ثلاث خطوط حمر يقف قلم الأديبة عنده 00 ( السياسة ،الجنس ، الدين ) وعليها أن لاتتجاوزها .ثالوث عجيب يزلزل ركود الزمن من حولنا ..وعلى المرأة أن لاتقترب منه ! لكن ،الروائية أحلام مستغانمي استطاعت –وبجرأة نادرة – أن تدخل المناطق المحرمة في غابة المجتمع الشائكة!
أهم ما يجب أن يتميز به الروائي ..هو أن يجيد التعبير عن نفسه وأبطاله وباقناع تام ،ويدرك مساحة أحزانه والآخرين ،ويفهم صعوبة ما يحلم ويحلمون !
"فوضى الحواس ".لغة تسري فيها أنفاس الشعر ،لغة حسية مليئة بنغمات العالم أجمع .سرد عميق ،شاعري ،حزين ،موجع حد الألم .سياسة ،حب ،حرب ،خيانة ،تطرف ،جنس ..كل ما يحمله المجتمع العربي من فوضى وتناقضات لم ولن تنظم ذات يوم !
الرواية تبدأ بقصة قصيرة كتبتها قاصّة ذات مساء ، وأسمتها " صاحب المعطف " بعد انقطاع سنتين من الكتابة . أي دافع يقودها نحو الكتابة ثانيةً ؟ أيعقل ما بررته بعثورها على دفتر –غلافه أسود – في مكتبة بائسة .. واقتنعت أو توهمت بأنه هو الذي سيعيدها الى الكتابة !
القصة – باختصار – هي لقاء يجمع بين حبيبين افترقا لمدة شهرين . لكنه ، الحنين . وتبدأ حرب اللغة بينهما .. كر وفر .. وكلاهما لايعلم ..بأنه ..في الحب ..ليس هناك منتصر أو مهزوم!
" قبل هذه التجربة ، لم أكن أتوقع ، أن تكون الرواية اغتصاباً لغوياً يرغم فيه الروائي أبطاله على قول ما يشاء هو ، فيأخذ منهم عنوة كل الاعترافات والاقوال التي يريدها لأسباب أنانية غامضة ، لا يعرفها هو نفسه ، ثم يلقي بهم على ورق ، أبطالاً متعبين مشوهين ،دون أن يتساءل ، تراهم حقاً كانوا سيقولون ذلك الكلام ، لو أنه منحهم فرصة الحياة خارج كتابه؟" ص28 .
من هنا قررت كتابة " رواية " وعزمت النيّة على ارغام – هذا الرجل – صاحب المعطف على الكلام .. وجلست الى دفترها من جديد لتواصل الكتابة ، وكأنها ما توقفت بالأمس عن كتابتها ووضعت لها نقطة النهاية ! وتبدأ من نفس النقطة التي انتهت منها والتي كانت سبب فراقهما أول مرة حينما اعتذرت عن مرافقته لمشاهدة فيلم !
" وقبل أن تسأله عن أيّ فيلم يتحدث . واصل :
- أتدرين أنه ما زال يعرض في القاعة نفسها منذ شهرين ؟ انهما عمر قطيعتنا . " ص 31.
وتذكر القاعة واسم الفيلم ، وعندما تعود الى الصحف مدققة في أسماء قاعات السينما تكتشف بأنه هناك فعلا" قاعة تحمل اسم ( أولمبيك ) اسم القاعة التي اختارتها . وتتفاجأ .. هل هو الوحي الذي يهديها لكتابة أشياء لا علم لها بها سابقاً " انه امتياز ينفرد به الروائي ، متوهماً أنه يمتلك العالم بالوكالة . فيعبث بأقدار كائنات حبرية ، قبل أن يغلق دفاتره " ص 34
وتذهب الى ذلك الموعد الذي أعطاه بطل قصتها لامرأة اخرى فقط لتختبر جرأتها على أخذ الكتابة مأخذ الحياة ! تذهب متأخرة بربع ساعة .. والقاعة ليس فيها سوى الشبان الذين جاؤوا لاهدار الوقت في قاعة السينما وتجد في آخر القاعة رجل وامرأة .. توقعت انهما " بطلاها " .. وتجلس خلفهما بالضبط كجاسوس !
وتتابع قصة الفيلم .. ويأتي رجل آخر ويجلس بجوارها .. وحين تنحني متلصصة عليهما يسقط قرطها ، فتحاول البحث عنه وسط العتمة ، وإذا بولاّعة تشتعل بالقرب منها لتضيء لها المكان .. انه الرجل الذي يجلس بجانبها .. يجذبها عطره .. وتكف عن البحث عندما ترتفع نظراتها إليه ..يربكها تصرفه " الحب يجلس دائماً على غير الكرسي الذي تتوقعه تماماً ، بمحاذاة ما تتوقعه حباً . " ص 54 .
نسيت الفيلم .. وأمر العاشقيّن لم يعد يعنيها .. بدأت تتابعه هو .. وهو مستغرق في متابعة الفيلم !
وتغادر القاعة قبل ربع ساعة من نهاية الفيلم .. وتكتشف في البيت بأن القرط قد وقع في حقيبة يدها .. ولولا هذه الحادثة البسيطة لما انتبهت لوجود الرجل الذي يجاورها ، فكم من المصادفات الصغيرة لها القدرة على تغيير أقدارنا ! " منذ البدء ، أخذت بجمالية تلك العلاقة
الغريبة ، والمستحيلة ، وبذلك الحب الافتراضي الذي قد يجمع بين رجل من حبر وامرأة من ورق
، يلتقيان في تلك المنطقة الملتبسة بين الكتابة والحياة ليكتبا معاً ، كتاباً خارجاً من الحياة وعليها في آنٍ واحد ." ص 61 .
وتعود الى القصة التي كتبتها سابقاً ،باحثةً عن شيء محدد .. وكمن عثر على شيء أضاعه في البحر حين عثرت على اسم المقهى الذي ذكرته مصادفة في تلك القصة .
وتذهب الى مقهى " الموعد " . وتجده هناك .. يكتب على طاولة . ويأتي آخر ويرمقها بنظرة ودية كمن يعرفها . وعطره وحده دلها في عتمة الحواس عليه عندما اقترب منها يقدم لها السكر الذي أرادته من النادل .
وتدخل معه مغامرة على قدر من الغرابة بالنسبة لامرأة متزوجة مثلها . ترافقه حين يطلب منها الذهاب الى مقهى آخر أكثر هدوءً . ويذهبان ، وقبل أن تطرح أسئلتها .. يجيبها " يسألونك مثلاً ماذا تعمل ..لا ماذا كنت تريد أن تكون . يسألونك ماذا تملك .. لا ماذا فقدت. يسألونك عن أخبار المرأة التي تزوجتها .. لا عن أخبار تلك التي تحبها . يسألونك ما اسمك .. لا ما إذا كان هذا الاسم يناسبك . يسألونك ما عمرك .. لا كم عشت من هذا العمر.يسألونك أيّ مدينة تسكن .. لا أيّة مدينة تسكنك . يسألونك هل تصلّي .. لا يسألونك هل تخاف الله . ولذا تعودت أن اُجيب عن هذه الأسئلة بالصمت . فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك خطإهم . " ص79 .
نصبت الفخ لبطل قصتها لكنها وقعت هي في الفخ ، فها هو يعرف عنها كل شيء .. وهي لا تعرف عنه سوى ما توهمت به من خيال مطاردة جميلة لرجل وهمي خارج حدود الورق !
في الصفحة 135 نعرف بأن هذه الكاتبة اسمها " حياة " . حياة .. قاصّة .. ابنة شهيد مناضل .. ومتزوجة من رجل عسكري .. حول حياتها الى ثكنة عسكرية ! ليس لها سوى أخ واحد يصغرها بثلاث سنوات اسمه " ناصر " . حرب الخليج جعلته يتشتت ، فقد نام وهو من أنصار صدام حسين واستيقظ ليدافع عن الكويت ! تغيرت مفاهيمه بين ليلةٍ وضحاها . يعاتب اخته عندما يجدها ما زالت تكتب " ولأنك كاتبة عليك أن تصمتي .. أو تنتحري . لقد تحولنا في بضعة أسابيع من أمّة كانت تملك ترسانة نوويّة .. الى أمّة لم يتركوا لها سوى السكاكين .. وأنت تكتبين . وتحولنا من أمّة تملك أكبر احتياطي مالي في العالم ، الى قبائل متسولة في المحافل الدولية .. وأنت تكتبين . هؤلاء الذين تكتبين من أجلهم .. إنهم ينتظرون أن يتصدّق عليهم الناس بالرغيف والأدوية .. ولا يملكون ثمن كتاب .. أما الآخرون فماتوا . حتى الأحياء منهم ماتوا فاصمتي حزناً عليهم .. ! " ص 129 .
تغير ناصر .. تغير كثيراً .. غيرته خيباته الوطنية وانهزامات الأمة العربية .. وتحول فجأةً الى اصولي !
وتذهب برحلة استجمام نحو البحر .. إنها أجمل فكرة خطرت في ذهن زوجها ، وهدية قدر لم تتوقعها ! وتسافر مع فريدة ، لتقيم في فيلا زوجها التي اشتراها بدينار "رمزي " استناداً إلى نجومه الكثيرة كعسكري في الدولة الجزائرية !
وفي ظهيرة تخرج لوحدها لتشتري بعض الصحف .. وتلتقيه مصادفة هناك ويعطيها رقم هاتفه ويمضي .. وتتصل به متلهفة ، ويعطيها عنوان بيت .. وتذهب . ويحصل ما لا يستطيع قلمي ذكره – رغم جماليته ككتابة – وشعرت للحظة أن أدع الكتابة عن هذه الرواية الرائعة مكتفيةً بقراءتها واعجابي الشديد بجرأة الكاتبة المبدعة أحلام مستغانمي . آلمني ما موجود فيها من تمجيد للرذيلة والخيانة الزوجية – رغم انها موجودة كواقع في حياتنا – وأتساءل .. وأنا ما زلت روائية صغيرة عمراً وتجربةً بالنسبة إليها : هل هذا هو الهدف من الكتابة ؟ لستُ ضدها ، بل من أشد المعجبات باسلوبها وفنها المتميز ، لكن ليس بإمكاني أن أتجاوز الخطوط الحمر ، حتى وأنا أكتب ! لا أدري .. إنها مسألة مبدأ !
المهم .. لنعد إلى موضوع الرواية . وتأخذ لها كتاباً من المكتبة .. وتتفاجأ بأنهُ يحفظ إحدى رواياتها إلى الحد الذي يذكر فيه رقم الصفحة والمقطع السردي " يبدو لي إنني أتطابق مع خالد في تلك الرواية . ولكن لا خطر من إعارتك هذا الكتاب .. ما دام ليس ديواناً لزياد ! " ص 187 .
ويغادرها دون وداع .. يسافر إلى فرنسا .. ويعود .. ليس من أجلها ، بل من أجل الوطن . لا تتمالك نفسها وهي تجده في صورة مع " بو ضياف " على صفحة الجريدة . تهاتفه .. تسافر من قسنطينة – محل إقامتها – إلى العاصمة لتقابله في تلك الشقة " الحب أن تسمحي لمن يحبك بأن يجتاحك ويهزمك ، ويسطو على كل شيء هو أنتِ . لا بأس أن تنهزمي قليلاً .. الحب حالة ضعف وليس حالة قوة . " ص261 .
وتكتشف بأنه يوقع مقالاته باسم " خالد بن طوبال " بطل روايتها " ذاكرة الجسد " ويكاشفها بالحقيقة .. بأنه مجرد صحفي أراد أن يتعرف إليها بحجة إجراء حوار لجريدته . وفي نفس يوم صدور كتابها يتعرض لحادث تُشل فيها ذراعه ، وفي فترة النقاهة يقرأ روايتها .. ويذهل ، فكم يشبهه بطل الرواية " خالد بن طوبال " وفي كل شيء !
" – لقد تواطأ الأدب والحياة ، ليهديا إلينا قصة الحب التي هي من الجمال بحيث لم يحلم بها قارئ وكاتبة قبل اليوم . أنتِ نفسك كروائية تجاوزتكِ قصتنا لأنها أغرب من أن تجرؤي على تصورها في كتاب .
- أعترف بأني ما كنتُ تصورت أمراً كهذا . برغم كوني حلمت دائماً بقارئ يأتي ليقاصصني بكتاباتي . " ص325 .
ويالسخرية القدر أو سخرية الكتابة ، فمن التقت به في قاعة السينما هو ليس هذا الرجل الذي أحبته ، بل صديقه عبد الحق – وهو صحفي أيضاً – والشقة هي ليست له ،بل لعبد الحق .. والكتاب الذي أخذته من المكتبة لتهتدي به إليه من خلال التأشيرات ليس له ، بل لعبد الحق !
وبالصدفة .. تقرأ في جريدة الصباح " وداعاً .. عبد الحق " ! فقد اغتالوه ! وتذهب للمقبرة لتشيّعه .. تلبس نفس الثوب الأسود الذي كانت ترتديه يوم التقيا في قاعة السينما وفي قهوة "الموعد " . لم يكن معها سوى دفترها الأسود الذي كتبت فيه هذه الرواية الغريبة ، الجميلة .. حد السحر !
لم تبكِ .. غادر الجميع .. وبقيت وحدها .. وضعت الدفتر الأسود على كومة التراب .. ومضت دون أن تلتفت إلى الوراء !
" أكانت تتحرش بالحياة ؟ وإذا بالحياة تعيد إصدار كتابها ، في طبعة واقعية ، وإذا بها القارئة الوحيدة لنسخة مزورة تكفّل القدر بنقلها طبق الأصل عن روايتها ، بعد أن أدخل عليها بعض التغييرات الطفيفة في الأسماء ، أو في تسلسل الأحداث ، كما في كل السرقات الأدبية ! " ص 364 .
وبالبداية نفسها تنتهي الرواية ، فها هي تذهب لمحل لبيع القرطاسية – كما فعلت قبل عام – وربما يثير انتباهها دفتر له غلاف أسود أو أحمر أو أصفر . وتترك الرواية مفتوحة لبداية رواية اخرى !
رواية " فوضى الحواس " ملأت أعماقنا بالحزن واللوعة والدهشة . ونكتشف ونحن ننتهي منها إننا كنا أسرى هذه الكاتبة المبدعة التي علّقت أجراساً للأحداث ووضعت القوافي لعباراتها ، فكانت أشبه بقصيدة !
* " فوضى الحواس " . رواية للكاتبة أحلام مستغانمي . صدرت عن دار الآداب / بيروت / الطبعة الثامنة / 1999 .
www.postpoems.com/members/gulizaranwar
٢٢/٠٤/٢٠٠٦

عبقرية ماريو بارغوس يوسا
mu29@hotmail.com
يعتبر الروائي الأكثر دهاء المولود في (البيرو) عام 1936م، في ولاية (اريكيبا)، والذي حقق حضوراً لافتاً بعد نشر روايته الأولى (المدينة والكلاب 1963) التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة بعد أن فازت بجوائز عدة، وأيضا كاتب مسرحي، مواضيعه تَركز على حقيقة الحياة في (بيرو)، ويَعْكسُ قلقَه للتغير الاجتماعي، ويناصر المعارك ضدّ الفسادِ. كتب رواية (وقت البطلِ 1967)، وكشف فيها كيفية تجنيد بعض الضباط للعمل في المؤسسات الاستعمارية السرية، للقيام بانقلابات عسكرية لصالح القوى العظمى، وكان يقرّ بان الرؤساء هم أول من يخونون البلد كلما استشرى الفساد الإداري في المرافق الحكومية.. ثم جاءت رواية (حديث في الكاتدرائيةِ 1975) المثيرة للجدل، والتي فضح فيها بعض رجال الدين عندما تكون مصالحهم فوق مصلحة من يناشدون باسمه، فكلما توغل القارئ، ينجذب إليه، ويرغب ببقية كتبه، فكتابه غزير المعلومة، دقيق التحديد، شامل التخصص، حصل (يوسا) في العام 1994م (جائزة سرفانتس للآداب) وهي أهم جائزة تمنح للآداب الناطقة بالاسبانية، وكتب مجموعة روايات مهمة أشهرها رواية (حفلة التيس)، رواية (من قتل بالومينو موليرو)، وحظيت روايته (البيت الأخضر) بالنجاح نفسه، ثم تتالت أعماله الروائية ومن أهمها: رواية (بانتاليون والزائرات)، ورواية (حرب نهاية العالم)، ورواية (قصة مايتا)، ورواية (امتداح الخالة)، ورواية (دفاتر دون ريغوبيرتو)، كما كتب عدداً من الدراسات النقدية منها (ماركيز: قصة محطم الآلــهــة) و(المجــون الأبــدي: فلوبير ومدام بوفاري)، وسواها من الدراسات المهمة التي جلبت له الشهرة الواســعة ومنحته مكانة رفيعة في عالم الإبداع والنقد. وله أيضا مجموعة من المسرحيات التي لم تقل شهرة عن بقية انجازاته، مثل؛ مسرحية (العمّة جوليا وكاتب النصوص، 1982)، ومسرحية (الزوّار 1988)، و كتابه الأخير (يوميات من العراق) وهو رحلة قام بها مع ابنته المصورة الصحافية (مورجانا) استمرت اثني عشر يوماً فقط، قام بها إلى العراق، بدأت في 25 حزيران وانتهت في السادس من تموز 2003م، ورغم أن هذه اليوميات التي جمعها (يوسا) وصدرت في الأسبانية أواخر العام الماضي، لاقت اهتمام العديد من وسائل الإعلام العالمية. ولكن الكتاب الأكثر شهرة من بين كتبه هو (رسائل إلى روائي شاب)، والذي يعد اليوم من أهم كتب النقد الأدبي، وقد افترض فيه بان كاتبا شابا يريد النصيحة، يراسله ويرد عليه (يوسا) بشكل رسائل مليئة بالتشويق، وزاخرة حتى يصبح الشاب كاتبا ناجحا في المستقبل، فكان عليه أن يتعلم جيدا، من اكبر أساتذة عصره، وأكثرهم معرفة وتواضعا، وتأكيداَ بأن (من يدخل الأدب، بحماسة من يعتنق دينا، ويكون مستعدا لأن يكرس لهذا الميل، وقته وطاقته وجهده، هو وحده من سيكون في وضع يمكنه من أن يصير كاتبا حقا، وأن يكتب عملا يعيش بعده)، فلا عجب من شخص، بحضوره، وبما أنجز من روايات لن تنسى، يمضي بتواضع العارف مهيمنا على قارئه، لا يتركه إلا بعد أن أعطاه أمثلة حياتية، في غاية التبسيط، لأجل أن يفحم قارئه، ويجعله مستوعبا الدرس البليغ، وهو أهم ما تمتلك الرواية من أسرار، ويحوي كشفا كبيرا على روايات بديعة لا يمكن لأي قارئ إلا وان تعرف على مبدعيها، فالكتاب يدخل في مفاصل الإعمال الروائية العظمية، تلك الروايات العظمية التي وصلت إلى مختلف اللغات بلا استثناء، وكتاب (يوسا) يحوى فصولا نقدية في غاية العبقرية، وبالغة الثراء، (أن الكاتب الذي يخدم أي حقيقة أخرى، غير التي يجب اكتشافها، هو كاتب غير ناجح)، كأنه وجد للكتاب الذين يريدون معرفة مستوى ما أنجزوه بين الراويات التي تملا الرفوف. فبوبَّ تلك الرسائل بأهم ما يهم به الروائي تجاه قارئه. امتدت تلك النصائح إلى اثنتي عشر رسالة، يغلب عليها العطاء المتواصل في الأدب الروائي وغوامضه، وكأنه يرشده معوضا عليه ما فقده الروائي في الرحلة المضنية، حيث لم يجد الروائي من يرشده، وقد بقي لوحده سنينا مضنيا في القراءة والدرس ليكتشف كل تلك الاضاءات وحده. يقول (يوسا) في كتابه (رسائل إلى روائي شاب): (إن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه للوقاية من التعاسة)، فظل (يوسا) يكتب عن الرواية باختلاف بين كتبه كل النقاد. على شكل رسائل، مختلقا فيها الأسئلة المتتابعة، وملتقطا الزوايا الخفية في روايات أكثرها وصلتنا الى العربية بأيدي مترجمين محترفين، وأخرى ربما لا نعرفها. (النصيحة التي تصيره كاتبا، محاولا التأكيد في الأساس، على شرط وجود –الميل- الأدبي لدى الروائي الشاب طالب النصيحة، وهو ميل أقل أبهة وغيبية عما يقدمه التفسير في أيامنا، كما انه استعداد فطري ذو أصول غامضة يدفع إلى الانخراط فيه، وكتابة القصص أملا في تحقيق الذات والانسجام مع النفس، وتقديم الأفضل، دون الإحساس بتبديد الحياة، إن منشأ الاستعداد المبكر لاختلاق كائنات وحكايات، والذي يشكل نقطة الانطلاق في ميل الكاتب، هو التمرد ورفض الحياة كما هي، والتمرد عليها، واستبدالها بما تصطنعه المخيلة والرغبة)، فالمعروف بان (يوسا) كان احد ساسة بلده، خلف نظام (مانويل) كرئيس لبلده (1948-1958م) ولكنه خسر كرسي الرئاسة في بلاده (1973م)، وكسب جمهورا غفيرا من القراء في كل أنحاء العالم، وكان من أهم الرسائل التي تناولها ما يلي: (قطع مكافئ للدودة الوحيدة، الكاتوبليباس)، (القدرة على الإقناع)، (الأسلوب)، (الراوي- المكان)، (الزمن- مستوى الواقع)، (النقلات والقفزات النوعية)، (العلبة الصينية)، (المعلومة المخبأة)، (الأواني المستطرقة- على سبيل الوداع). (يسأل القارئ يوسا في الخوف من أن ينذر الكاتب نفسه لخدمة الحقائق المعروفة فيكتبها وهي مكشوفة أمامه) يُرسل بعقل منفتح ما يؤرقه ككاتب له تجربة فذة في الكتابة تحمل سجالا، مُنيرا زوايا الرواية الخفية، ليختار أمثلة، من روايات لا تخلو مكتبة بيت منها، في روايات نعرفها وأخرى لا نعرفها، وهي بلغت اثنتي عشرة رسالة تحت عناوين مختلفة تدور بكلها حول الشكل الروائي بهيئته التي تبقى خالدة في الذهن، متمنيا على قارئه في الرسالة الأخيرة نسيان كل ما قرأه في رسائله إليه، والبدء، دفعة واحدة، بكتابة رواية ويجرب بها ما يريد تجربته، كون كل عقل خلاق يعرض تجربته، لأجل أن يضيء الطريق المظلم وسط أحراش الكتابة الشائكة. كتاب (يوسا) يحمل أفكارا تفتق الإبداع إلى منتهاه، لأنه يسير بثقة العارف الواثق في الطريق الحق، مستكشفا، و متحسسا طريقه بجهد ليكشف بعض الجوانب المجهولة للرواية المهمة، أفكاره سلسة، أسلوبه فريد، صاغها كأدب رسائل، فأدرج باقتداره الخارطة الإبداعية لوطنه والبشرية جمعاء، القارئ يسأل، و (يوسا) يقرا أفكاره فيجيب عن السؤال تلو السؤال، وكلما توغل الكاتب القدير في إثبات براهينه، يثبت لنا صورة (يوسا) الشجاعة والمؤثرة والمفيدة، المثيرة للجدل، عن صنعة الرواية في متاهاتها المستعصية الضبط. فكلما دققنا في الرسائل باهتمام اكبر، تكون الإجابة مستحيلة، فالرواية فن مفتوح التجارب، صار اليوم يحوي العلوم المليئة بالدرس الخصيب، و تكون الرواية معطية معلومات متواصلة في المكان الذي تركز الضوء فيه، فالرواية الحق غير محجوبة الحقيقة، مؤكدة، وثابتة المفاهيم، (قابلة للتأكيد سوى في بعض السلوكيات الشكلانية الكتابية التي يكاد يجمع عليها الكتّاب، وتسمح بإزالة كل الأوهام المسبقة في كتابة ذات أسس واضحة). أتمّ مؤكدا في معظم فصوله؛ على الإحاطة بملامح الأسلوب، (علينا استبعاد فكرة السلامة اللغوية. فليس مهما في شيء، أن يكون الأسلوب سليماً أو غير سليم، وإنما المهم هو أن يكون فعالا، ومناسبا لمهمته، وهي نفخ وهم بحياة، بالحقيقة، في القصص التي يرويها. هو تعريف يقارب في حضوره، قطف لحظة شعرية أكثر منها روائية)، وكذلك (بدلا من البحث عن الرواية المختفية في وراء ما، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل). وبتواضع المقتدر لم يضرب مثلا تطبيقيا (يوسا) واحد من النماذج التي كتبها، فمثل شخصية النحيل عازف الكيتار القتيل، (بالومينو موليرو)، كانت مرسومة بدقة سردية مدهشة، وصارت حية اكتست لحما ودما من خلال حركة شخصيات أخرى في الرواية كـ(ليتوما) مرافق (الملازم سيلفا) الذي عشق (دونيا ادرينا) وتحديه لها، لكشف جريمة قتل قامت بها (الأسماك الكبيرة- المتحكمة بمصير البلد) بحق الكولونيل (مندريا)، وابنته (اليسا)، لقد استدرج قارئه إلى نتائج جهنمية، لتبقى أسئلة الكاتب غير قلقة، وغير مرتابة. كلها تشير بثقة إلى الفعل ونتائجه، و تحمل قارئها رغبة بالتواصل؛ تلك الاضاءات من (يوسا) فرضها ميل علاقة الكاتب ومهنته، بكل كيانه، وما يفعله.
الاثنين، 17 نيسان، 2006
٢١/٠٤/٢٠٠٦

قصة قصيرة
المفتاح الذهبي
بقلم : كُليزار أنور
كاتبة عراقية
لم أسعد بشيء مثلَ سعادتي بهدية جدتي التي أهدتني إياها يوم تخرجي . نادتني في غرفتها .. وأخرجت من صندوقها القديم ، المزخرف سلسلة ذهبية يتدلى منها مفتاح صغير .. كانت رائعة ، فنطقت مندهشة :
_ الله .. ما أجملها !
_ استعمليها .. كتعويذة .
طلبت مني أن أستدير .. طوقت عنقي بها ، فركضت نحو المرآة .. وضعتُ يدي على المفتاح الذهبي لأتحسس جمالهُ على صدري .. قلت مُمازحة :
_ هل بإمكانهِ أن يفتح شيئاً ؟!
_ ربما ! فقد تحتاجينهُ يوماً .
* * *
سنون مضت على تخرجي . جدتي ماتت ، ولحقها أبي . وبعدها تزوجتُ من رَجلٍ يحبني وأُحبه .. جمعنا تخصصنا بادئ الأمر . وبينما كُنا منهمكين بالعمل ذات صباح .. وجدتهُ يحدق في صدري .. استغربت تصرفهُ ، لأنهُ من النوع الملتزم .. لم يفعلها لا معي ولا مع غيري من الزميلات ، فقلت :
_ ماذا هناك ؟!
رد بنبرة متعجبة :
_ المفتاح !
_ أي مفتاح ؟
_ منذ أول يوم رأيتكِ فيه ورأيتُ مفتاحكِ هذا وأنا لا أتمالك نفسي أمامك .
ضحكتُ من كلامهِ وتذكرتُ ممازحتي مع جدتي ، فها هو يفتح لي قلباً ظننتهُ مغلقاً ! لا يمكن أن أتصور ولو للحظة بأن المفتاح هو السبب في ارتباطي ، فمن الطبيعي ، والطبيعي جداً _ ويحصل كثيراً ومعَ غيري أيضاً _ أن أعمل في مكانٍ ما ويحبني زميلي ويقرر الارتباط بي .. وللزمالة _ دوماً _ الدور الكبير في جمع اثنين تحت سقفٍ واحد !
جمعنا النصيب رغم اننا كُنا طرفيّ نقيض .. غربٌ وشرق ، شمالٌ وجنوب ، موجـبٌ
وسالب .. نختلف في آرائنا ومبادئنا وأفكارنا ، ونتفق في محبتنا واحترامنا ووفائنا لبعضنا . وفي كثير من الأحيان .. إن أردتُ شيئاً معيناً فأني أقول عكس ما أُريد لأني متأكدة بأنهُ سيناقضني بالرأي ، وهذا التناقض ما كنتُ أُريدهُ بالأصل !
لو نظرنا إلى أي نهر سنجد أنَ الضفة اليمنى مختلفة عن الضفة اليسرى ، وبكل شيء .. هكذا كُنا أنا وهو .. ضفتان مختلفتان ، لكن .. لنهرٍ واحد !
* * *
أرى من بعيد قصراً كبيراً ذا أسوارٍ عالية .. أسير نحوه انهُ أشبه بقصور بغداد في ( ألف ليلةٍ وليلة ) . حينَ وصلت ، مشيت حول السور بحثاً عن البوابة .. وحينَ وصلتها وجدتها مغلقة. فتشت بنظري كل جوانبها ، ولم ألمح سوى باب صغير في الزاوية اليسرى ، وفي هذا الباب ثقبٌ صغير . تذكرت كلام جدتي : " ربما تحتاجينهُ يوماً ! " .
فتحتُ سلسلتي من رقبتي وأخذت المفتاح ووضعتهُ في ثقب الباب الصغير .. دخل .. أدرتهُ يميناً .. وفتح .. دفعتهُ ، فانفتحت البوابة الكبيرة .. ودخلت .
امتدت أمام ناظري حدائق غَناء متناسقة بألوانها وأشجارها وثمارها .. أشبه بحدائق ( قصر فرساي ) . مشيت .. مشيت ودون أي خوف أو رهبةٍ من المكان . دروب تقودني إلى دروب أجمل . كنتُ أسير وحدي .. لا يجرح صمت المكان سوى تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمام .
وتظهر القبب الحجرية والسقوف المزخرفة بالقرميد الأخضر والأحمر . تهب نسمة خفيفة ، فأسمع حفيف أوراق الشجر . أُتابع الدرب لأصعد ممراً مرصوفاً بالأحجار الملساء .. أمشي بهدوء وحذر ، مثل مَنْ تسير حافية .. وتستقبلني ساحة حجرية يحيط بها أشجار اللوز الأخضر المثقلة بأحمالها .. في وسطها نافورة تنثر دموعها حكايا زمنٍ مضى ! تعبت قليلاً ، فجلست على مقعدٍ حجري تحت ظلال شجرة البنفسج التي تبعث بشذاً يعبق المكان بطيبه .. أتنفس بعمق ليتغلغل إلى أعماق الروح . أضع يدي على المفتاح وأتذكرهُ .. يا ليتك معي الآن . قلت مع نفسي بصمت : أينَ أنت يا .. .. .. ، وقبل أن أهمس باسمهِ غمرتني موجة فرحٍ وأمان وأنا ألمحهُ قادماً نحوي . واستغربت وجوده . ولم يسألني ما الذي أتى بي إلى هنا . مضينا معاً نتجول في القصر الخالي . لا شيء سوى صوت السكينة وجدران صامتة تخفي وراءها حكايا صعب علينا أن نفهمها ! وجدنا الأبواب مفتوحة ، فدخلناها .. قاعة تقودنا إلى أُخرى .. ثرياتها عناقيد ضوءٍ متدلية .. تُزين جدرانها العالية لوحات فنية كبيرة وثمينة .. رأيتُ الموناليزا لدافنشي وبورتريه لسلفادور دالي وتحتها بالضبط لوحة لفائق حسن . أدهشني ذلك الأثاث الفاخر وتلك الشمعدانات الضخمة المضيئة .. وتساءلت : ليسَ من أحدٍ هنا . إذنْ .. مَنْ الذي أوقد شموعها؟!
القصر الصامت يتحدث عن حياة عامرة ، مترفة كانت هنا ! وكأنهُ كانَ مسكوناً وغادره أهله قبل أن نصل بثوان !
ومثل ظل يظهر إنساناً .. نمشي نحوه .. يخرج من الباب .. نتبعه .. لا أحد هناك ! استقبلنا موكباً من الفراشات الملونة .. جريت نحو أكبرها غير مصدقة وقلت : ياه .. ما أجملها . ولم أنتبه للغصن النافر من شجرة التفاح ، فاصطدمت به .. ولم أنتبه بأن السلسلة انقطعت من عنقي وانجرحت يدي . أخرج منديلاً من جيبه ليربط به معصمي .. وحين رأيتُ منظر الدم شعرت بالإغماء .
أسمعهُ يناديني :
_ شيلان .. شيلان .
لكني لا أقوى على الرد .. وسمعتهُ مرة أُخرى :
_ شيلان .. شيلان .
فتحتُ عينيّ بصعوبة .. وجدتهُ أمامي :
_ ما بكِ .. استيقظي .. تأخرنا على الدوام .
أينَ أنا .. هل كانَ حُلماً ما رأيت ؟؟ تحسست السلسلة في رقبتي .. لم أجدها .. وانتبهت بأن معصمي مربوط بمنديلٍ أبيض . ناديته ، فأجاب من المطبخ :
_ إني أُهيئ الفطور .
نهضت من السرير وقصدتهُ مسرعة .. رفعتُ يدي إلى جيبِ قميصهِ .. قال باستغراب :
_ ما بها يدكِ ؟ ومتى ربطتها بمنديلي ؟ كم بحثتُ عنه !
لم أرد .. أدخلتُ أصابعي في جيب القميص الذي غسلتهُ وكويتهُ بالأمس قبل أن أنام .. تلمستْ رؤوس أناملي السلسلة .. سحبتها .. كلانا ينظر إليها بذهول .. واندهشت أنا ، فلم يكن معها المفتاح !
www.postpoems.com/members/gulizaranwar
المفتاح الذهبي
بقلم : كُليزار أنور
كاتبة عراقية
لم أسعد بشيء مثلَ سعادتي بهدية جدتي التي أهدتني إياها يوم تخرجي . نادتني في غرفتها .. وأخرجت من صندوقها القديم ، المزخرف سلسلة ذهبية يتدلى منها مفتاح صغير .. كانت رائعة ، فنطقت مندهشة :
_ الله .. ما أجملها !
_ استعمليها .. كتعويذة .
طلبت مني أن أستدير .. طوقت عنقي بها ، فركضت نحو المرآة .. وضعتُ يدي على المفتاح الذهبي لأتحسس جمالهُ على صدري .. قلت مُمازحة :
_ هل بإمكانهِ أن يفتح شيئاً ؟!
_ ربما ! فقد تحتاجينهُ يوماً .
* * *
سنون مضت على تخرجي . جدتي ماتت ، ولحقها أبي . وبعدها تزوجتُ من رَجلٍ يحبني وأُحبه .. جمعنا تخصصنا بادئ الأمر . وبينما كُنا منهمكين بالعمل ذات صباح .. وجدتهُ يحدق في صدري .. استغربت تصرفهُ ، لأنهُ من النوع الملتزم .. لم يفعلها لا معي ولا مع غيري من الزميلات ، فقلت :
_ ماذا هناك ؟!
رد بنبرة متعجبة :
_ المفتاح !
_ أي مفتاح ؟
_ منذ أول يوم رأيتكِ فيه ورأيتُ مفتاحكِ هذا وأنا لا أتمالك نفسي أمامك .
ضحكتُ من كلامهِ وتذكرتُ ممازحتي مع جدتي ، فها هو يفتح لي قلباً ظننتهُ مغلقاً ! لا يمكن أن أتصور ولو للحظة بأن المفتاح هو السبب في ارتباطي ، فمن الطبيعي ، والطبيعي جداً _ ويحصل كثيراً ومعَ غيري أيضاً _ أن أعمل في مكانٍ ما ويحبني زميلي ويقرر الارتباط بي .. وللزمالة _ دوماً _ الدور الكبير في جمع اثنين تحت سقفٍ واحد !
جمعنا النصيب رغم اننا كُنا طرفيّ نقيض .. غربٌ وشرق ، شمالٌ وجنوب ، موجـبٌ
وسالب .. نختلف في آرائنا ومبادئنا وأفكارنا ، ونتفق في محبتنا واحترامنا ووفائنا لبعضنا . وفي كثير من الأحيان .. إن أردتُ شيئاً معيناً فأني أقول عكس ما أُريد لأني متأكدة بأنهُ سيناقضني بالرأي ، وهذا التناقض ما كنتُ أُريدهُ بالأصل !
لو نظرنا إلى أي نهر سنجد أنَ الضفة اليمنى مختلفة عن الضفة اليسرى ، وبكل شيء .. هكذا كُنا أنا وهو .. ضفتان مختلفتان ، لكن .. لنهرٍ واحد !
* * *
أرى من بعيد قصراً كبيراً ذا أسوارٍ عالية .. أسير نحوه انهُ أشبه بقصور بغداد في ( ألف ليلةٍ وليلة ) . حينَ وصلت ، مشيت حول السور بحثاً عن البوابة .. وحينَ وصلتها وجدتها مغلقة. فتشت بنظري كل جوانبها ، ولم ألمح سوى باب صغير في الزاوية اليسرى ، وفي هذا الباب ثقبٌ صغير . تذكرت كلام جدتي : " ربما تحتاجينهُ يوماً ! " .
فتحتُ سلسلتي من رقبتي وأخذت المفتاح ووضعتهُ في ثقب الباب الصغير .. دخل .. أدرتهُ يميناً .. وفتح .. دفعتهُ ، فانفتحت البوابة الكبيرة .. ودخلت .
امتدت أمام ناظري حدائق غَناء متناسقة بألوانها وأشجارها وثمارها .. أشبه بحدائق ( قصر فرساي ) . مشيت .. مشيت ودون أي خوف أو رهبةٍ من المكان . دروب تقودني إلى دروب أجمل . كنتُ أسير وحدي .. لا يجرح صمت المكان سوى تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمام .
وتظهر القبب الحجرية والسقوف المزخرفة بالقرميد الأخضر والأحمر . تهب نسمة خفيفة ، فأسمع حفيف أوراق الشجر . أُتابع الدرب لأصعد ممراً مرصوفاً بالأحجار الملساء .. أمشي بهدوء وحذر ، مثل مَنْ تسير حافية .. وتستقبلني ساحة حجرية يحيط بها أشجار اللوز الأخضر المثقلة بأحمالها .. في وسطها نافورة تنثر دموعها حكايا زمنٍ مضى ! تعبت قليلاً ، فجلست على مقعدٍ حجري تحت ظلال شجرة البنفسج التي تبعث بشذاً يعبق المكان بطيبه .. أتنفس بعمق ليتغلغل إلى أعماق الروح . أضع يدي على المفتاح وأتذكرهُ .. يا ليتك معي الآن . قلت مع نفسي بصمت : أينَ أنت يا .. .. .. ، وقبل أن أهمس باسمهِ غمرتني موجة فرحٍ وأمان وأنا ألمحهُ قادماً نحوي . واستغربت وجوده . ولم يسألني ما الذي أتى بي إلى هنا . مضينا معاً نتجول في القصر الخالي . لا شيء سوى صوت السكينة وجدران صامتة تخفي وراءها حكايا صعب علينا أن نفهمها ! وجدنا الأبواب مفتوحة ، فدخلناها .. قاعة تقودنا إلى أُخرى .. ثرياتها عناقيد ضوءٍ متدلية .. تُزين جدرانها العالية لوحات فنية كبيرة وثمينة .. رأيتُ الموناليزا لدافنشي وبورتريه لسلفادور دالي وتحتها بالضبط لوحة لفائق حسن . أدهشني ذلك الأثاث الفاخر وتلك الشمعدانات الضخمة المضيئة .. وتساءلت : ليسَ من أحدٍ هنا . إذنْ .. مَنْ الذي أوقد شموعها؟!
القصر الصامت يتحدث عن حياة عامرة ، مترفة كانت هنا ! وكأنهُ كانَ مسكوناً وغادره أهله قبل أن نصل بثوان !
ومثل ظل يظهر إنساناً .. نمشي نحوه .. يخرج من الباب .. نتبعه .. لا أحد هناك ! استقبلنا موكباً من الفراشات الملونة .. جريت نحو أكبرها غير مصدقة وقلت : ياه .. ما أجملها . ولم أنتبه للغصن النافر من شجرة التفاح ، فاصطدمت به .. ولم أنتبه بأن السلسلة انقطعت من عنقي وانجرحت يدي . أخرج منديلاً من جيبه ليربط به معصمي .. وحين رأيتُ منظر الدم شعرت بالإغماء .
أسمعهُ يناديني :
_ شيلان .. شيلان .
لكني لا أقوى على الرد .. وسمعتهُ مرة أُخرى :
_ شيلان .. شيلان .
فتحتُ عينيّ بصعوبة .. وجدتهُ أمامي :
_ ما بكِ .. استيقظي .. تأخرنا على الدوام .
أينَ أنا .. هل كانَ حُلماً ما رأيت ؟؟ تحسست السلسلة في رقبتي .. لم أجدها .. وانتبهت بأن معصمي مربوط بمنديلٍ أبيض . ناديته ، فأجاب من المطبخ :
_ إني أُهيئ الفطور .
نهضت من السرير وقصدتهُ مسرعة .. رفعتُ يدي إلى جيبِ قميصهِ .. قال باستغراب :
_ ما بها يدكِ ؟ ومتى ربطتها بمنديلي ؟ كم بحثتُ عنه !
لم أرد .. أدخلتُ أصابعي في جيب القميص الذي غسلتهُ وكويتهُ بالأمس قبل أن أنام .. تلمستْ رؤوس أناملي السلسلة .. سحبتها .. كلانا ينظر إليها بذهول .. واندهشت أنا ، فلم يكن معها المفتاح !
www.postpoems.com/members/gulizaranwar

الآيديولوجيا .. وتحدي الحداثة
ضمد كاظم وسمي
نحن العرب و المسلمين .. أو بدقة أكبر نحن سكان البلاد العربية و الإسلامية .. نحن شعوب مبشومة حد التخمة بفخار (( خير أمة أخرجت للناس )) .. في الوقت الذي يقعد هذا الهوس الطاووسي على واقع مترد وبائس والأكثر تخلفاً وهواناً في العالم .. نزهو وتنتفخ أوداجنا عجباً بما نتوفر عليه من أعراف وعادات وتقاليد سحيقة البدائية .. والإنسانية الحقه تمجها .. ولا تنظر إليها إلا بمنظار الفلكلور والتاريخ والآركيولوجيا .
نحن نتباهى و نمتلئ كالمناطيد التي تظن أنها على شيء .. بل ونبتهـج بأنظمتنا العشائرية والقبلية والطائفية والعرقية والأحادية الفكرية .. وكلها تنتمي إلى التراث .. ونحن وحدنا من ينام معه في قبوره ونعبد أمواته .. نغذ السير نحو تفخيذ شعوبنا وتجزئة أوطاننا إلى أعراق وطوائف متنابذة متنافرة .. وفي ذلك كله نسير خلف قيادات تتغذى من سلة مهملات التاريخ .. تبلد عقولنا بفكر بائس .. وتلاعب قلوبنا من خلال إعادة إنتاج الماضي بوصفه تاريخ التزمت والانغلاق .. وتاريخ التكــرار والاجترار ، وترمي بنا في هوة بلا قرار تشكل منظومة التخلف الكبرى لبلادنا .
يستعصي علينا التعامل مع العلم .. ولا نكترث بالتجربة ولا نعي الاستقراء أو الاستنتاج .. بل لا نؤمن بإرجاع الأحداث إلى مسبباتها الواقعية .. ولا نقر بالفكر النسبي .. لسبب بسيط هو إننا قد استعمرنا ولما نزل من قبل قوة الماضي .. وفكره القار .. حتى استعبدتنا تقاليده .. وصارت مسلماته بديهيات لا تناقش وهكذا فإننا نملك كل الحلول مرة واحدة وبأعجوبة قل نظيرها في التاريخ .. نحن لا نفكر .. نعم نحب ونكره .. نعظم ونلعن .. ونعمل وبإصرار وثقة مطلقة لتجميل تاريخ يستحيل تجميله .. أما إذا فكـرنا – وهـذا استثناء – فإنما نصوغ تفكيرنا في (( لغة محنطة )) لا ترتدي سوى أكفان الماضـي .. ولا نصرخ إلا بصوت (( المنتصر التاريخي ، بطل كل الأزمان )) .. مع إن واقع حالنا يقول إننا أمة مهزومة تحارب طواحين الهواء وهي تنغمس حتى ناصيتها في ذهول حضاري رهيب .. لأننا لا نعترف بأخطائنا البتة حيث نقرأ تاريخنا قراءة تبجيلية تقديسية .. وارت عنا حقائقه .. وأعطتنا تاريخا كاذبا خاليا من أي عيب وزورته لصالح الأيديولوجيا ، أما إذا ظهر نتوء سيئ في هذه المسيرة العظيمة فمرجعه إلى مؤامرات الآخر والتخوين الرخيص والبدع والكفر والشعوبية .. وهكذا تمادينا في الغباء إلى درجة أن جعلنا من ماضينا وحاضرنا سلسلة من المؤامرات والدسائس .. لكننا لم نستفد ولو لمرة واحدة لتجنب المؤامرات اللاحقة ، بل استمرأنا رفس الآخرين على ظهورنا دون أن نضرب أحدا على قفاه ولو بمؤامرة نحن صنعناها .. فإلى أين يريـد أن ينتهي بنا المتلاعبون بعقولنا .. ونحن نحيى في قاع تراتب الأمم قاطبة ؟ ..
في الوقت الذي يعيش فيه العالم مرحلة النهايات .. نعيش نحن بداية البدايات .. في هذه اللحظة الفارقة .. نحن وبخلاف العالم نتمسك بالأيديولوجيات حد الانتحار .. ونذوب في الغيب .. وننتمي إلى التاريخ وننكر المستقبل .. من دون أن نؤسس ولو للحظة واحدة لآليات حقوق الإنسان أو الدخول في المشروع الديمقراطي .. ولا ننضج أفكارنا إلا بلغة الحداد .. لأنه مرتبط بالانكسارات وحياتنا كلها انكساريات .. ننظر إلى قيم التسامح والمساواة بين البشر بغض النظر عن اللون والمعتقد والعرق على إنها قيم ضعف وبلاهة .. ونستبدلها بقيم أخرى تبنى على أساس الثار والتطهير العرقي والطائفي والسياسي .. ونتعامل مع الآخر على أساس مبدأ الولاء والبراء الذي يواجه تيار العولمة الجارف .. بتيار مضاد نحو القبيلة – الطائفة – العرق – الحزب – الوطن الوهم ، في الوقت الذي يضيع من بين أيدينا الوطن الحقيقي .. وتغيب فيه المواطنة الحقة حتى صرنا أضحوكة للآخرين – يا أمة ضحكت من جهلها الأمم – لأننا تخلينا ومنذ قرون مضت عن منجز الإنسان وعقله .. ولا نلامس الروح النقدية الوثابة إلا لماماً ، حيث نمتلك مرجعية ومنظومة فكرية متكاملة نقدسها ويستحيـل علينـا نقدها لأنها مبنية على نظريات مطلقة نؤمن بها حد الفناء ، الأمر الذي يشكل تقاطعا صارما بيننا وبين الحداثة القائمة على أساس الفكر النسبي وجهد الإنسان وعقله لا علــى أساس البعد الماورائي .. كما إنها تؤمن بنقد الأفكار المطلقة ولا تستلم لها .. كل ذلك زرع الكراهية والبغضاء في نفوسنا تجاه الحداثة الآتية من الغرب فضلا عن الكراهية التاريخية المستمدة مما عرف بالحروب الصليبية .. رغم إننا لانجد بأسا من استخدام تكنولوجيا الحداثة في حياتنا اليومية لكننا نمقتها كفكر وأساليب ومناهج أوصلت الغرب إلى ما وصل أليه اليوم من تقدم ورقي في مضامير الحضارة والثقافة .
أن الحداثة في العالم المتقدم حققت طفرة افتراقية هائلة عن فترة العصور الوسطى .. وانجلت عن تطور نوعي كبير تمخضت عنه (( حياة اجتماعية مترفة تصوغها أنظمة قانونية ونظريات معرفية تتقاطع بالكامل عمه نعيشه نحن العرب والمسلمون )) .. لأننا لانتساوق مع أبعاد الحداثة التاريخية والفلسفية والفكرية ولا نتعاطى معها .. فدلالتها التاريخية تشير إلى عصر النهضة وما صاحبها ونتج عنها من أحداث مفصلية انعطافية كبرى كاكتشاف العالم الجديد ، والإصلاح الديني ، والثورة الفرنسية ، وعصر وفكر الأنوار ، وانهيار النظام الإقطاعي وبروز الرأسمالية التجارية والصناعية والمالية والمعلوماتية .. أما مدلولها الآخر فيشير إلى بنية فلسفية وفكرية تمثلت في ظهر الحركة الإنسانية التي نادت بإمامة العقل وتمجيد الفرد .. وتعطي للإنسان قيمة عليا وأساسية في الكون .. وتسير الحياة وفق نزعة عقلانية اداتية صارمة في مجال المعرفة والعمل معاً .
وهكذا خلصت الحداثة نحو (( عالم تحكمه العولمة . أي السيطرة المطلقة للرأسمال العالمي المهاجر كونيا والمحطم للحدود والحواجز بين الدول والذي يشيع الدولة / الأمة إلى مثواها الأخير .. كما انه يتسم بالسيطرة المطلقة للصورة كلغة وكأداة تواصل وتكييف وبالثقافة الإلكترونية المصاحبة لها )) .. فأين نحن من الحداثة التي تضع ثقافتنا وكل الثقافات الأخرى بين فكي التكيف والموت التاريخي ، والموت التاريخي جدير بمن يحيون في الماضي وينامون في قبوره .. أما التكيف الإيجابي فيليق بمن يؤمنون ويعملون ضمن دينامية تاريخية .. واستجابة إيجابية للتحدي التاريخي الكبير الذي تطرحه الحداثة في هذا العصر .
ضمد كاظم وسمي
نحن العرب و المسلمين .. أو بدقة أكبر نحن سكان البلاد العربية و الإسلامية .. نحن شعوب مبشومة حد التخمة بفخار (( خير أمة أخرجت للناس )) .. في الوقت الذي يقعد هذا الهوس الطاووسي على واقع مترد وبائس والأكثر تخلفاً وهواناً في العالم .. نزهو وتنتفخ أوداجنا عجباً بما نتوفر عليه من أعراف وعادات وتقاليد سحيقة البدائية .. والإنسانية الحقه تمجها .. ولا تنظر إليها إلا بمنظار الفلكلور والتاريخ والآركيولوجيا .
نحن نتباهى و نمتلئ كالمناطيد التي تظن أنها على شيء .. بل ونبتهـج بأنظمتنا العشائرية والقبلية والطائفية والعرقية والأحادية الفكرية .. وكلها تنتمي إلى التراث .. ونحن وحدنا من ينام معه في قبوره ونعبد أمواته .. نغذ السير نحو تفخيذ شعوبنا وتجزئة أوطاننا إلى أعراق وطوائف متنابذة متنافرة .. وفي ذلك كله نسير خلف قيادات تتغذى من سلة مهملات التاريخ .. تبلد عقولنا بفكر بائس .. وتلاعب قلوبنا من خلال إعادة إنتاج الماضي بوصفه تاريخ التزمت والانغلاق .. وتاريخ التكــرار والاجترار ، وترمي بنا في هوة بلا قرار تشكل منظومة التخلف الكبرى لبلادنا .
يستعصي علينا التعامل مع العلم .. ولا نكترث بالتجربة ولا نعي الاستقراء أو الاستنتاج .. بل لا نؤمن بإرجاع الأحداث إلى مسبباتها الواقعية .. ولا نقر بالفكر النسبي .. لسبب بسيط هو إننا قد استعمرنا ولما نزل من قبل قوة الماضي .. وفكره القار .. حتى استعبدتنا تقاليده .. وصارت مسلماته بديهيات لا تناقش وهكذا فإننا نملك كل الحلول مرة واحدة وبأعجوبة قل نظيرها في التاريخ .. نحن لا نفكر .. نعم نحب ونكره .. نعظم ونلعن .. ونعمل وبإصرار وثقة مطلقة لتجميل تاريخ يستحيل تجميله .. أما إذا فكـرنا – وهـذا استثناء – فإنما نصوغ تفكيرنا في (( لغة محنطة )) لا ترتدي سوى أكفان الماضـي .. ولا نصرخ إلا بصوت (( المنتصر التاريخي ، بطل كل الأزمان )) .. مع إن واقع حالنا يقول إننا أمة مهزومة تحارب طواحين الهواء وهي تنغمس حتى ناصيتها في ذهول حضاري رهيب .. لأننا لا نعترف بأخطائنا البتة حيث نقرأ تاريخنا قراءة تبجيلية تقديسية .. وارت عنا حقائقه .. وأعطتنا تاريخا كاذبا خاليا من أي عيب وزورته لصالح الأيديولوجيا ، أما إذا ظهر نتوء سيئ في هذه المسيرة العظيمة فمرجعه إلى مؤامرات الآخر والتخوين الرخيص والبدع والكفر والشعوبية .. وهكذا تمادينا في الغباء إلى درجة أن جعلنا من ماضينا وحاضرنا سلسلة من المؤامرات والدسائس .. لكننا لم نستفد ولو لمرة واحدة لتجنب المؤامرات اللاحقة ، بل استمرأنا رفس الآخرين على ظهورنا دون أن نضرب أحدا على قفاه ولو بمؤامرة نحن صنعناها .. فإلى أين يريـد أن ينتهي بنا المتلاعبون بعقولنا .. ونحن نحيى في قاع تراتب الأمم قاطبة ؟ ..
في الوقت الذي يعيش فيه العالم مرحلة النهايات .. نعيش نحن بداية البدايات .. في هذه اللحظة الفارقة .. نحن وبخلاف العالم نتمسك بالأيديولوجيات حد الانتحار .. ونذوب في الغيب .. وننتمي إلى التاريخ وننكر المستقبل .. من دون أن نؤسس ولو للحظة واحدة لآليات حقوق الإنسان أو الدخول في المشروع الديمقراطي .. ولا ننضج أفكارنا إلا بلغة الحداد .. لأنه مرتبط بالانكسارات وحياتنا كلها انكساريات .. ننظر إلى قيم التسامح والمساواة بين البشر بغض النظر عن اللون والمعتقد والعرق على إنها قيم ضعف وبلاهة .. ونستبدلها بقيم أخرى تبنى على أساس الثار والتطهير العرقي والطائفي والسياسي .. ونتعامل مع الآخر على أساس مبدأ الولاء والبراء الذي يواجه تيار العولمة الجارف .. بتيار مضاد نحو القبيلة – الطائفة – العرق – الحزب – الوطن الوهم ، في الوقت الذي يضيع من بين أيدينا الوطن الحقيقي .. وتغيب فيه المواطنة الحقة حتى صرنا أضحوكة للآخرين – يا أمة ضحكت من جهلها الأمم – لأننا تخلينا ومنذ قرون مضت عن منجز الإنسان وعقله .. ولا نلامس الروح النقدية الوثابة إلا لماماً ، حيث نمتلك مرجعية ومنظومة فكرية متكاملة نقدسها ويستحيـل علينـا نقدها لأنها مبنية على نظريات مطلقة نؤمن بها حد الفناء ، الأمر الذي يشكل تقاطعا صارما بيننا وبين الحداثة القائمة على أساس الفكر النسبي وجهد الإنسان وعقله لا علــى أساس البعد الماورائي .. كما إنها تؤمن بنقد الأفكار المطلقة ولا تستلم لها .. كل ذلك زرع الكراهية والبغضاء في نفوسنا تجاه الحداثة الآتية من الغرب فضلا عن الكراهية التاريخية المستمدة مما عرف بالحروب الصليبية .. رغم إننا لانجد بأسا من استخدام تكنولوجيا الحداثة في حياتنا اليومية لكننا نمقتها كفكر وأساليب ومناهج أوصلت الغرب إلى ما وصل أليه اليوم من تقدم ورقي في مضامير الحضارة والثقافة .
أن الحداثة في العالم المتقدم حققت طفرة افتراقية هائلة عن فترة العصور الوسطى .. وانجلت عن تطور نوعي كبير تمخضت عنه (( حياة اجتماعية مترفة تصوغها أنظمة قانونية ونظريات معرفية تتقاطع بالكامل عمه نعيشه نحن العرب والمسلمون )) .. لأننا لانتساوق مع أبعاد الحداثة التاريخية والفلسفية والفكرية ولا نتعاطى معها .. فدلالتها التاريخية تشير إلى عصر النهضة وما صاحبها ونتج عنها من أحداث مفصلية انعطافية كبرى كاكتشاف العالم الجديد ، والإصلاح الديني ، والثورة الفرنسية ، وعصر وفكر الأنوار ، وانهيار النظام الإقطاعي وبروز الرأسمالية التجارية والصناعية والمالية والمعلوماتية .. أما مدلولها الآخر فيشير إلى بنية فلسفية وفكرية تمثلت في ظهر الحركة الإنسانية التي نادت بإمامة العقل وتمجيد الفرد .. وتعطي للإنسان قيمة عليا وأساسية في الكون .. وتسير الحياة وفق نزعة عقلانية اداتية صارمة في مجال المعرفة والعمل معاً .
وهكذا خلصت الحداثة نحو (( عالم تحكمه العولمة . أي السيطرة المطلقة للرأسمال العالمي المهاجر كونيا والمحطم للحدود والحواجز بين الدول والذي يشيع الدولة / الأمة إلى مثواها الأخير .. كما انه يتسم بالسيطرة المطلقة للصورة كلغة وكأداة تواصل وتكييف وبالثقافة الإلكترونية المصاحبة لها )) .. فأين نحن من الحداثة التي تضع ثقافتنا وكل الثقافات الأخرى بين فكي التكيف والموت التاريخي ، والموت التاريخي جدير بمن يحيون في الماضي وينامون في قبوره .. أما التكيف الإيجابي فيليق بمن يؤمنون ويعملون ضمن دينامية تاريخية .. واستجابة إيجابية للتحدي التاريخي الكبير الذي تطرحه الحداثة في هذا العصر .

مصعب أمير إسماعيل
(( الميكينج: دعاية جديدة لأفلام السينما المصرية ))
تصوير مقاطع من الأفلام وكواليسها مع أغنية شبابية أحدث أساليب الترويج للأفلام السينمائية على القنوات الفضائية. نجح منتجو أفلام السينما المصرية في جذب جمهور الشباب إلى صالات العرض من خلال الدعاية الجاذبة لأفلامهم على القنوات الفضائية والمعروفة باسم " الميكينج" حيث تم تصوير مقاطع من الفلم وكواليس التصوير وفي خلفيته أغنية أعدت خصيصاً للفلم يشارك في أدائها البطل والبطلة ضمن سياق الأحداث ويرى الكاتب إن هذه الظاهرة الدعائية الذكية قد بنيت على أغنية (سيلين ديون) في فلم (تايتانك) التي عبرت عن علاقة بين ( ديكابريو) الفقير وكيت ونسولت الغنية وسط أحداث كارثية حقيقية وكانت بمثابة الأغنية- الرثاء للفاجعة المتمثلة بغرق السفينة. ولا يخلو فلم سينمائي من الاعتماد على الميكينج وأصبح الاهتمام به يفوق الاهتمام بملصقات الفلم كما في الماضي حيث استفادت بهذه الدعاية الأفلام بتحقيق إيرادات مالية كما في فلم التايتانك ويعتبر (فلم أبو علي) من ابرز الأفلام التي استفادت بالميكينج وتدور أحداث فلم أبو علي للمخرج احمد جلال وبطولة كريم عبد العزيز ومنى زكي حول شخصية اللص الظريف الذي تظطره الظروف الأسرية بالتعامل مع إحدى العصابات المتخصصة في تهريب السيارات إلى مصر بأوراق مزورة. كما استفاد من الميكينج فلم (زكي شان ) للمخرج وائل إحسان وبطولة كل من احمد حلمي وياسمين عبد العزيز حيث حقق إيرادات تجاوزت كل التوقعات خصوصا وان فلم احمد حلمي الأخير (صايع بحر) الذي لم يحقق نجاح جماهيري كبير أثناء عرضه وتدور أحداث فلم (زكي شان) حول شخصية زكي (احمد حلمي) الضعيف البنية الذي يفاجأ أسرته برغبته باحتراف مهنة البدي كارد وتتولد الكوميديا بين المفارقات في عمله كحارس خاص وضعف بنيته كما نجح فلم (السيد أبو العربي وصل )في جذب الجمهور الشبابي إليه من خلال دعاية الميكينج حيث احتل المركز الثالث من حيث الإيرادات مقارنة بما سبقه من أفلام وتدور أحداث فلم (السيد أبو العربي) للمخرج محسن احمد وبطولة كل من هاني رمزي ومنة شلبي حول شخصية السيد البور سعيدي الشهير الملقب (أبو العربي) وهي شخصية كذابة تهول كل الأمور وتدعي المعرفة بكل شيء فيه روح من الكوميديا كما نجحت دعاية الميكينج في زيادة إيرادات فلم المخرجة (إيناس الدغيدي) الأخير (الباحثات عن الحرية) ليحتل المكانة الرابعة بالإيرادات حيث خصصت قناة روتانا سينما حلقة كاملة عن الفلم الذي حصد أيضا جائزة أحسن فلم في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي وتدور أحداث الفلم حول ثلاث قصص واقعية لثلاث نساء عربيات يجمعهن ظروف الغربة والهدف المشترك وهو البحث عن الحرية في فرنسا فالأولى هي داليا البحيري المصرية الجنسية والفنانة التشكيلية الناجحة والصريحة فتقرر الطلاق وترك طفلها في مصر والسفر إلى باريس بحثا عن النجاح والشهرة والثانية هي اللبنانية نيكول بروديل التي تهرب إلى باريس بعد خطف خطيبها كرهينة ومات أهلها في الحرب الباهلية اللبنانية بحثا عن الأمان والاستقرار وتعمل صحفية في احد المجلات اللبنانية في فرنسا ولكلنها تفشل في الاندماج السوي مع المجتمع الفرنسي والثالثة من بلاد المغرب (سناء موزيان) والتي تهاجر لفقرها إلى باريس بحثا عن الحرية والثراء لتظرها الظروف للعمل في أعمال متواضعة كخادمة ثم جليسة لرجل مسن الذي يعجب بإخلاصها فيوصي لها بجزء من ثروته، كما نجح فلم (خالي من الكولي سترول ) للمخرج محمد أبو سيف وبطولة اشرف عبد الباقي والهام شاهين وتدور أحداث الفلم عن عالم الإعلانات من خلال شخصية البطل اشرف عبد الباقي الموهوب في عالم الإعلانات وله أم معاقة ذهنيا (الهام شاهين )ويتعرض البطل للعديد من المواقف المأساوية والكوميدية لما يسود عالم الإعلانات من غرائب ومفارقات، واستفاد فلم (علي سبايسي) من الميكينج أيضا من خلال أغنية حكيم (هي الحالة أيه) وأيضا فلم (حرب أطاليا) من بطولة احمد السقا من أغنية رائعة يغنيها مدحت صالح رغم عدم اشتراكه في الفلم كذلك فلم (عيال حبيبة) للمخرج مجدي الهواري وفلم( سيد العاطفي) وأغنية مصطفى قمر في فلم (حريم كريم ) وأغنية (شفتي وصلتي فين ) من فلم (منتهى اللذة) وأغنية المطرب الشعبي (ريكو) في فلم (محمد خان) الجديد (بنات وسط البلد ) وأصبح الميكينج واحدة من أدوات ولغة السينما الحديثة بما يتجاوز كثيراً الدعايات للأفلام التي كانت تقدم اغلبها (نوال).
(( التطرف الفكري والسينما ))
في لقاء شاهدته على التلفاز عام 2001 على قناة الجزيرة مع الدكتور مراد وهبة رئيس جمعية الفلسفة المصرية وعضو جمعية السلام في كوبن هاكن تحدث فيه عن التطرف،وقال ببساطة إن التطرف شيء خطير ومدمر وهو إلغاء الوسط بين اليمين واليسار وإلغاء الحوار بين الأديان والحضارات وبين الشمال والجنوب وهو التعصب الأعمى سواء كان طائفيا أو عرقيا أو دينينا والتاريخ حافل بالمجازر التي كان سببها التطرف وقد سادت في العقود السابقة حركات متطرفة ذات طابع يساري مرتبط بالاتحاد السوفيتي مثل الألوية الحمراء في أطاليا والجيش الأحمر الياباني وكارلوس الملقب بالإرهابي آنذاك أما الآن فان التطرف اليميني هو السائد في الساحة السياسية ففي الدين اليهودي عصا القوة بيد التيار اليميني المتمثل باريل شارون وفي المسيحية هناك الإدارة الجمهورية اليمينية المحافظة وفي الإسلام هناك حركات متطرفة هي الفاعلة في الساحة السياسية وقال إن الأزمات السياسية سوف تستمر في العالم والدول وبينها، إلا في حالة واحدة هي صعود تيار علماني معتدل في القمم الثلاث يؤمن بلغة الحوار والسلام. وحسبما يرى كاتب هذا المقال ، إن التطرف هو غياب الألوان والتصادم إلى ما لا نهاية، التطرف هو أثداء يابسة لا تدر الحليب، التطرف هو تساقط الشعر من على راس الفتيات أو امتلاء القلب بعد الوجه بالشيب، التطرف هو انحرافات الرياح والطرق المتعرجة المسدودة بل هو الانهمارات الترابية، التطرف هو الأقنعة المزيفة، هو أظافر الطريق الطويلة المدببة، هو دوائر داخل دوائر تدور داخل دوائر، التطرف هو غياب التدفق والحيوية، هو شجرة برتقال بدون أثمار، سفينة تائهة في البحر بلا ركاب، هو وجع الأغصان وانين اللوحا ت الأنيقة، التطرف هو ذيل تاريخ مزيف وعدواني، التطرف هو الانزلاق بدون توقف إلى هاوية ما، التطرف هو تطاير الشفاه من وجوه النساء، التطرف هو اغتيال الحلم والبراءة والتطرف هو انغلاق الوعي وتبيض ما لا يعتق التبيض، والتصرف هو رعشة الأرامل هو احتياج النظارات لكي ترى كل شيء، التطرف هو محيطات الغباء وجبال ( الـ TNT) الجاهزة للتفجير، التطرف هو ثلج الشتاء القاسي حيث تقل درجات الحرارة عن الصفر المئوي( بـ -16 درجة) وعلاقات اجتماعية ابرد من هذه الدرجة، التطرف هو نار الأسئلة التي بلا أجوبة، هو زلازل من الحوق، التطرف هو غياب الطمأنينة وغياب فيالق الفرح والحب هو ازدواج الصورة وأرصفة متناثرة وأشلاء هنا وهناك، التطرف هو مومياءات حديثة جاهزة للموت في أي لحظة، التطرف هو الغياب عن طاقة الحلم وعري الأجساد على الشواطيء الإيطالية، هو غياب الأصوات الاوبرالية وموسيقى هايدن موتسارت هو قتل الأجنة في الأرحام، هو جفاف الأنهر والينابيع وازدياد شهود الزور هو اللوعة المحمومة هو وجوه بلا ملامح ونساء بلا أرجل هو هطول الأمطار لحد غرق النباتات وموتها أعاصير من الكلمات المشحونة تكهرب كل من تمسه هو هروب القيم الإنسانية من مواقعها هو العوق الروحي هو غزال هارب طول عمره لا يعرف لماذا؟ هو لسعة العقرب وعضة الأفعى الرقطاء. والأفلام التالية أثارت جدلا واسعا في بلدانها وتجاوزت النابوهات المعروفة وناقشت موضوعات صنفت في وقت من الأوقات بالمحرمات التي لا يجب الاقتراب منها لأسباب مختلفة وقد كانت صارمة وجريئة وواجهت رفضا كبيرا وصل في بعض الأحيان إلى رفع القضايا في المحاكم وبعضها إلى القتل المتعمد الصريح. وهذه الحالات ظهرت أخيرا منذ أن عرض فيلم تجربة المسيح الأخيرة للمخرج فرانشيسكو روزي قبل حوالي عشرة أعوام وأحرقت آنذاك 16 دار للعرض السينمائي.
(1) الفيلم الإيراني (السحلية)
اللص (رضا) الملقب بالسحلية يقترف عدة جرائم سطو ويعتقل ومن ثم يحكم عليه بالسجن المؤبد وفي السجن يجد مضايقات من الحراس الأمر الذي يضطره للانتحار، وعندما فشلت محاولته تم بعثه إلى مستشفى السجن من اجل أمام عملية علاجه وهناك يتعرف إلى احد رجال الدين، وبمراوغة بسيطة يتمكن من سرقة وشاحه وعمامته، فيرتديهما اللص (رضا) ليتجول بفضل ذلك إلى(الملا) أو الشيخ(رضا) ويهرب من السجن ليتوجه إلى الريف، على الحدود الإيرانية، وهناك تبدأ متعة الفيلم حين يقابل العامة البسطاء السذج الذين ظنوا انه (ملا) حقيقي وبدوا يكبون عليه آيات الاحترام والتبجيل التي وصلت حد التقديس المطلق، ومن هذه النقطة يبدأ الفيلم في توجيه انتقاداته المباشرة والواضحة تجاه المؤسسة الدينية في إيران، داعيا إياها أن ترفق بالناس وان تتعامل معهم بإنسانية تجعلهم يقبلون على الدين ولا ينفرون منه، وكل ذلك بأسلوب كوميدي جميل جدا الفيلم كان جريئا ومفاجئا، ولأنه كذلك فلقد اكتظت دور العرض السينمائي بالمشاهدين من كافة الشرائح ما جعل الفيلم يحطم شباك التذاكر ويصبح الأعلى دخلا في تاريخ السينما الإيرانية، وفيما يتعلق بردود الفعل، فقد لقي الفيلم ترحيبا متوقعا من الجمهور العادي، أما رجال الدين والطلبة فقد اتفقوا على رفض الفيلم ووصفوه بأنه مسيء ومخز وكان اعنف رد فعل جوبه به الفيلم هو اقتحام مجموعة من المتشددين صالة للسينما شمال إيران واخرجوا جميع من فيها بعد أن أوقفوا عرض الفيلم، بينما قال الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي حسن روحاني (حتى في عهده الشاه الذي كان عدوا لعلماء الدين لم يجرأ احد على إنتاج فيلم مسيء كفيلم (السحلية).
(2) الفيلم الهولندي (خضوع Submission )
فيلم تلفزيوني قصير، وجزء أول كان من المقرر أن يتبعه مخرجه (ثيوفان جوخ )بجزء ثاني، لكن يد القدر كانت اسبق حيث قتل على يد شاب مغربي لم يعجبه ما رأى في الفيلم من جراءة وقسوة على الدين الإسلامي، الفيلم يحكي معاناة امرأة مسلمة تعرضت للاغتصاب من قبل عمها المسلم، ومن ثم أجبرت على الزواج من رجل يسيء معاملتها بشكل صارخ، وبالإضافة إلى حدة الطرح وتطرفه كانت هناك بعض اللقطات غير المقبولة كتلك التي بها بطلة الفيلم شبه عارية وترتدي زيا منقوشا عليه بعض الآيات القرآنية، ورغم مشاعر الاستياء التي تسيطر عليك أثناء مشاهدة هذا الفيلم المتطرف إلا انك لن تقبل قطعا جريمة قتل المخرج، إذ إن الحماسة الدينية ليست مبررا أبداً لارتكاب جريمة كهذه، كما إن أي رد أحمق وغير حكيم قد يجلب المتاعب لبقية أفراد الجالية الإسلامية في هولندا، وهذا ما حصل فعلا يقول رئيس الوزراء الهولندي بان بيتر بالكنندي معلقا على مقتل فاخ جوخ (انه من غير المقبول أن يقال إنسان بطريقة وحشية لأنه عبر عن رأيه) الفيلم قامت بكتابته الكاتبة (أيان علي ) التي تخلت عن الإسلام وتمارس انتقاداتها الشديدة عليه منذ أن هربت من بلدها الصومال، وهي تعيش الآن تحت الحراسة المشددة خوفا على حياتها من الجالية الإسلامية الغاضبة.
(3) (آلام المسيح )
من إخراج النجم الأمريكي ميل غيبسون، وبطولة الشاب جيمس كافزيل بدور المسيح عليه السلام. يسرد الفيلم حكاية آخر اثنتي عشرة ساعة من حياة المسيح، والتي ضجت بحسب تصور المسيحية بصور العذاب والألم صور أهلت الفيلم لان يكون الاشبع والأعنف في السنة الماضية، ميل غيبسون الذي كان واقعيا إلى حد الثملة في تجسيده لرحلة الألم هذه كان أمينا في نقله ما جرى من وقائع في تلك الساعات مستندا في ذلك على الأناجيل الأربعة ومجموعة من المذكرات لعدد من الرهبان كمصادر موثوقة لحكايته، ورغم انه لم يبتدع شيئا من عنده، واجه غيبسون سيلا من الانتقادات لإثارته خلافا تاريخيا حادا كهذا، وقد جاءت الانتقادات –كما العادة- من اليهود الذين اتهموا غيبسون بمعاداة السامية، وطالبوا بمنع عرض الفيلم في دور العرض العالمية، وكادوا يقتربون من تحقيق هذا في أوربا وتحديدا في دولة بلجيكا التي كانت قاب قوسين أو أدنى من تطبيق المنع، أما في البحرين فقد منع الفيلم رغم إن سينما مجمع السيف قد وقعت من اجل عرضه، وسبب المنع هنا هو الخوف أن يحمل الفيلم في طياته دعوة تنصيرية، أما على المستوى الشعبي في البلاد العربية فلقد انتشرت المحاضرات الدينية التي تعارض وتحذر من هذا الغازي الآتي من أمريكا، حيث أصدر الشيخ الدكتور محمد الطبطبائي فتوى تحرم مشاهدة الفيلم، كما ألقى الشيخ المصري محمد إحسان محاضرة تقدم ذات المعنى والمضمون.
(4) (بحب السيما)
في هذا الفيلم الذي تألقت فيه الفنانة المصرية ليلى علوي، يقدم المخرج أسامة فوزي حكاية طفل مصري مسيحي يعشق السينما والفن والحياة لكن والده الأصولي المتطرف يمنعه من ورود صالات السينما بحجة إنها اقصر الطرق إلى جهنم، فيما يمنع زوجته – ليلى علوي – من ممارسة عشقها الأبدي – الرسم – بذات الحجة السابقة، الفيل أثار بلبة في المجتمع المصري ووجد احتجاجات كبيرة من الأقباط الذين تفاجأوا بتوجيه تهمة التطرف إليهم وهي التهمة التي جرت العادة أن توجه للإسلاميين دون سواهم وفي هذا الشأن تعلق الفنانة ليلى علوي قائلة( الفيلم لم يكن موجها إلى المسيحية بذاها بقدر ما هو تعبير عن إن التطرف موجود في كل الطوائف والأديان إذا أردنا تغيير اسم البطل من عدلي إلى محمد أو أن يكون البطل يهوديا أو أن تدور أحداث الفيلم بعيدا عن مصر فسيكون ذلك مقبولا) والاتهامات التي طالت جميع من عمل في هذا الفيلم، طالت كذلك القس إكرام لمعي راعي الكنيسة الإنجليزية بشبرا، وذلك بسبب لقطات حفل الزفاف التي صورت في كنيسته، وقد الحق القس بيانا تفصيليا موجها إلى القساوسة الغاضبين يشرح فيه ملابسات الحدث والكيفية التي سمح بها لطاقم الفيلم بالتصوير داخل الكنيسة، وقد ذكر في البيان انه طلب وبإلحاح إزالة اسمه من على (تتر) الفيلم.
(5) مسلسل ( الطريق إلى كابل)
كان بلا منازع نجم شهر رمضان الماضي، وذلك عطفا على ما أثاره من جدل ولغط منذ عرض أولى حلقاته وحتى إعلان قرار إيقافه عند عرض حلقته الثامنة، المسلسل الذي يحكي قصة الأفغان العرب أو من يدعون بالمهاجرين، كسر احد التابوهات السياسية الخطيرة بصورة جريئة لم يسبقها إليها احد، إذ اعتدنا من صناع الدراما أن يلجئوا إلى موضوعات تاريخية ميتة ليناقشوا بها هموم الواقع، وهذه المرة الأولى التي يطرق فيها موضوع حساس كهذا لا نزال نعيش أصداءه حتى اللحظة، المسلسل واجه احتجاجات من عدة جهات، تحديدا من الجماعات الإسلامية العسكرية التي هددت بعض فصائلها بتصفية كافة الأفراد والجهات التي ساهمت في صنع المسلسل، وقاد كل هذا الصخب والضجيج والاحتجاج إلى إيقاف عرض المسلسل بطريقة لا تزال حتى الآن غير مفهومة Tuesday, February 22, 2005
كلواز حرية ع طول
فورتانا ديمقراطية ع طول
تورية:
بإمكان التلفزيون إزالة الحس بالصدمات أو تعميق الصدمات وبامكانه تحريم المحللات وتحليل المحرمات عن جريدة الصنداي تايمز
إذا كان المنظر العظيم فلاديمير لينين مفجر أعظم ثورة هي ثورة أكتوبر الاشتراكية التي غيرت وجه التاريخ يقول إن الحرية هي "وعي الضرورة" وهو أفضل تعريف موضوعي للحرية أي انك تعي الظروف والإحداثيات والقوانين التي تحيط بك وتمارس حريتك ضمن الضوابط الإنسانية فقد أتضح لنا بيقين لا يعلوه يقين إن لينين كان؟؟؟؟ للإنسانية ومحدود الرؤية والتفكير لأنه لم يبقى حيا حتى يتذوق طعم سيكارة كلواز لان تدخين علبة سكائر كلواز هو حرية ع طول وإذا كنا قد عرفنا من منظر الفكر الرأسمالي والليبرالي ومقولته المشهورة "دعه يعمل دعه يدمر" وان الحرية هي عدم وجود شرطة للفكر بل حرية مطلقة للتفكير وحرية المعتقد وحرية الأديان وحرية التعبير وكل أشكال الحرية في الأنشطة المعرفية فقد كنا مع خطا أيضا لان الحرية هي تدخين سكائر كلواز.
وبناءا على ما وصلنا إليه يجب أن تحرق أو تلغى في القمامة كل الكتب التي تتحدث عن الحرية ويجب أن يلغى من كتب التاريخ كل الأبطال الذين افنوا عمرهم من اجل الحرية، وان يعتم على حياة جيفار وان ترفع صورة أبراهام لنكولن "محرر العبيد" الموجودة على ورقة الدولار كافة فئاتها لان كلواز ه ليس بديل للحرية فقط بل هو حرية ع طول.
وإذا كنا قد رأينا في كتب تاريخ الفلسفة إن الفيلسوف الرائع سقراط قد حكم عليه بشرب السم حتى الموت لأنه كان يعلم الشعب هو وديمقريطس إن الديمقراطية هي حكم الأغلبية وإذا كنا قد قرانا عن أعظم ثورة في أوربا وهي الثورة الفرنسية المقدسة التي طردت حكم النبلاء الأرستقراطي وظهرت الجمعية العمومية وكانت من صدق الأداء رغم بدائيتها إلى درجة قول الفيلسوف عمانوئيل كانت وهو في السبعينات من عمره أن يبكي حين نجاح الثورة الفلسفية "الآن أستطيع أن أموت وأنا مرتاح البال لان الإنسانية خطت الخطوة الأولى بالاتجاه الصحيح"
وما قرناه عن أشكال مختلفة للديمقراطية مثل مجلس السوفيت الأعلى والبوندستاغ والكونغرس فقد كنا واهمين لأننا عرفنا بيقين اليقين إن الديمقراطية هي فوروتاناع طول وأنا مواطن بسيط وعادي في هذا المجتمع وحالي يشبه حال الملايين من أبناء هذا الشعب المقس أحب بلدي كثيرا بكل فسيفسائه من طوائف وقوميات واديان وجغرافية كنت اعتقد إن قرار حل وزارة الإعلام التي تمادت حد ما أصابنا الغثيان من تطبيلها وتزميرها وتظليلها وتعنتها لما يفيد مصلحة النظام السابق وإعلانات تلفزيون الشباب السخيفة عن الطرشي والكرزات وفيترات السيارات قد توسمنا خيرا في الفضائية العراقية أولا لأنها تذيع الإعلانات وهي شبكة تعادل وزارة لها ميزتها من الدولة ويجب أن لا تعتاش على الإعلانات الكذابة وخاصة في الفترة الذهبية وهي ما بين الساعة الثامنة لحد التاسعة ونظطر أن نسمع بعد الفواجع والكوارث والتفجيرات وهلاك المواطنين الأبرياء فيها كل يوم لإعلان سكائر كلواز حرية ع طول ومن المخجل والمحزن والمخزي أن يزور أهم مسئول في الدولة الفضائية العراقية ليباركهم على أدائهم وكفاءتهم وتفانيهم في العمل وفضائية مثل العراقية يجب أن لا تكون حيادية بل تعبوية في خضم هذا الصراع الشرس، وان تكون بمستوى الألم ونزيف الدم اليومي وبمستوى إدانة الفوضى التي نعيشها وتسلط الضوء عن بؤر الجريمة والفساد وان تكون بمستوى جدية فضائيات أخرى، كالشرقية مثلا وإذا كان كلواز هي حرية ع طول فيجب أن تكون سكائر فورتانا هي ديمقراطية ع طول وعلى هذا يتوجب على العراقيين جميعا الاستعانة عن البطاقة التموينية وعدم التذمر من نواقصها ونقص أدوية الأمراض المزمنة وان لا يعترضوا على أزمة النفط والكاز والبنزين وارتفاع الأسعار فيكفي أن يدخنوا علبة كائر ويعيشون في عالم مليء بالحرية كالجنة حسب ما تصفه الدعاية، وإذا كان الأمريكان قد استطاعوا اختراق العراق بقوة عسكرية يتجاوز عددها المئة وخمسون ألف فان فرنسا استطاع أن تخرق مؤسساتنا الإعلامية من خلال سكائر كلواز والمغارة الكبرى إن الدعاية تتحدث عن كلواز لونه ازرق بينما الموجود في الأسواق هو كلواز احمر و كلواز اصفر وعلى العراقيين أن لا يذهبوا بعد اليوم إلى الانتخابات واختيار الكيانات السياسية لتأسيس البرلمان بل عليهم تدخين علبة سكائر فوروتانا وعلبة سكائر كلواز فينعم بحرية ع طول وديمقراطية ع طول لكن من المخجل والمعيب والمشين ان يقتل سبعة وسبعين شخص وعشرات الجرحى في جامع براثا والفضائية العراقية تعرض علينا دعاية سجائر كلواز ونرجو من هذه الفضائية ان ترتقي من مستوى الدعاية الاستهلاكية مثل (دعاية الشامبوات) إلى دعايات تعمق الحس الوطني وتعزيز روح الشهامة والتعاون بين العراقيين سنة وشيعة وعرباً وأكراد وتعزز قيم البطولة والرجولة والمروءة وان تعطي للعراقيين قوس قزح دائم.
بعقوبة
27/11/2005
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)


