١٢‏/٠٣‏/٢٠٠٨


سحر النص وأسراره ..
كبار الكتاب كيف يكتبون وكيف يبدعون..!!
تحسين كرمياني

في (كبار الكتّاب كيف يكتبون )* تستوقفنا حالات تدفعنا لطرح جملة أسئلة يمكن اختزالها في ..هل حقاً ينحدر المبدع إلى دهاليز الحياة وأقبيتها كي يشكل علاقاته الكتابية مع الحياة والزمن ..؟؟ ربما تتوالد أسئلة أُخر لا تدور خارج فلك هذه المعضلة والتي باتت تشكل من أساسيات الإبداع كما يشاع في سيّر وحوارات جهابذة الأدب،حتى بات لدينا قناعة ترفض النقاش أن العملية الإبداعية تشكل مع التطرف علاقة متواشجة،فلا إبداع بدون جنون،عجائب وغرائب تأخذنا إلى تفاصيل مضحكة مبكية في آن واحد،أحدهم لا يكتب ما لم يضع عقرباً داخل زجاجة أمامه،وأرجو أن لم تنتبه (جمعية الرفق بالحيوان) واتخاذ موقفاً عدائياً من الكاتب واعتبار كتاباته ساديّة،ما بال ذلك الذي لا ينجز روايته ما لم يحتس عشرة آلاف فنجان قهوة بالتمام والكمال،يا لحظ بائع البن الذي يسكن بجواره،أمّا الرواية عند كتّابنا لا تستغرق سوى جلسة أو جلستين أوان توفر التيار الكهربائي وربما ليس لديه الوقت للمراجعة كون الأخطاء والهنات هناك خبير متمرس يتكفلها يمتلك الحق في غربلة النص وقص ما لا يروق له أو يخالف ذوقه الخاص،كثيرون يسرحون بخيالهم قاتلين ساعات من التأمل والغور في مسالك وعرة ربما تكفي لإنتاج نص لو تم توظيفها بشكل عفوي بدلاً من هذا الشرود العقيم بحثاً عن أساليب تطرف غير مسبوقة والتي هي حسب اعتقاداتهم خيول سماوية ستأخذهم إلى الرفوف الأمامية وتحشرهم في كتاب لاحق ربما عنوانه لا يبتعد عن (كتّابنا هكذا يكتبون)،يقولون أن محمد خضير كتب (في درجة 45 مئوي )داخل المطبخ ومهدي عيسى الصقر يكتب بقلم الرصاص،وأحمد خلف لا يكتب إلاّ فجراً ولي صديق ألححت عليه السؤال عن سبب توقفه عن كتابة القصص قال: بتوقف الحرب جفّت ذاكرتي..!! العباقرة يتصرفون بعفوية وفطرة دون اللجوء إلى افتعال أو اختلاق أزمات كي ينزفوا قراءاتهم للواقع ومجريات الأحداث،ولدينا رصيداً مرصوداً يتواجدون دائماً أينما يلتم شمل كوكبة كتّاب،من أسمالهم من تقليعات موضويّة عبارة عن ملاقحة ما بين مستوردات يتم تعديلها حسب المزاج ودرجة انحراف العقل عن الواقع،متناسين أن الكتابة بالدرجة الأساس نتاج قراءات مقدسة للحياة وأن ممتهنيها لهم روح لا تترجل عن صهوة جواد التواضع ونكران الذات،وأنهم ألغوا ما لهم من طموحات شخصية لنيل المكاسب،وظلّوا داخل وحل الحياة للتغني،(يفغيني يفتشنكو) رفض وزارة الثقافة السوفيتية و(شيركو بيكه س) استقال من وزارة الثقافة في أقليم كوردستان كونهما عرفا أن السياسة آفة تغتصب منابع الجمال وتكتسح حيثما تكون هناك بقعة حرية،رغم كونهما من أبرز شعراء جيليهما،(يفغيني) في ستينات القرن المنصرم و(شيركو) في حاضر الشعر الكوردي،والكل يعرف أن النص لا يدرك حاسة المتلقي ما لم يتشرب بدم الكاتب ويغتذي من مرارة صبره وينضج ـ على مهل طبعاًـ على لهيب معاناته وأن كانت شخصيّة لكنها معاناة جمعية واقعية نتاج تصادمات متواصلة ما بين أحلام الإنسان وأصحاب السيادة،فالنص العقلاني متجرد من أمراض الذات وشطحات اللاوعي يلج إلى المخ بلا تكليف مثلما يهبط زلال الماء إلى بطن العطشان،ما بال أحدهم يجهر أينما يفتح باباً للجدال عن مهنة الكتابة ودوافعها في زمن بات البشر مثل القصب لا هو ينفع ولا هو يضر في يومنا هذا يحصده منجل الإرهاب بيسر مثلما تنتج رواياتنا ويحصدها منجل النسيان،هذا الـ(أحدهم ) يتباهى انه لا يكتب ما لم يثمل وحين سأله ناقد غير معروف: منجل الإرهاب حصد المسكرات من أرصفة الشوارع فمن أين تأتي بها..؟؟ قبل أن يكشف الغطاء عن سره حرر قهقهة ساد جرائها صمت مهيب داخل المقهى،تبين أنه يسكر على شخير زوجته وأطفاله،يتنفس رائحة جوعهم ويصل دائماً بسرعة البرق إلى مناطق الحرمان المتنامية فيهم،هناك يلقي بمرساته وينهل من أناشيد عذاباتهم قبل أن يكتب ملاحمه،يالها من لحظة سادية لاستدراج ربة الإلهام من اجل(فلته)كتابية،ينضد ويقوم كل يوم بتوزيع نسخ معدودة على زملاء يجاملونه من باب الاستحياء وربما خوفاً كونه يدفع ثمن شاياتهم كل يوم،أمّا ما يدور سراً فيما بين مستلمي النصوص المستنسخة جملة ثابتة:مازال أخينا يسبح في بركة الخواطر العمودية..!! مرض الإبداع لدى البعض دفعهم اللجوء إلى وسائل كفيلة تنقلهم صوب الأسرار الخفية للكتابة،يؤرقهم ليل نهار هاجس التحليق مع ماركيز ورامبو ودستوفسكي وأن أمكن السيّاب وذلك أضعف احتمال،فالتطرف بات باب الولوج إلى ما يسكنهم وأنها تعويذة لا مناص،فما بال شاعر يعترف أنه لا يكتب إلاّ في الصيف،خلته يقضي الشتاء على أبواب الأطباء جراء نزلات البرد المتواصلة مذ صرنا بلد البرمجة،واختفاء الوقود رغم أننا نركب سفينة لا تمشي على الماء،لأنها تبرك على النفط كما يبرك بعير مكموم الفم على كومة شعير،كاتبنا الصيفي وكما يحلو للبعض من روّاد ذلك المقهى أن يسميه الموسمي،حتى قال له واحد من الشلّة أن يضمن نصوصه بالثلج لاختفائه والرقي كي لا يتعب الناقد من فك مغاليق نصوصه،وقال أيضاً كي تتفرد بنهج غير مسبوق،وأن تغدو شاعر الفقراء كونهم ينالون ما هو مفقود داخل ملحمياتك الصيفية،هل باتت النصوص فواكه تتلون بمناخات الكاتب وتكتسب نكهتها من طوبوغرافية المكان وترتدي حلل المواسم،لم لا الشجرة تأخذ وتنتج كذلك الكاتب يأخذ وينتج،الفواكه تريح الجسد كذلك النص الدسم يريح الجسد،وقديماً قيل :ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ..!!وقيل أيضاً : في البدء كانت الكلمة..!! ولا نستبعد جدلية التفاعل العصيب ما بين الكاتب وحياته،فهو أبن واقع يشاركه جمع في تكوينه،له ما لهم ولهم ما له من ظاهريات ومخفيات،ومهما نزف فهو ذات النزيف المحتدم وراء سدود الذات للكل،يختلف عنهم كونه اهتدى ـ بفعل موهبة ـ إلى منافذ تحرير النزيف المتراكم،كان من الممكن أن يلتجأ الناقد إلى مناطق علم النفس لتحليل النصوص كونه الحاضنة لكل أرق ونبض مغاير وزفير غير منتظم،وحده علم النفس يوصل الباحث إلى بؤرة النزف،ويفرز ما هو مفتعل عن ما هو كوني ونبيل،أنا شخصياً أقمت الحد بالدليل الباتر على شاعرنا الصيفي كما أسميته،وجدته صادقاً فيما ذهب أليه،وكانت مصادفة لحظة وجدته يرتكن رغم لهيب آب في ظل شجرة يوكالبتوس،كان في لحظة تلصص،خلته في انتظار فتاة،قبل أن يجذبني مشهد عامل ينثر رذاذ الأسمنت على حائط أملس،سرعان ما دق جرس الذهن وتناثرت تلك الأوراق التي كان يوزعها أو ينشرها من بعد توسل على صفحات ثقافية لصحف توزع معظمها مجاناً كونها تعود لجهات تدعي أنها مستقلة رغم فضائحية ميولها والأسماء الواضحة والتي تتبنى إدارة وتحريرها،لقد توصلت إلى قناعة أن صاحبنا يستنسخ عينياً قصائده،وسر تعلقه بقصيدة(الأسمنت)عفواً قصيدة(النثر)وكان جوابه يوم النقاش معقولاً لحد ما،تحدث عن سر العلاقة الواقعية والصورية ما بين الحائط والورقة،ليس هناك ثمة فارق ما بين نثر الأسمنت على الحائط وبين نثر الكلمات على الورق،المهم إظهار براعة في الصياغة وكيفية دس الوهم داخل الكلمات المتراصة،مما يغري الناقد ويحفزه إعلان النفير والغوص بما يمتلك من مؤهلات نقدية قديمة وما أستل من حاضر النقد المستورد كي يفك الألغاز ويعبد الشوارع معلناً عن فرادة فوق العادة،لا ينكر أحد أن لكل كاتب أسلوبه وله الحق أن يستدرج ما هو مناسب وخادم من كلمات وأن ألتجئ إلى السجع أو تشظية اللغة كي يستفز المخيلة ويفوّت إخفاقاته أو عثراته وهو يسحل الثيمة إلى بر الأمان،ففي عالم الكتابة كل شيء ممكن وجائز طالما النشر غير مقيّد،فهناك من يجد أن التلاعب بأعصاب القارئ جزء من العملية الإبداعية،وهناك من يعتقد أن قارئ اليوم لا يبحث عن السلسلة الرابطة للأحداث،يمكن أن نرص الكثير من مشاهد التطرف داخل علبة متواضعة،هؤلاء بطبيعة الحال عجزوا أن يأتوا بشيء،وأضاعوا دروب السابقين،وظلّوا يلتجئون إلى مناطق توليد التطرف لفرض أنفسهم داخل الفرن الثقافي،وليس يغيب عن بالهم كلمة(أنا)وهم يجهلون أن الكتابة هي النور الخفي لجذب الحواس إلى منابت الحقيقة وهي أيضاً التوهج الدائم لروح العصور المتلاحقة وأنها سر تواصل فاصل الإنسانية وعدم ذبول شجرة الجمال رغم شراسة خصومها،وتبقى الكتابة أيضاً،مصابيح لإنارة متاهات المستقبل،سمعت ذات جلسة أن قاصاً كثير الكلام وكثير الكتابة أيضاً،لا يكتب كما يدعي إلاً بعد أن يلقي نظرة على العالم،إن كان حقاً ما يقول،فهو قاص مثابر وحريص ويرغب أن يتناول أحداث زمنه كونه شاهداً ومنذراً إن جاز التعبير،لأن الكتابة هي تأشير النقائض وتنوير الحقائق،وأن أسرار الحياة بحاجة إلى متابعة ميدانية كي تنضج الأجوبة وتأتي بلسماً مداوياً،ولكن صاحبنا كان لديه وجهات نظر استلها من دفتر تسكعاته الخيالية،فهو لا يهمه ما يجري من ملابسات وطواحين مؤامرات وتدمير للروح الفطرية لدى البشر،لا يرغب أن يتابع الأخبار أو يقرأ الصحف،بل وجد وسيلة لم يسبقه سابق أليها،ففي كل ليلة يعتلي سطح المنزل،بعد أن يعم الظلام وتهدأ الشوارع تحت محنة عدم التجوال ليلاً،هناك ابتنى لنفسه غرفة،أشرف هو بنفسه على هندستها،وبذل مجهوداً خيالياً في بناءها كي تكون مقارنة لما يحمل من أفكار تجديدية ستدفع قصة البلاد صوب المسار الصحيح من بعد طويل معاناة وتلاطم تحديثات دفعت بذائقة القارئ إلى النفور والتعتيم،يقول أنه جعل في كل حائط نافذة،وشرخ نافذة خامسة في سقف الغرفة،ما أن يجلس على كرسيه الدوّار حتى يقوم بتدوير خمسة عتلات فتفتح النوافذ معاً،ورفض حين طرحوا عليه فكرة تحوير العتلات إلى منظومة تعمل بضغطة زر،من باب عدم التقليد والابتعاد عن اللجوء إلى أفكار الآخرين،تمسك بفكرته كونها تحسسه أنه يطير كلما قام بالتدوير،وسرعان ما يغدو ـ على حد قوله ـ كاميرا في الفضاء المتنائي يرصد ما هو مخبوء أو ما يجول في ذهن كل نائم،ويوم سؤل عن منفعة النافذة الخامسة،ضحك وقال : مهبط ربة الإلهام ..!!ليس هذا فحسب فهو أبتكر وسيلة جديدة لشحن الذاكرة وتفعيل الهواجس وتأهيلها لخدمة النص،يرتقي سطح الغرفة وفي جحيم الظلام يرسل بصره عبر عدسات ناظور (6 ×36) حصل عليه يوم(الفرهود)يرى العجب قبل أن يهبط ليدون ما رأى حتى شاع عنه أنه رأى ذات ليلة الشمس تتلفع بعباءة وتتجول بين النجوم،قابلوه بالضحك وقابلهم بإلقاء(دولكة)ماء على أحجار الدومينو،بطبيعة الحال لم يزعل تعود أن ينسى كل خلاف بعد ثوان،لأن لا جمهور لديه سواهم،من حق الخيال أن ينفلت من سكة الراهن ويجترح مسالك ومتاهات لتكوين أرضية جديدة لا تخرج من فلك العقلانية،وربما البحث عن فضاءات تستوعب الحاضر المر وتدفن الجواهر بعيداً عن عيون ترصد للقبض على كل جملة تمرر عربة فيها حقائب حقائق،ولكن ليس للحد الذي يدفع الخيال لتأسيس دهاليز وتهدم القلاع لبناء أكواخ،وكل ثوب فضفاض لا يتناسب مع جسد الإبداع،هكذا قرأنا تاريخ الفن،ورحنا ننسج على نوله ما يؤرقنا من أفكار وآراء،صحيح أن لكل كاتب زمنه وثقافته،وله روافد ترشه بالآلام وهناك تضادات مع ميول أصحاب السيادة،تتعارض سلباً أو إيجاباً مع طموحات الناس،تنبثق الرؤى وتنهار سدود الاعتراضات وينبري القلم ليجابه في رحلة الدفاع عن التناقضات،منهم من يختار المنافي أوطاناً بديلة،ومنهم من تفترسه حراب السلطة،وهناك دائماً الرهط البائس الذي يستسلم للسائس يغتني وهو جالس،فما بال كاتب معرف يدعي أنه ما يكتبه في ليل الخمر لا يمحيه النهار،وآخر لا يبدأ بكتابة الرواية ما لم يستحم بماء بارد حتى ولو كانت السماء تمطر ثلجاً،كون الماء البارد يشعره أنه يعيش في بلدان الحريات وكان يقصد أوربا،ومنهم من نقل هوسه إلى الشارع،نراه يتأبط حفنة مجلدات نفيسة بطبيعة الحال هو لم يقرأها،يريد أن يراه جلساء مقهى(الشاه بندر)ولم يغب عن باله يوماً أن يغفل المقاهي الأخر،يمنح(الزهاوي وحسن عجمي)ساعتان كل جمعة كون الأدباء منقسمين حسب الأجيال،وهناك متطرف يتباهى بحقيبته الدبلوماسية وهو ينوء بحملها،كل جمعة يبكر الحضور،وقبل أن يخلد إلى زاويته المجابهة لباب الدخول،يغربل الكتب المنثورة على طول الشارع المفضي إلى المقهى،حتى سمع أحدهم ذات يوم من بائع كتب وهو يضرب يداً بيد ويقول: (إجه الفيلسوف وراح يخربط التصفيط..!!)وكان يشير إلى صاحبنا صاحب الحقيبة العملاقة،تلك الحقيبة ظلّت مثار حسد كونها كما ذهب البعض لا بد أن تحتوي نصوص أو كتب دسمة في وقت بات الأديب لا يشرب الشاي لأن(المائة دينار)كل ما في جيبه أجرة الرجوع إلى المنزل،لكن الأيام دائماً تأتي بما لم تزود،سرعان ما عرف الجميع أن هذا لم يكن سوى كاتباً سكراباً،لأن فضولياً لم يحتمل تبجحاته النظرية ونقاشاته الحداثوية قرر أن يفتض السر وأستغل دخوله ذات يوم إلى تواليت المقهى،فتح الحقيبة وصاح:أخوان صاحبنا صيدلية متنقلة..!!حقاً كانت الحقيبة ملآى بصنوف من أدوية لأمراض مزمنة،سكر وضغط الدم وداء الشقيقة ومفاصل وربو وهلوسة ومعدة وفياغرا..الخ،وماذا يعني أن يتسلح أحدهم بجملة نظارات،واحدة تتدلى من رقبته بسلسلة نسائية وواحدة بيده داخل محفظة مذهّبة وثالثة داخل جيب قميصه،ونراه حين يخرج يستبدل الذي على عينيه وحين يقرأ يلتجئ إلى نظارته المتدلية من رقبته،يجدر بنا أن نسأل ونقول: هل يتوجب على الكاتب أن يتشبه أو يقلد أصحاب الطقوس السادية،لماذا ينسلخ من واقعه ويلقي بثوب ماضيه ويحاول أن يتجرد من تراثه ويتزحزح عن بني جلدته،فالإبداع لا يأتي من فراغ،والنص الأدبي يكتسب هوية الكاتب،درجة ثقافته وصفاته الأخلاقية،ويخطئ من يظن أن النص هو نتاج اللاوعي،فكل نص يستند على مرجعيات حقنها الكاتب المثابر عبر سلسلة متداخلة من قراءات واعية ومعاناة حياتية ومتقلبات سياسية وتصادمات في الرؤى والأفكار،فالمعادلة هي من شطرين،النص الخارج من فرن الذهن في لحظات فقدان الصلة بلحظة الكتابة،قد تأتي من باب اللاوعي،ولكن لن يكتمل النص ما لم يقم الذهن نفسه بمراجعته والوقوف على درجة عقلانيته،أنه تسليط مجهر الوعي لفحص النص،فإعادة قراءة النص هي قراءة نقدية وبالتالي يكون الكاتب أوّل ناقد يتناول عمله،لأن النص لن يطرح إلى سلة الزمن ما لم يشذب ويهذب من التوحشات كما يفعل بالعروس ليلة زفافها،وعلينا أن ننظر إلى النقد على أنه قانون الوعي وانضباطه،فلم كل هذا التطرف في الشكل واللجوء إلى كوابيس لا تصلح لمناخاتنا ولا تحابي أمزجتنا،يمكننا أن نأتي بما يصلح لعصرنا الراهن،وربما ينفع للعصور التالية،لو روّضنا أفكارنا وتصاهرنا مع تراثنا وحررنا ما نحمل من أفكار بعفوية بعيدة عن تشنجات الحداثة ومتاهات تأويلاتها ونبذ ضرورة اللحاق بركب العالم،فالعالم بدأ ينحدر ثقافياً ويسلك الدروب الموصلة إلى حضارتنا،انظروا ماذا فعل (باولو كويهلو) بالرواية العالمية،أنّه وجد الطريق إلى أعماق حضارتنا وجاء بنص صغير الحجم كبير الأثر واعتلى رف الرفوف في ذاكرة الأدب الإنساني،انظروا إلى(سيد الخواتم)فلم الأفلام،لم ذهل العالم وهو ينتعش في عصر الفضائيات والإنترنت بمنظر الخيول والسيوف والسحر،روايات وأفلام هي مسروقة من تراثنا ومن تحت أنظارنا،صارت قناديل للغرب،ويبقى السؤال قائماً:هل خلق الكتابة يستوجب إثارة الغرائز والحواس..؟؟أو عقم الذاكرة وإفلاس العقل وربما تشوش الخيال تدفع بالباحث عن الإبداع افتعال أزمات نفسية وإثارة كوابيس مختلقة كتعويض لابد منه لإثبات الوجود في عصر لا يستقر فيه عقل على رأي،وكل نص مريض يدل على عدم صحوة كاتبه،فالكتابة يا عشاق التطرف لا تأتي إلاّ لحظات الصحو وفيضان الثقافة ووجود عيون لا تنام مع الرغبة الصادقة والاستعداد التام لقول كل ما يقترحه العقل ولو كانت في الأفق تلوح أنشوطة وجلاد،ربما وجد البعض أن التطرف نوع من حرب سرية مستحدثة ضد السلطة،وهو الشيء المناسب والحاسم ضدها،لكننا نجد أن معظمهم طبلوا مع المطبلين ونالوا ما نال أصحاب الأبواق اللئيمة من مغانم أدبية،فليس في نصوصهم المتواضعة شيء يتباهون به يوم ما بعد كنس الظلام وتحرير الكلمة من سجن الجلاد،ومن تاريخ الأدب عرفنا أن كل تجربة ذاتية نجمت عن صراع ما بين ظالم ومظلوم،والكاتب العقلاني عرف كيف ينسج ويغزل ضفائر النص ويجعله مادة خام لكل العصور،ومن يستطلع راهن الحياة لا يركن لقرار،في كل لحظة تتوالد شرارات كافية لقدح الذهن وتفعيل الذاكرة لتنزف،فالتداخل السرطاني للبشر ووسائل الاتصال السريع،دفعت بثقافات تخريبية تنتهك الجذور وتؤسس لحياة قادمة وملوثة،فلا اللحية المسترسلة ولا ارتداء الأسمال المهلهلة ولا نثار الأسمنت المتطاير ولا الغرف المزاجية والنظارات أو نوعية القلم والورق تنتج ما هو يدوم ولا بوسعها أن تستدرج ربة الإلهام،وعلى الكاتب أن يدرك أنه واحد من جوقة أمناء العصر،وقلم من جملة أقلام تدوّن سير التاريخ،والخطاب الوجداني لا يحتاج إلى أجواء خارقة أو فضاءات كابوسية كي يتحرر،وعلى هوّاة التطرف أن يعلموا أن الإبداع وصفه البير كامو (أن يعيش المرء مرتين) فكيف لا يكون عيشتهم الثانية سراباً محض،طالما أنهم يهيمون في كوابيس وأوهام حياتهم الأولى..
• كبار الكتاب كيف يكتبون ـ ترجمة كاظم سعد الدين ـ منشورات دار المأمون..
***

١١‏/٠٣‏/٢٠٠٨


النصُّ علمُ العلوم ومنه يُجتــاف العصر
محمد الأحمد

1
يحكى انه قال العتابي فيما مضى:
(البلاغة إظهار ما غمض من الحق، وتصوير الباطل في صورة الحق)
وذكر لنا الجاحظ عن أعرابي انه قال: (من التوقي ترك الإفراط في التوقي!)

2
ما من أديب منا- إلا وقد غطته التراكيب المتواشجة بالأساطير، والخزعبلات وأقصته بعيدا عن المعالم الحضرية المتناثرة على وجوه الحقيقة المريعة..
كلما تصورنا ان نواجه الكلمات الأكثر سلطة من الصمت، الأكثر حيوية من النص، إلا وغرقنا في تفاصيل موقودة بالمحرم، بالممنوع..
لكم تصورنا ان عالم الكلمة اليوم وغدا سيكون من قاعدة ثابتة.. ضمن ما يكون التحديث العصري المواكب لانزياح المعلومة الغيبيّة بمعلومة ذات أصل، وكيان!
لكننا لم نـر سوى انكسار آخر ضمن المعنى. انكسار لم يعني الانحراف عن القصد، فحسب. قد يؤلف معنى جديدا/ يكتسب ثباتا آخر.
كيف تثبت تلك الحيثيات بين المعاني وتخرج صارخة بوجه المتلقي العارف/ العليم.. صماء اكثر عفوية وأوغل معنى…؟
ان ذلك الصدق المعنون، المسمى لا يكون إلا احترافا قدريا يكتبه المرء دون ان يستند على دوغماجية بالية أكلتها العثة.. دون ان يتحرر من الفراغات العفوية بين العهد القديم/ الجديد، والهفوات الجوفية غير المقنعة.. اقتدارا تكون الكلمات المستندة على معرفية عريضة، فمن أين يأتي بكل تلك الإرادة صانعها، وناحتها بأبشع الأزاميل الطاهرة…
نكون في لحظة عفوية قد امسكنا المعنى المفترض بين التلافيف، نكون قد صادرنا الاعتباطي الغيبي المجوف، واللا توجه فنقف حائرين ضائعين بين حدود النص في الذهن، وبين إدراك مغزاه على امتداد المقصود..
ما نكتبه الآن يصبح بعد حين، بعد جفاف الحبر شيئا باليا، رغبتنا بالتمزيق اكبر من رغبتنا بان يبقى، وان يقرا.. وما ان يقرأ بعد حين يكون ثاويا في مجد الذهن يطاردنا ككابوس متسلط متنفذ على آلية ما نكون به، ومازوشيا على حيوية ما نعرف…
ان الكتابة قد تطوف حروفا متناثرة بين جزئيات الكتاب، مؤثرين ان نجمع الدم، والموقف فلا نحيد عن عزمنا اللبيب إلا بالكتابة المتفجرة كالدم الخارج نزفا من جرح عميق..

3
الكتابة فن الهي متسلط يطمس منا مناوراتنا في العيش. يحاول ان يبوح، ولا يقدر ذلك الإنسان الذي يمتهن الكتابة في أعماقنا، أنه يمتهن غربة المعاني والاشتقاقات المتناصة اكثر من الذي يرغب بحرية عبثية الكتابة.. فما من شيء ألذ واطهر من النص الذي يطوف الدم به (داخل الجسد) وما من شيء اقهر منه عندما نجمع الظروف كلها في انتظار الهطول السريع والمرير على مساحة الوردة / تلك الورقة الفاضحة!!.
نسعى الى داخلها، بتمكن حريتنا المفترضة، نباغتها معلنين عن تمرد خاص يساوي كل التمردات الآنية لفعل الإبداع..


4
النص في تركيبه متحرر من التفيقه، ومن التفتيت لكنه مربوط إلى عمق رتابة لغة أخرى لا نفهم منها/ لا نحوي من مصطلحاتها- إلا حرية أخرى في قراءة جدية جديدة بكتب التراث الخالدة .
النص في تركيبه موحد، مقوم من الفجوات دون تقلص أو تمدد في حرفيات المبتغى، كأنه انسياح ماء إلى منحدر، يغرق الأشياء الصغيرة يحوي التفاصيل/ البويضات التي ستلقح بذهن المتلقي الفذ/ القارئ غير الدوغماجي/ يقرا دون كلل، أو ملل ..
النص في تقلباته ضغوط ومخاوف يخرج للعالم… يكون حرا في أول ولادته. لكنه يتحول إلى ثابت مدلول بعناصر إشاراته . وعميقا بمساحة مدلولاته. فلا يكون غامضا على مبتكره القارئ الآخر من مبتكره القارئ الأول/ كاتبه.
لا بحرقة الأسئلة المكتناة بأرضية المعلومة الحية، ولا بترحال رابط الفصول بالأبواب وبالمقاطع..
يستخدم النص ذاته تتابعا تركيبيا مفصلا بجمله الموحدة الطيعة من حساسية تثور بما تحمل وتثوّر بما يحدث. ذلك هو الزوال/ المفهوم/ المستخلص من النص بحثا عن التأويل في التناص الذي في الذهن فما قاله النص أشبه بالنصل الذي يحقق الثار المبتغى. ضمن فعال شنيعة جرت عليه وهو دون آله لفتح المكنون والمستتر والمضمر ..
تلك آليات السكون تكون متحركة مع فعل النص في الدواخل المتعددة/ فاعلة المآرب في المقاصد تحديدا!!

5
أي اعتبار لفظي منقول حرفيا من وحدة اللفظ الواقعي في اللغة الدارجة هو حالة من الصعب عبورها ترجمة فلا تكون إلا وهي كاملة القنوط بإبدالها أو بالدوران بحثا عن كلمة ترادفها حيوية تلك الكلمة في عمق محليتها ومشاعية اندلاعها تشبه صورة الفوتغراف التي تبقت الأشياء فيها كما هو عليه الواقع/ المستلب إنها تعي مكانها المعلوماتي الكاشف عن سرّ لا تأويل له باتجاهات مختلفة !!

6
النص ذهان متوقد فيه حفريات معرفية عن اصل المراجع وعن اصل الخطاب الموجه من الذات إلى العالم، ذهان كأغنية لا تغادر بإيقاعها الذهن تطوف مجتافه كل الاختلافات البصرية، النغم يجري على السطور، كلمات محسوبة، مدركة من قبل، ومكتناها هو ما نحس به الآن قبل بدء النص وتصاحبنا حتى نهاية الحرف الأخير من الجملة التي ننتهي بها وحدة نص أديب غيره قد سواها محاطة بكل أساه وحساسيته/ الأديب يبحث عن شجرة أمجاده في سجلات دونها من كان في مسلته الأولى، يوزع عيونه على الأحرف المتشابكة، ويحل لغزها المتنور أساسا مما يحس به، ينسى انه يكتب (ساعة الكتابة)، ويحلق بقلمه آليا في بقاع الوجع الذي يشكوه لصديقه القارئ/ الباحث في غموض المدركات..
فما من قاعدة إلا وقد استثنت شيئا، او قالبا. بذلك المستثنى يستنتجه المدافع القارئ عن النص المكتوب بوحدة الربط الممكنة، والمتوافرة في عقليه ربما لا تحمل قدرها المؤهل لان تكون المتذوقة لعطر الوردة/ تلك الورقة الفاضحة..
ذلك أهاب تابوات المغلق رغم أصالة القالب المحوط لتلك التناقضات التي يغويها النص/ يحتويها على ما بها من تعارض، أو توافق!! .

7
...المفترض يحمل نصا مواجها بالذهن الخالد المرهوب .
غبي ويا لشقاءه عندما يرتكن نسيانه، فيصير موازيا لرجل هرم لم ينجز شيئا سوى كآبته.
(قارئتا القديم) كان في عتمة الاعتراضات، ولم يحمل على ان يحرق شيئا من دمه ويكتب به مأساته الشامخة فوق الدهور. لم يعلن عن استلابه القهري/ الجذري/ أبدا.
النص وحده هو ذلك الوجه الذي يحوي حريتنا المحرمة، وحريتنا ان لا نصرخ صرخة استغاثة مفضوحة الأحرف مكشوفة الدلالات .
الوجه هو النص الأكثر هيمنة على النسيان... ينسينا نسياننا دون ان ينسى، ويقول قولنا دون ان نحرك شفاهنا .
النص الحديث يهيمن على الوجه، يمنحه لونا اخضر يدل على حرية الحياة، و حركيتها.
النص المقترح لم يكن مقترحا وجوديا غير مدرك، بل هو هوية خلاص نبرزها ساعة الحرج مع أي متشكل يقتحمنا.
النص حالة خلاص؛ الوسائل مبررة بالوعي، وليست الكلمات النائحة تعديلا خالصا على جمهورية الحلم الجديد.


8
النص ولادة اقتراح متنافية مع الصبر الذي تقيده الأيدلوجيا المتسترة خلف أنظمة متغيرة لاحتوائنا، والنفاذ فينا– قصد تقييدنا من انفتاحنا على المفتوح غير المطلق..
كل شيخ فينا شاب غيور بهذا العالم الأفاق، لكن الإرادة، لا تجئ كاملة الضرب إلا باتفاق ناكر للذات، لا مصالح، ولا مطامع مرغوبة غير الحرية.. غيور هذا العالم لكن الإرادة لا تجئ طيعة؟..
نحن نميد العبارات، أحيانا نميد الحضارات بالتخلف المحدد بحبر احمر، وأخرى نميد أفكارنا لما يتوافق مع امتداد الحضارة/ الحداثة التي لابد لنا من معرفة مستجداتها/ غاياتها.
لا نريد الهدم، لكننا سنعي أولا وآخر: ما معنى الانفصام، ما نوعد به دون ان نناله؟.
نحن نحب الذات إلى حد التلاشي، ويضيعنا التراب، فقاحلة كل السنوات التي لم ينجز فيها الكاتب نظريته التاسيسية إلى أمام دون كابة/ ظلمات النفس القاهرة ..
أي وجع يسكن ذلك النص لا يعدو إلا ان يكون وهما نضاليا/ لا يكون سراجا منيرا يتخلص من إشكاليه سلطة الماضي الراكدة .
النص المفتوح، هو الخلاص. ولكن كيف ستتأقلم الكلمات بين ما نفكر به، وبين ما يحدث علينا من استلاب حتى بلقمة الخبز الطيعة..

9
النص المفتوح قطيعة الاقتراح ، وبديل الراكد سرا مكسورا على وجه الماء الذي لا يريني ذاتي، ولا يكشف إشكاليه من يكون أبن هذا الجيل الحداثوى الذي يريد ان يرى دون ان يتمكن؟ يريد ان يكتب ولا يغير تراكيب بناءه بعلمية حاضر ذكي متحضر.
النص المفتوح حتما هو من سيفلت من المقصات الدامغة التي تعكر صفو التمازج بالفن القائم، الحاد، المتوازن الرفيع، المهيمن على الأفكار المنفلتة من سلطة الذوق السائد في بناء النص المزيل للكومة العالية المتراكمة من الفوضى، بالنظام المبيت بين تلافيف عقولنا المتفردة، بنرجسية الفن في كل لحظة- انطواءات الفكر المكنون بالكشف والتعرية..
النص المفتوح من يحقق النصر على الموروث التراكمي، واعيا للذات في الزمن، إذا يتخذ النص شكلا يعي عزلة الحاضر وعلاقتها المنفتحة نحو المستقبل!!.

10
الحداثة هي إزاحة التراكم الخوفي الغائر العمق في الإنسان من التسلط، وإزاحة التراكم الخوفي الغائر العمق في الشهوة من الموت…
الألتقاء بغبار الأسئلة التي إثارتها حساسيتها الحاضرة المواكبة لانفتاح العلم ضد الانقراض؟.

11
للنص إرادة وهيمنة على الابتكارات السارية ضمن وحدة العقل مثلما شهوة غامضة، فسلجية تمور في الخلايا، وتتقد في الرغبة. تجعل منها عمياء لا تصل نحو متعة مبهمة، فحسب وإنما متعة كيفية تجبر على الافتراضات المتوالية. فالعقل وحدة موضوعها كله. العين الباحثة بعقل في وحدة العالم المترابط في أسكتناه تلك الشهوة ،العين توعز لذلك الاحتدام الذي يغلي في العروق.. اللذة قد لا تتحقق في بداية نص تأقلمت فيه تلك الأفكار المكتسبة.
فالنص يبقى عصيا، ومحاصرا إن لم تكتمل الرؤية، وإذا اكتملت الرؤية يكون علينا أن لا نجعلها ضمن ما تضيق به العبارة!!.
نكتب مرة أخرى النص الموازي لما أعتمر في الذهن الذي تحقق ذلك الالتحام:
الذكرى/ الأنثوي، النص/ الفكرة ..
عبارات تتمادى في دفء وانجذاب؛ ينجذب الذكر إلى أنثاه.
وتقبله الأنثى احتواء تملكا خاصا بها، وهو خالص لها، يهم البعض بالبعض ويحدث، في الالتحام الأزلي الداخل ضمن المدخل..
المطروح للقارئ/ المضمر في القارئ.
النص المفتوح، يغري.. المرأة تغري الرجل، فيغويها إلى مساحة بيضاء، متحررة من لأعمدة الجاهزة يصور لها ما في حلمها واقعا تطالب به، فتقع في كماشته، ليوقعها نصا مندلعا دون توقف وما ان يتوقف، تنفصل…
الانفصال يعني فشل الغواية… تعني البدء بالمعرفة- المعروف.

12
النص هو تشاكل عفوي، وحدها القراءات في عيون الكتب، في أخبار الجريدة، وحركة السوق.. نقلا للمعاني (ليس حرفيا)- فيسمى واقعا، نقلا فيه شخص المؤلف الغاوي للنص/ المرأة، الفحوى.
النص هو؛ قدرة الغاوي على الإقناع، او هو حدوث المتعة القاطع، ومنهج اللذة تخلصا من الكبت القاهر!
النص الحديث هو الحفر المضني الذي جعل من جهابذة التشريح الأولين يتجول في المقبرة نهارا لتيأهب ليلا لفعل اللذة/ التواصل/ التوازن لفعل الوصول إلى ذروة الكثافة.
القارئ هو مكتشف إيقاع الحيوية والكاتب هو الفعل المحرك لهذه الديناميكية، فمؤلف دون مقترح، لا يكون..

13
الحرية ان لا نكتب بتأن خوفا من قراءة تثلم النص. النص هو احتواء تلك النظرة الشاملة/ الداخلة في عمق الظلمة (لا يكتشف الضوء الآخر تحت سطوع الشمس في نهار).
نقل الضوء: الإبداع (فلا تقوم صبيحة مندلعة الإشراق بعد ظهيرة، إلا قبلها).
النص/ الفكرة بذرة آمال طامعة، طامحة. تحتاج بعد المتعة الشقية، واللذة الشهوانية إلى ارض لتزرع/ كيف يسترشد الحيمن بيضة تأهبت قبل اثنتي عشر يوما فسلجيا. اللحظة التي امتدت في داخل النص صارت في ذهن المبدع ملحقا الذكرى منفصل عن الأنثوي/ كذلك الشجرة التي لن تنبت في الهواء، وإنما الأرض/ الزهرة/ أيضا.
النص: (تلك الوردة العطرة التي لا يمكن لأعمى معطل الشم أن يجدها)!!


14
دوغمائية الكتابة عطلت التحدي، وبطلت التجديد والاتصال تواصلا بالحضارة..
أننا الآن نكتب عن ترصدنا الباحث بعمق عن فكرة تكونيه الكتابة، الكتابة العصية بكرامتها، وعزتها تلك التي حافظت منذ الأزل على بقائها. ممنوعة، محرمة. فلا يصح إلا ما بقى ممنوعا .
ذلك الأكثر رغبة في البحث، فأوراق تسقط كل موسم وتبقى الأغصان تندلع منها أغصان أخَر.. الريادة هو ما يفهم من مثال الشجرة في كل الفصول/ المواسم..
الكاتب/ النص: هو حدّة الحساسية بحدة العاطفة/ حساسية الكشف/ التعامل مع الورقة بعاطفة (دون جوان) المزيفة.. التي يتبعها مع كل امرأة بعاطفة تلائم عاطفتها.. يغويها فتظل تبحث عن طريقة اكثر تعقيدا من السابق في إغرائه، فأن نال أدار ظهره عنها..

15
لكم تحرجنا التفاصيل المجترحة بالثناء (بما يريده الناشر) وتأرجحنا مخلخلة ما نتذوقه اليوم/ تفصل رؤيتنا عما نتذوقه غداً!. فالنص الذي لا يحوي سؤالا حيويا يحدد ما نحن به (يبوح بما يحصل علينا من استلاب مبرمج) لا يسمى بما يستحق القراءة – أن نقرأ نصا آخر جدارته بما يعلن، وبما يعطي من ابستومولوجيا…
النص الذي يعطينا هو الذي يستحق كل ما يأخذه منا…
النص الحر اقرب إلى القلب،
والآخر لا يبتعد بمكانه عن سلة القمامة/ مقبرة الأوراق!!.

16
ديمومة تلك الحروف المتشكلة ، انتفاضها من تسلط المتحجر، يعني ركن الركام الهائل من السفسفة في غير فصولها. الكتابة ارتزاق أيضًا، واليوم تصيرت بكل العلوم!!
عصرنا يطول كل (كيف العلم؟)،
وأيضا يفشل في أل (لماذا)؟
اصل النص عندنا يعني كيف يتم البحث والأكتناه وراء كل العلوم.

17
نكتب النص، نعبره، فاخترقنا.. بعدما ننجزه، وأنجزنا كتلك المناغمة الأسطورية التي قالت (حواء من ضلع آدم) النص الحديث علم العلوم ومنه يجتــاف العصر!.

‏29‏ شباط‏، 2008

٠٧‏/٠٢‏/٢٠٠٨






ربيبةُ السيد المسؤول
قصةُ قصيرة
محمد الأحمد

بيضاءُ, بيضاءٌ كالثلج, بليغةٌ الأنوثة, ضامرةٌ الخصر، هيفاءٌ القدّ، ذاتُ عينين واسعتين، ونجلاوان بحدّة عالية، تشعان بلمعة ذكية كعيني قطة كأنهما تنيران أية ظلمة. يصعد الدم إلى وجهي كلما كانت تقترب مني.. يفور في ذلك الذي أجهله, يضغطني فلا أحتمل, فأقترب منها أيضاً، مقاوماً كل ما يخيفني، فقد أشاعوا يومها بان احد مسئولي الدولة الكبار آنذاك، كانت علاقته بأمها جد وطيدة، وقد عين من بين الطلبة لمتابعتها، وكنت دائما أتحاش الاقتراب منها، ليس لأني ممتلئ من قصص الرعب التي سمعتها، عن ذلك المسئول الذي وصفوه بأخطر الإمراض السايكوباثية، وكنا نعرف بان يغار عليها كما يغار على أمها، وصرنا نهابها أكثر مما نهابه، كنت أرى بان الاقتراب منها بأي شكل من الإشكال يتركب عليه عواقب وخيمة لا يمكن تفاديها، فكنت دائما اهرب منها، أو التقرب منها رغم أن ترتيب اسمها الأبجدي يجعلها دائما بجانبي، كنت أرى فيها أنوثة طاغية، وأحاول عدم مسّ أصابعها كلما اشتركنا في تمرين (المختبر)، تتعمد الدنوّ فوق رأسي، وتسقط زفيرها في رقبتي، لانتفض ارتجافاً، أراها تتعمد أن تلامسني، فأخاف من احتكاك حلمتيها الجريئتين، وغالبا ما استرق النظر إلى فتحة قميصها خافيا شبقا دفينا بين عينين مفتوحتين خجولتين، فأجن.. إذ غالبا ما تسرحان جريا في هضاب مفرقها المرمري الذي تتيه فيه أذكى العيون..
يومها كانت تدرك باني اضطرب كلما اقتربت مني، وتهدر بي عاصفة تهدني هدّا عنيفا، فتختلط في فمي كل مخارج الكلمات التي انطقها، وتتعثر جملي، وكأني في حضرتها لا اعرف أن أقول، فلا يستقر لي تنفسي، وكأني كنت قد وصلت إليها من بعد ركض كثير، ولكني كنت على يقين بأنها تسعد كثيرا بالتمادي بعبثها معي، فتدفعني بجرأة وتهتف بصوت غنوج:
- أنت رجل رديء.
كأني اطرب لنغمتها، وأميل جانباً لدفعتها, وأبتعد في الاتجاه الذي دفعتني أليه, فقدت السيطرة على نفسي فلم أتمالك وكأني عصفور قد أطلقته من قفص، صرت أحس بأن يديها قد اخترقتاني.. كم صرت أشاركها لعبتها، واخفي اشتهائي، حاولت الغوص أكثر في سناء ما يشدني ولأثيرها كأنها تثار أكثر كلما تغاضيت عنها أكثر، وربما باتت على يقين باني قد صرت لها صيدا سهلا لتجارب هي تخوضها مع صديقاتها، اللاتي غالبا ما أراهن يختلسن النظر بحجة أو بأخرى، ليعرفن نتائجاً هنّ قد رجينّها. كنت اعرف بان اغلب قصص الحب لها بداية كهذه، تبدأ بالهزل، وتنتهي بالعشق العنيف، فضحكت وأمتد صمتي طويلاً بينما راحت عيناي تتسابقان على مباهجها الأنثوية.. كأنني في حلم, رفضت كل شيء ونهضت إليها من جديد.. تتقاسمني نوازع شتى، مغشيا أتطوح في رائحتها الذكية، أتنشقها بعمق، واقبض على أنفاس منها، متحديا أن تفلت تلك الحلاوة من رئتي، حاولت أيجاد نفسي قريباً مما يشعه جسدها السني من دفء كأنها تجذبني من كل الليل الطويل وتغرقني في ميدانها.. يتوقف زمني كله‎, فلم أعد أحتمل وقوفه، أحس بالاختناق.. الزمن كله يعدو سريعاً خارج جسدي, وتكبر الأشياء من حولي وتتقدم بينما زمني يحتضر. أتقدم منها, وصرت أخاف أن تفلت مني إرادتي فأحاول أن أمد أصابعي بعنف بين ساقيها, صرت أتخيل باني أفعل ذلك، لكن بنطلونها (الجينز) يفشل اندلاقي عليها، أحاول أن امضي قدماً؛ اقبلها، أمص رحيقها، الثمُ شفتيها الكرزيتين، ألامس بأناملي شعرها الأسود الطويل، من المنبع إلى المصب، وان أضع انفي في مفرق نهديها، أن أنغرز عميقا فيها، كأني اقبلهما وامصص أصابعها العشرين واحدا واحدا؛ ان أرى الذي لا يرى، وافرك حملتيها القرمزيتين برهافة أصابعي؛ أن أطير كسحاب حولها والتحف بها، أطير حولها كالأثير، وربما تحول ألي عينين قاسيتين وتتبعهما بكف ثقيل حطّ على وجهي بصوت أصفقت أصدائه في أرجاء القاعة الصغيرة الصاخبة, وربما ستوقظ كل العيون ألي، وسكون هدفا للوشاية، قد تجعلني أتحمل خسارة وخيمة لا تحمد عقباها.. كم تمنيت أن أحافظ بما بقي لدي من رباطة جاش، وادع أيامي القادمة تأتي بسلام، محاولا طمس إحساسي بالاستهداف بسبب نقص في الخدمة العسكرية، واستمراري كطالب يمنحي حصانة، الاستمرار، ويضمن تفلتي من الإحساس المتواصل بالاستلاب. أحسست برداءتي, جمعت نفسي وقواي وسرت كسيراً مهيضا أجرّ عربات ذاتي بعناء ومشقة وأحاول الخروج من فكرتها، إلى مكان آخر، من قفص الرغبة المليئة بالمتعارضات.. يلامسني الهواء الخارجي فأحس بانتعاش، فراغها لا تسده الهموم ولا تنسيني إياه. شيء أحسسته صار بعيداً, ولم يبق لي إلا تعازي نفسي ولومها.. دارت عيوني في صمت الليل الخارجي حاولت التقيؤ للتخلص من عبء ثقيل, ففعلت, وأحسست بالضياع.. دوران رأسي لا يتوقف.. بي حاجة لا أعرفها ولابد أن فكرة ما لوضع حدّ لكل هذا الجنون، من بعد أصبح اغلب زملائنا مهتما بأمرنا، ولكني ما زلت أتعمد التجاهل.. تطوف بي الظنون، والمخاوف فتكاد ضحكاتها تتحول إلى سكاكين تحفر أحشائي، صرت افهم بان الاقتراب منها سوف يفقدني كل استقراري، ومن اليسر أن تكون كلمة واحدة من ذلك الرجل بان ترهب جميع من معي، وأكون قد لفظت كما يلفظ البحر زبده على الشاطئ.. أريد أن أمدّ يدا لقلبي الغارق في هكذا يمّ عظيم اللجة، ولا استطع، فكم اشتهيها، وارغب بها، ولكنها صارت تعرف بأنني معها في مفترق طرق. صرنا على حافة هاوية، ولابد أن ينتزع القرار، ولابد أن نسير إلى قدرنا، ولابد أن يحول الهزل بين اثنين إلى قصة حب عنيف.. تجولت وحدي في الشارع، اشعر بها كما لو حامت حولي كطائر أحس بالحرية لتوه. انطلقت على غير هدى, كانت تحط الطيور في الصباح هنا على المكان ذاته.. لكن أين أجد ليلا جميلا في وحشة هكذا ليل؟، كأني أرها تهمسني تعال: وحدي طائر الليل وأحسه طويلاً.. يرتج جسدي ويترنح، تقول لي تعال واقتحم فلابد للقيد أن ينكسر. حاولت ذات يوم أن أزرع شجرة في بستاننا يومها كي لا أنسى الذي حدث هكذا كان يفعل أبي في مدينتنا البعيدة. غربتي تزرعني هنا, و قلت ساخراً: (أنا سأزرع زهرة برية في خصب راحة يدي).. سأحاول أن أجد بذرة لزهرة عدم النسيان.. يقال بان للفشل والحرمان رائحة مقفرة وكريهة، سأحاول ذلك بكل جدية.. يختل توازني قليلاً فأسقط وأنهض سريعاً.. لقد جعل مني الهم أكثر إختلالاً, وأكثر رهافة، فقلت: صديقتي وحبي الأول في هذه المدينة البعيدة.. دعينا نتجول معاً في كل هذه الأمكنة, نتخطى كل هذه الساعات الرتيبة، دعينا نغادر هذه القاعات المليئة بالعيون، والمخاوف، ولنفارق هذا الإعياء, والتوتر، ونتكلم عن خصوصيتنا بموسمها الآمنة، ثم نعود لنكمل درسنا، ونخط بفخر ما نتمناه لمستقبلنا، كم أنت قريبة أيها المرأة التي أريد، وكم بيننا حواجز، وسدود.
لكنها اليوم راحت بعيداً مثل زورق صغير أخذته الأمواج، على الرغم من اسم ربيبها الذي اخذ يطغي بفرض حضوره عبر الفضائيات العالمية والمحلية، وصار نجماً سياسياً بارزا في نشرات الأخبار، فما زال فكري مشغولاً بذلك الولع الجنوني بها، وكنت كلما أراه مبتهجا في القنوات الإخبارية، كأني أراها.. فتزداد الفجوة بيننا بقدر علوّ نجمه، وإنا أتحرق شوقا لملاقاتها أو معرفة إخبارها، وأتحرق ندما على فراقها..
كأني كنت أقول لها:
- احمدُ الله كثيرا بأنني لم أقع بين قبضته يومها.
فتضحك لي وتواصل القول بأرخم صوت:
- وأنه فاز في الانتخابات العامة لمجلس الأعيان، وقد أسندت إليه مناصبا جديدة أخرى..
صديقتي البيضاء كانت لا تتعمد، وأنا لم أقصد إيذائها, وأن تعجلت شيئاً سيحدث، وارغب في تقبيلها...
اللحظة تقول:
- من السهل إن تجد صديقا عابرا، ولكن من الأصعب بان تجد حبيبيا دائما إلى الأبد..
عيناها مازالتا مسمرتان بذهني:
- ألم أقل لك بأنك رجل رديء؟..
تلفت إذ كانت هي لا تريد أن تجعلني أتوهم، وبأنها قد قدمت لتتواصل معي وتنهض إمامي كفرس صهباء متباهية بغرتها الجميلة، ولم تك خيالاً، فأيقنت باني لم أعد وحيداً، بالرغم من غربة كل تلك السنوات الغابرة..

بعقوبة
Thursday, February 07, 2008
Posted by Picasa

روايتان عراقيتان جديدتان تستحقان التأشير
قراءة: محمد الأحمد


· 1.
يتسلط علينا سؤال غالبا ما يكون فاعلا في عقلنا الباطن، ونحن نقرا في رواية عراقية أو عربية، وهو: هل نقرأ رواية بمفهوم الرواية كرواية حقا، أم نص كان يطمح أن يكون رواية، على الرغم من توافر النص على بعض مقومات الرواية الأساسية كالزمن الروائي، والكشف الروائي عبر المنظومة الروائية، وإشكالية الموقف الروائي كشاهد لعصره، فيكون من الصعب جدا علينا كقراء عشاق لفن الرواية تجنيس الرواية كرواية ما دامت تفتقر مساحة زمنها إلى حاضر مقطوع عن الماضي، ولا يستشرف المستقبل، وأيضا وان توفر عدد الصفحات الكثير فهو لا ينبري على متن رواية ما لم تكن الرواية قد امتدت على مساحة زمنية ليست مختزلة بظرف نزير، فالزمن الروائي أول خصيصة فيها، فالرواية المجنسة كرواية؛ يجب أن تحوي أيضا على معلومة غير متوفرة في متون كتب أخرى، تنفرد بها كشفا، أو تستقتل لأجل تمثيلها بالكلمات الحاسمة، والشخصيات الجلية، لكون اشد إسرارها اغواءا أن تنفرد عن غيرها من بقية الفنون بكشف ما، يكون واضحا، ولابد أن يثير جدلا، تحقق فيه وجودها بين بقية الفنون، وليست لكونها حكاية ابتدأت لتنتهي بين صفحات وغلاف، إذ يقول الناقد (tephen Jay Greenbelt) : (إن الكتاب المقتدرين يدركون القوانين التي تجري داخل الثقافة، ويتقنون توظيفها)، فكثيرة هي النصوص التي نقرأها، وقليلة تلك التي نفسرها إلى ما نريد، كقراء عموم، فما أكثر الكلام المكتوب، وما أكثر تدوينات البشر، كما يرمي ميشيل فوكو بقوله: (ما أكثر الكلام ولكن النصوص قليلة).. خاصة تلك التي لا تعلق ببالنا، وتبقى مؤثرة علينا.. كأن الرواية هي الجوهر الفلسفي الذي يحقق خطابه بوجود شخصياته، فكل شيء يمتلك ميزة تميزه عن الأشياء الأخرى، وبفضل ميزاته يتشكل، ليحقق وجوده ولا يوجد شيء مطابق لشيء آخر، وإلا لأصبحا شيئا واحدا، لان الكلام هو خريطة الرواية، والكلام هو امتدادها، وكل البشرية تتكلم، وكل البشرية لها من التجربة إلى أن تفتح النصوص أمامنا بأسطر متواصلة فيها الغث والسمين، وكما في الفلسفة الأشياء والظواهر بدلا من اختزالها إلى ماهيات معدودة أو إلى كائن واحد فريد فكل شيء واقع أو ممكن أو محتمل أو مستحيل تفرش أمامنا بالمعان، وغالبا ما يتوافر بالنص الروائي جذبا يدرك كاتبه قبل قارئه على ما يتوافر من كشف.. اغلب النصوص فيها ما نتلقى بعفوية ما هو أمامنا من قضايا، وخاصة قضايا جيل قد دفع إلى معارك وحروب مفروضة عليه بالنيابة.. لتحقيق مآرب وأطماعا إقليمية، وقد خسرت الحروب وأعطت للجيل والأجيال التالية الهزيمة بكل معانيها، فما بعد حرب وحرب أخرى امتدت سنوات الحصار على التوالي فهدرت من الشباب أغلى سنواته، وخسر ربيع خلاياه في انتظار وحرمان، وحسرة.. إذ صعب بل استحال عليه يوما بعد يوم السفر، والعمل، والحلم، فبقي النص الأدبي يحمل كل عذابات الجيل وغضون وجهه، وتراكمات جراحه. فمنهم من كان يتصدى لما يحدث من استلاب بأداته الروائية الطيعة.
· 2
رواية (خضر والعصر الزيتوني- نصيف فلك الصادرة عن دار الصباح2007م).. رواية كاشفة فاضحة.. تستحق الإشادة لما فيها من مادة نفذت بتقنية عالية.. أجاد النص ما أراد البوح به سراً، وعلانية.. بقيت هذه الرواية تحوي القصة الأكبر، الجلية، الواضحة لأي متلقي، يأخذ منها ما أراد الكاتب، وما قرره تأليفاً، فالخيبة التي يعاني منها المثقف في بلده تلامسه في السراء والضراء، وحتى وان هاجر متحملا المخاطر، إذ بقيّ في محنته كعراقي مستلب، منفي في وعيه، وفي حساسيته، فالكاتب المجيد هو الذي كان يقول قوله الواضح، ولا يؤول القول إلى قول آخر غير ما يقصد.. فيفهمه القاصي، و الداني، القارئ العابر، والناقد المتخصص.. نص خطابه واضح التعبير، تحكمه النظم الدلالية المنبثقة من صميم قضايا الأمة، وتطلعاتها الحقيقية غير التطلعات المستخدمة كخطب سياسية لأجل التخدير، وحسب. أنها رواية العهد العراقي الذي قال باطنا، وكشف قوله بنص واضح، وصريح.. فيه أول القول منتظماً مع ما انتهى به، ولم تشوبه صراحته البليغة، إلا جمالاً فوق جمال.. (سوف نكون محصنين، أي كارثة لا تهزنا وأي موت لا يغضبنا ولا يستفزنا. غداً سنكون من طبيعة أخرى، إذ تركنا وراءنا الطبيعة الأولى للبشر، بل حتى غرائزنا ستكون في تطور هائل ومستمر. الحياة نفسها ستتركنا خارجها فلا تعود شروطها ونواميسها تنطبق علينا. سوف لا نصلح حتى للموت الطبيعي العادي. محصنون، نعيش فوق العادة ونموت فوق العادة- الرواية ص 125).
· 3.
رواية (أرض الليالي- ناظم محمد الصادرة عن دار الشؤون الثقافية – بغداد2007م) واحدة من تلك العلامات التي شهدت على عصر لم يكتب بعد، ولم يؤول بنصوصه وما كان يحدث في تلك المطويات التي سوف تبقى تتحدى النسيان، على الرغم من قصور الأداة بيد منتجه، ولكنها سارت باتجاه الغوص العميق في الذي قد كان فيه محضورا، وممنوعا.. فتلك النصوص الشفيفة التي نقرأها اليوم تتوافر على مفاتيح ذكية لعصر كان فيه الكلام شبه مؤجل، ويحوي في مسيرة أيامه على معلومة تقول ما كان يقال سرا، وتأويلا دفينا يقتصر على الإشارات والإيماءات، و صرنا اليوم على الأقل نؤولها وفق ما نشاء، و نقارنها بما في خزيننا من معرفة تراكمية اكتسبت مما كان يحيط بنا من خوف وحساسية، وربما بما خزنت من أدوات أبستمولوجية، فتكون تلك الصور متصاعدة كفعل مع ما يقرأ في النص، أو مع ما يتفاعل فعله القرائي مع الذي يصادف قراءته في الحياة، كحدث قد حدث في الأمر الواقع، غير ما تطبل به المؤسسة الإعلامية المسؤولة عن كشفه. (لم اعد اقرأ شيئا، توقفت في خاتمة السطر، كانت نقطة وقوفي الحرب، رقدت على ظهر الحوت وغرقت مع الغارقين، جزيرتي هناك بشرة ناعمة ودفء نساء هربت صباحات أعمارهن لصيد عابر، لم اعد اقرأ شيئا جمعت أزمنتي في زمن واحد، اسكبه على وتر يجهش بالغناء فيبعث الليالي من رقادها- الرواية ص46)، (يصف الصراع على السلطة في العراق.. ذاكرتي لا تجدي المؤرخين، أجيال مندثرة، هياكل عظمية لرجال يفكرون- الرواية ص 50)..
· 4.
نحن كقراء عشاق لفن الرواية العظيم.. نجري تأويلاً ما (Interpretation)، لأي نص أدبي.. يكون علينا أن لا ننسى بأنه وليد سياق تأريخي متفاعل مع كل الثقافات المصدرة من هذه المؤسسة الثقافية، أو تلك.. في المعتقدات، أو في توازنات القوى، وما إلى ذلك من لغة توضح المرامي الغامضة، التي تقتضي القراءة فيها، بحرية منفلتة من المحظور، فينطوي التأويل عليه من جملة إبعاد أولهما؛ عنصر التعبير، عما بطنه الكاتب ( أي كاتب).. ضمن أي نسق هيرمينوطيقي (Hermeneutics) يشتمل على التأويل؛ كم هي نادرة النصوص المحملة قصداً واضحاً، يتفق عليه كل من يقرأه.. من الموضوعية، وعمق الرؤية كمثقف حساس لما يجري عليه من أحداث، فيحول ما يهدد كيانه، ووجوده إلى رمز جليّ، ليتفرع رمزه مؤشراً إلى الكلية الموضوعية الواضحة. فالرواية البديعة تأخذ حيث ما يريد كاتبها، وليس حسبما يريد قارئها.. ترسم له حدوداً واضحة الخطوط، لا تسمح له أن يتخطاها… بتمرده، أو ثقافته، تحصره مثلما يفعل الفلاح في حقله، ويفتح الساقية بالاتجاه الذي يريده، ويسقي ما يريد سقيه… بإيقاع سريع تتناسب مع نظام عمل به السارد المتقن لما في ذهنه مما احكم عليه حكماً بالغاً.. فيمكننا القول عن هذه الروايتين من أنها تشكلان تحدياً للقالب الروائي العراقي، المتدرج على نمط جديد لم يعد يثير حماس النقاد العراقيين.. فهي دعوة جادة لنقاد الأمس، من بعد أن تخلوا عن أدائهم كنقاد اليوم..

‏الخميس‏، 07‏ شباط‏، 2008
Posted by Picasa