١٤‏/٠٧‏/٢٠٠٧


ينعى ادباء ديالى
فقيدهم الشاب الغزير العطاء الشاعر والصحفي
أديب أبو نوار
الذي وافاه الأجل اثر مرض عضال
بتاريخ 6-7-3007

١٣‏/٠٧‏/٢٠٠٧


رحيل الشاعر والصحفي اديب انو نوار ..

الله معك .....ايها الوفي النبيل
ابراهيم البهرزي

بعد ظهيرة هذا اليوم,السبت السابع من تموز ,انطلقت من قمقمها روحك الطهورة ايها الحبيب الذي ما اذى طوال اعوامه الخمسين جنح ذبابة, ومن بعد اذى مريردام لثلاث سنين خلت,واربع عمليات جراحية في الراس,بعد اذى كان يكابر عليه محتفظا حتى الشهرالاخير بطلعته السامقة البهية, هنا في غرفة الضيوف هذه قبل نحو شهر من يوم الرحيل هذا,كان ينظر من النافذة للحديقة المنزلية الصغيرة مداعبا ولعي بشجيرة الرمان,مستذكرا
ظلالها الوارفات لربع قرن مضى من المسامرات والغناء والجدل.......
بعد ظهيرة سبت ابن كلب في السابع من تموز من عام الرمادة هذا,حملت كل سماحتك واريحيتك وصراحتك الفريدة في زمان البغض والكابة والنفاق
لتهج من زمن لم يعد يليق بالنبلاء منفتحا على الحرية الوحيدة التي اتيحت لك ووجعي يقول في سري :
حسنا فعلت,لانك كنت تردد دوما ان الزمن لم يعد جديرا بالنبلاء..........
حسنا فعلت ايها النبيل, قلت في سري ايضا بعدجهشة عميقة من البكاء الذي ذكرتني به وكنت قد نسيته منذ ربع قرن ,ويزيد..
الله معك...ايها الرحب في زمن يضيق على الضمائر البيضاء
الله معك...ايها القديس المرح في زمن العهر المعمم
الله معك...ايها النبيل الذي ما غير جلده مذ عرفته طفلا فصبيا فيافعا فكهلا مكتمل الوسامة في الخمسين
الله معك ...يا ربيع ذكرياتنا ومغامراتنا واحزاننا واهة البلد الجريح
الله معك...ايها الجريء الواضح في زمن الجرذان المرائية
لقد كان عندك الكثير من الغناء الذي ضاع في ضجيج مهارشات الديكة المخصية
وكان عندك -حتى في حندس المرض -اقمارا من المزاح والسخرية التي تفرج عني الكروب...
ومازلت تحت ذهول الرحيل غير مصدق انك تسبقني اليه ايها اليافع الغض الذي ظل يسخر من عللي المبكرة لربع قرن مضى,وكنت تتسائل متحيرا باي شيء سترثيني انا الصموت الذي لا اترك خلفي اثرا للذكريات,وها انا حائرباثار ذكرياتك الجمةوباية شقفة منها سابتدا الرثاء,وقد انتبهت بعد ضهيرة التشييع، ان لا مكان لي بعد في هذا الزمن فحيثما خطوت ثمة الذكرى تسد علي الطريق منادية : يا لتلك الايام، الله معك... ومع الخمس والثلاثين عاما من رفقة السهر الطويل والصبر الجميل,ولقد عددت على ضربات قلبي من من كل الخليقة كان له نصيب الشمس والقمر في الخمسين عاما التي عشت فما زاد عليك احد من اهل ولاعشير..
الله معك ...يامن اتلف العمر بسبب اريحيته,فعاما في السجن رقم -1 - لاجل نكتة في اوائل الثمانينات واربعين يوما في جهنم -الرضوانية - لاجل قبلة
لفتاة, واخيرا اعتقال من قوات الاحتلال لاجل جلوسك في باب المنزل غير ابه لمرور المدرعات والمارينز....
اعرف ان الناس قد يسجنون لاجل سرقة او جرم , الا انك الوحيد الذي سجن لاجل نكتة وقبلة وجلوس امام باب الدار
مرة كانت حياتك ايها العسل المكتوم ,مرة في جبهات القتال, مرة في السجون ,مرة في شظف العيش ووحدته,حيث لا وظيفة ثابتة ولا امراة حنون,
ومرة كانت حتى بعد رحيلك عنها حيث تهاوت حولنا قنابر الهاونات ونحن في اول ساعة بمجلس العزاء,فرفع السرادق واضيف الى لائحة النعي المعلقة في
سوق البلدة عبارة - وبسبب الظروف الامنية تعذر اقامة مجلس الفاتحة وعذرا للمعزين -
حتى في موتك لم ترد ان تؤذي احدا هكذا عشت وهكذا رحلت كنسمة رهيفة في زمن العواصف الهوج
الله معك ..الله معك .. ايها الحبيب يا ابانوار ..لقد تركت لي الزمن الموحش والعزلة الخانقة مع مطر من الذكريات الندية ممتزجا بالدمع,
اقول الله معك..وقلبي يقول حسنا فعلت..فهذا الزمان لم يعد جديرا بالبقاء...فالبلاد التي حلمنا بها وحملنا لاجلها الكثير من الندوب في القلب ها هي تتهاوى
امام انظارنا,وما رايناه كفيل باجتراح الموت قبلما ان ...تكون المنايا امانيا
الله معك ياشقيق العمر المقتول
باي سارثيك وقد كسدت المراثي...فعذرا؛ لقد اورثتني من جميل الذكريات ما اخشى ان لا اطيق معايشته والداب عليه لشدة الوهن.. الله معك الله معك الله معك .....كل انفاس البساتين في بهرز تشهق اليلة مستذكرة شموعنا ومواقد النار في زمن فرولن يعود لحضرتها ابدا ..ابدا يا ابا نوار
لقد كنت يوم تسالني عن حالي في السنين العجاف الاواخرلا تسمع مني الا قول الشاعر:
رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه
والان لم املك وانا عائد العشية عبر الحقول التي اوت مسااتنا غير ان اردد مختنق العبرة :
قال لي من احب والبين قد جد والتظت في الفؤاد نار الحريق
قال ما في الطريق تفعل بعدي قلت ابكي عليك طول الطريق
adeeb.memori@Gmail.com

١١‏/٠٧‏/٢٠٠٧


ابو نوار ... نعم مات من كنا نحبه...
كتابة: بلاسم الضاحي

بأيام عمرك إلا قليلا ً أعدّ عمري دون أن استثني همسة ً واحدة ً أو قلْ خطوة ً واحدةً ، في آخر همسة ٍ كان قوامك النحيف يذرفها لم أكن أدري إنها آخر خطوة ... قلت : ـ أحبها .... واختفيت على براقك الملّون .. الليل كان قد غادرنا للتو لكن حمرة شفقه تلوّن جرحك الصغير وتخفي دمعة ً كثيراً ما ذرفتها على غيرك ، الحق أقول : لم أكن أدري انك كنت تبكيك وأنت تعدّ حقيبتك البيضاء وتحزم بعض قصائد قديمة ٍ ما أبحت َ بها لغيرنا أقسمت عليّ ثلاثا ً أن لا أفجعها ... حينها ضحكنا وتبادلنا الكؤوس على مهل ٍ ، وقتها كان رفيف الملائكة في سنابله ينتظر آخر همسة نحو الخلود وأنت بمقلتين من ذهب ٍ ترسم دوائر حتفك وتقص للمودة أسرار الليمون وأسيجة الورد ورائحة التراب المرشوش .
بشفتين من سكائر وحقيبة من زجاج تتأبطها عند كل مساء نحو دروب البساتين يعينك الرمان وعريشة العنب التي سرقت طولك وتمددت نحيفة تحت سريرك الملكي سريرك الذي ظلّ منفردا طيلة خمسين دربا كلّ حصادك من البساتين .
حين ينتصف مقامك تترك بقاياك لما تبقى من الليل ، نديمك ( البهرزي ) ( 1 ) ودليلك رائحة القداح كنت تحاورها وتشكوها مشاكسة ذاك النديم .
أعرف .. أعرف ..
أن دروب البساتين لم تعد تسلكها من زمن سبقتك إليها البنادق الملتحية والرصاصات السائبة ، غيّرت مناسمها أقدام الغرباء كنتَ حزينا ، حزينا ولولا صورة كنت قد علقتها على حائط غرفتك الطيني لمت من كمد الفراق .
الحياة بهية ..... كنت تقولها وأنت تستلف ثمن علبة السكائر وتعيد تصفح جرائد الصباح من أقرب كشك مجاني .
يتصفحنك النساء كل صباح
وأصدقاؤك الحميمين يقتلهم ضجر الزوجات وهموم الصغار وأنت تقص أسرار نسائك الجميلات ، ما شكوت يوما شظف العيش ولا انحنت قامتك الفارعة وأنت تجلد شوارع البرتقال ، ترقب قميصَك شبابيك الأحبة فتهامسها من خلف ستائر شفافة ، لكَ درب واحد مثل قلبك الخائن ، كم استبدلت من شبابيك المدينة أما كان لك أن تستبدل قلبك ولو مرة واحدة كي لا يظل مثل ( خريسان ) ( 2 ) يوصلك من المحبة إلى سريرك المنفرد ...... كيف قايضت أقراص النوم بنوم أبدي وأنت لا تحب المقايضة ؟ لِمَ نزفتَ ضوءك على عجلٍ ؟ وهناك ..... هناك ..... لا أحد يعرف وجهك الحريري ’ لا شجرات ( خريسان ) تمد لكَ ظلالها كي تستريح ، لست ( ديالاك ) ( 3 ) هناك ولا ناسك تطفح المحبة منهم قبل الكلام ،
لِمَ قايضت صباحات البهاء بليل طويل ...... طويل ،، بلا صحف ٍ ولا صباحات ولا قصائد ؟
أما ندمت ؟؟؟
على مَنْ ستلقي تحية الصباح إذاً
ولمن تعيد الابتسام
مثلما كنت قبل ليلة من الآن ؟
ليلة شاذة امتطيت بها صهوة قلوب ( بعقوبة ) ( 4 ) ..... بعقوبتك التي صنعتها واعدتَ صياغتها قصيدة قصيدة وحملت صليبها رغم كل شئ .....
وارتحلت بعدما لم يبق في قلبها غرزة إبرة تتسع لحزنك الجديد ، ضمرت سواقي الروح .... وتلاشت هيبتها ،،
ارتحلت ...... !!!
ولم يزل موطنك الذي تحلم فيه جثثا تتأرجح سيقانها وتخب بها الشاحنات ، جثث يهربها الليل نحو شوارعك الأليفة .
أياد من ضباب وجذام تبني لنا بيوت المنافي
وتسمعنا أنين الثكالى
ورائحة شواء القلوب .
كفّ مزاحك ....
وأجّل الرحيل ليس لك َ سوى الرضا ببقعة تتحمل إثم محبتك .
وليس لي سوى أن
أف ..ج ..ع ..ها .... !!!
قبل ان أودعك
بمحبة أهامسك أيها العجول ،،
لماذا أودعت أسرارك تحت عروق البرتقال ؟؟
وأودعت تحت شجر البلوط غفوتك الأبديــــــــــة ؟
ماذا أردت ان تقول ............... ؟؟؟؟؟
أشارات /
1ـ ( ابراهيم البهرزي ) شاعر عراقي معروف صديق ابونوار ونديمه كل مساء
2 , 3 ـ نهران في بعقوبة أحبهما ابو نوار
balasimalthahy@yahoo.com

هل مات أديب أبو نوار
كتابة: محمد الأحمد

تبقى الكلمة عاجزة أمام هذه المحنة، وباطلة أمام هذا الذي يحدث والذي لم يعد يهم أحدا، أبدا، إذ مات الصحافي البعقوبي الشاب (أديب أبو نوار1956-2007م)، فالكل صار اليوم مشغولا بالخلاص من هذا الدمار العظيم، الدمار الذي يجري في مدينة بعقوبة كالسيل العرم، ويجرف معه كل المحتويات الحضارية، ولا يترك منها حتى رمادها، وإذ مات فلان أو فلان، فما عاد في الأمر من أهمية قياسا للذي يجري، وخاصة من كان معنى بالكتابة والإبداع، فالرجل قد مات في سرير الإنعاش، وهو يكتب حساسية الألم، وتورم الدماغ، مات بين أحضان أهله، بعد أن أجريت له سبع محاولات إنقاذ لم تفلح، وما من كلمة تبقت من كلماته دون نشر، وبقيت معانيه معلقة ما بين البستان ودفتر كان يرافقه مدونا فيه مراثيه الواقعية، ورحلاته في المدن النائية، وأيضا قصائد لم تكتمل لأنها احتشدت بالشعر، وخانتها الكلمات.. أي الكلمات التي تبقت عالقة في الذهن، وكانت تأمل أن تخرج بحبه، ويتلوها لأصدقائه غاية في إعجابهم، وليس غاية في نشرها.. كتب المقال، وابدي مهارة، وأبدى شجاعة، وقد عَرَّفَتْ الزمان الغراء قرائها بأغلب ما قال، وما أشار، وما أراد كشفه.. مات وكأنه يقول: - بهرزُ الأسى لن يعود، والعمر لم يعد طويلا، فعلام صبحك يأخذني من فراشي مستباحا بوردك، وشايك؛ لعمري الأمنيات الهائلة لم تكد تلوح في الأفق كما كانت تلوح، والزهر المفترش جانبي طرقاتك كلها، لم يعد إلا متاريس بنادق، رب قفر من الدموع يجري إلى الهاوية.. لكنه لم يقل لي لأنني تركته يذهب إلى مشفاه وحيدا، وبقيت مذنبا تتناوبني الهواجس العاصفة، وحقا كنت أراه للمرة الأخيرة. كان الرجل يتخطى المدينة كل يوم دون خوف برغم الخوف، ويتخطى بآماله الكبار، لأجل يشاركني الشاي وحب الموسيقى، وحب الكلمة، ويشاركني بعض الكتب، التي تطبع أصابعنا المتعرقة بصماتنا على صفحاتها، كنت اقرأ وأنسى، او كان يقرا وينسى او كنت اقرأ ولا انسى، او هو يقرأ ولا ينسى، يذكرني بزهر الرمان البهيج، ومجّ السيجارة على مساحة بحيرة البجع، كان يشاركني حب (فيروز)، ولعنة انقطاع التيار الكهربي، كان يشاركني المدى، وخوف الورقة الفارغة.. كأني كنت أقول له: كيف لي أن أرضى بكل هذا البعد، وحيث لا بعد عنك، يا عمراً كيف انضوت عني ثيابك، يوم كبرنا، وتركتنا نحلم بانجاز كلمات تمنينا قولها، ولم نقلها، هل مضيت بي وحيدا دون أن ادري.. إلى أين؟ أحبتي رحلوا تباعا فرادى وجماعات، يا نوارُ أريكتي وصباح قهوة طريفة بالمشي من المحطة إلى شربتُ الزبيب، الأصدقاء من حولي ينفضون وأنت أولهم، كأني ككل يوم اشتري جريدتي وأمرُّ على الأصدقاء، وأولهم الشعراء، بلحظة كهذه تكدس حزنها وبقيتُ محتقنا بالبكاء، والبكاء لا يأتي، أرى دمعتي في وجه (ابو نوار)، أراها ما بين المكتبة والإشراق، أو بين طوله الفارع ورغبته بان يقطف لي برتقال معلقة ما بين النهر، والنهد النافر في كورنيش (ديالى).. الذي أضحى هو الآخر، فرغا من الماء، كأني كنت أقول للنهر دعني اقرأ وجهك، اقرأ أمانيك، فقد عرفتك كما عرفت نفسي، ويوم رايتك، نظرت في مرآتي.. كان أيضا يحب أن يقرا عن المكان، فكتب بذاكرة سردية كل مكان زاره، منحازا إلى الشعر، ومنحازا الى بقايا الأطلال وبقايا المجد.. لك مني أن أنال رضاك الرضا يا بهرز، يا سلافه اسقيها نعمة النسيان، وإصابتي في الهوى منك نعود رمحا على نار ما بين القلب والقلب مساحة من التوهان وزهر الآس.. كأني أواصل القول: مقامي فيك قمر على هدب يسحُّ بالقداح، ونهر من الأشجان يذيبني بغنائه العذب.. وود حييّا ان يقول: - كيف لي أن أنسى يا بعقوب النسوة الآتيات من فضاء البساتين، محملات بالأقفاص المليئة بالحاصل، و كيف لي ان احترق بالأشواق إليك، رب قصر أو بستان غافل، عن الهوى، فملوك الزمان صاروا بالمسدس، وليس بالمحبة: حين جاءوا كالنعاج، و رحلوا من زمان ليس له بدُّ. فأردت ان أقول، ولم اقل: بعقوبُ الزمان عابث بك اليوم، ام بعقوبُ الهوى عاصف بي اليوم، أبعقوب؟؛ سحرك حبري، ودمعك بستاني، فما حيلتي إن تكدس الماء آسناً في الأنهار، ولاستطعت أن أقول بان الأولاد الذين كانوا صغارا غرر بهم الجهاد لأجل يوم الحساب، وقوافل الأيام تنهب الزمان.. بأحقاد الأولين، وتستنزف الأحلام بالدم بدلا عن الياسمين.. وان أقول: صورنا تحركها حرارة الذنوب التي لم نرتكبها.. لكن الرعد: قلبي ببعقوب معلق، أو ببغداد مربوط، وما بينهما جسر من الموت.. فهذا يقتل لحساب مؤجل، وذلك يقطع الطريق الأمين؛ لم أصبح كل من نعرفهم يتركوننا لوحدنا، نقاس الوحدة، والوحدة تجعنا نموت بأكثر من الموت، وعلام افتح الجريدة يوميا ولم أكن قد صادفت الخبر.. بالامس وجدت نفسي افكر في ما آل اليه المرض، وهو لم يترك حبيبته (بهرز) مسقط راسه على الرغم من خرابها، ووجدته يقول بنفسه لي بان خبر موت (أديب أبو نوار) تناقلته الفضائيات اثر مرض عضال: بصوته الأجش الذي تحشرج بدخان السجائر المتواترة بالقلق الكثيف، بينما كنت أقول لنفسي غير مصدق: هل مات الشاعر الرجل الشفيف؟ كم كنت قريبا منه.. وأنا آخر من يعلم ولا املك قولا في حق ذلك الخبر.
‏الثلاثاء‏، 10‏ تموز‏، 2007

٠٨‏/٠٥‏/٢٠٠٧


جثةٌ قد تأجل موتها
قصة قصيرة
محمد الأحمد


حتى وان قارب بلوغ عامه الخمسين، ألانه بقي يعمل بجد كثور الساقية، يعمل عتالاً هنا، بناءاً هناك، أو في الطلاء، وبالكاد يستطيع حمل لقمة بشرف إلى بناته الثلاث القاصرات، والزوجة الصالحة التي رضيت بأقل ما يمكن للإنسان أن يرضاه، وهي برغم مشقة دنياها الضيقة تتملاه في سريرها طويلا، كل ليلة ، مقتنعة برزقها، راضية في كنفه، تتأمله كحارسة ساهرة، مفتول العضل على الرغم من الشحوب، وجهه باسماً في وجهها على الرغم من الحزن الكثيف، فقد بقي ظامئاً وليل القلب مخيماً على طالعه إلى ابد الآبدين، محطوباً في إنسية المرحلة، جراحه بليغة، وثمة آلاف الشظايا قد بقيت عالقة في متون جسده إلى درجة انه من الألم، لم يعد يحسن تذوق الراحة، ولم يعد في ذهنه قاموسا يفسر الأشياء، بمعانيها.. ولكل موضع الم من جسده قصة يتمنى أن يحكيها، ولكن حكايات الآخرين أقسى من حكايته، اغلب اللذين أحبهم، وأحبوه قد إضاعتهم القصص، حيث صارت قصته تالفة، قياسا لما يسمع من قصص، فما من أحد يجلس إليه، ويحكيه الهم الذي أثقل عليه النفس، إلا ويجد عنده قلبه المثخن الجراح الذي تضطرب إيقاع دقاته من تعسف المرحلة التي تلمه، خوف معشش في كل الخفايا التي تحيط به، فيقال بأنه قد عاش قصة حب عاصفة خلخلت خطوته وجعلته يتردد آلاف المرات، قبل أن يتحدث إلى امرأة، يمر على أماكنهن كأعمى، ويسير بينهن بخطوات الملائكة كي لا ينتبهن له، كي لا يوقظن فيه مخاوف أخرى من تجارب، ربما ستكون أقسى، إذ تخلفت في قراره مشقات تركت سنابكها العنجهية مسافات أميال بما لا يقدر خيط دامع على ردمها، أو إخفائها بعد أن قلص حزنه الكثيف الابتسامة إلى الحد الأدنى، ودائما محلقا في فضاء عزلته، كريما، سخيا مع خياله، ويخاف أن يتكرر دخوله صندوق السيارة، (مارقون يركنون سياراتهم قرب السابلة، ويخطفونهم مقابل فدية كبيرة من المال، وإلا القتل المريع) فذلك قد يعني موتا محققا آخرا، غير الذي يراه في الشارع، وغير الذي يسمع به، فصندوق السيارة يعني أخذه إلى جهة مجهولة وسيتم تنفيذ الإعدام به، عاجلا أو آجلا، ذلك بقي كابوسا يراوده، بدلا من حلمه بقصة حب يعزز بها حياته، فقد تنازل عن قصص الحب المتخيلة، والتي كان يتمنى أن تصادفه يوما ما، من بعد أن تزوج وأنجب، وكان مؤمنا بان قصة حب عنيفة ستفاجئه يوما ما، لأنه بقي مؤمنا بان قلبه النائم خلف الأبعاد، لا بد أن يتيقظ، ولا يريد أن يبقى معزولا في زحام العمل والموت، ويغرق إعياء بين مخازن التجار الذين لا يشفقون عليه كثيرا، ولم يجزلوا له العطاء، فترك وجهه خريطة كلمات أضاعتها المعاني، وأوهام تقلصت بالأحلام فهو منذ يومها بقي لا يقترب من اللحم الذي يعرضه القصابون، لأنه رأى الجثث التي نثرها الانفجار، وبيديه عبأ كيساً كبيراً مما جمعه من اللحم البشري، وهو لا يدري لمن هذا الكبد، المخلوط بالمخ، أو هذه اليد المفرومة بالحديد، أو تلك الساق المهروسة بالبارود، شاهد بأم عينه بان اللحم البشري قد كان اقل احمرارا من لحم البقرة الذبيحة، ويومها انقطع عن سماع هسيس الشجر، والعصفور... انقطع عن المحيط وصار يفهم من حركة الشفتين ما يقولونه له، انقطع إلى أقصى الصمت في لجة الضوضاء، والتأتأة العظيمة، بقي يقول في نفسه (أصبحتُ كبيتهوفن لا اسمع سوى سمفونيات نفسي)، بقي يعمل بجد في وقت عصيب، ولم يكن يتنفس بعمله وهو يحمل بضائع الناس إلى سيارة، أو يفرغها.. حروفه عجلى بالتنفس، كونه يعرف بان الأنفاس عليه بحساب، وان تنفس الآن، فان اللحظات القادمة ستكون أصعب، بقي يكرر القول مع نفسه: (نحن جيل الخيبة!)، يطاردنا الموت الماشي بين الناس، ويركض خلفنا.. هذا البغيض الذي له رائحة زنخة، تفوح من الأمكنة، كرائحة لن تفارق مسامات الأنف، رائحة حاضرة بقوة لتثير الأسئلة (ما الذنب؟).. وتحدث ضجة بالغة على الرغم من خيوط الجريمة، المتقنة، برغم من برودة دم المنفذ الذي يختبأ وراء الكواليس، وينفذها بإتقان، و(باردا إلى ابعد حد)... أيدي بصماتها واضحة، خلف قفازات تقصد المحو، تقصد الناس البريئة، تمتد تلك الأيدي لتمس الجيوب، وتصادرها.. أفعالا قذرة... تصنعُ الموت المزخرف بالبشاعة.. موت يتواصل بالأسئلة، والأسئلة تتواصل ما بعد الموت، وتتفاقم كما الرائحة، فمن هذا القتيل؟، و(من ذاك) وكيف اخترقت كل ذلك الكم الكثيف من الطلاقات جثته؟ الصمت يسكن هذه الصورة التي لن تقول سوى أن المجرم يخاف الجثة أن تلاحقه، وهي كذلك سوف تلاحقه أبدا، وبقي يرى جثثاً تزاحم الطريق، تضيق على المارة خطواتهم، وتبتلع المسافات، جثث تبتكر للموت شكلا جديدا لتقتل في الحياة حياتها.. حماقة جهل مرّ.. كأنها قوالب سخية الخيال تحتجز المنطق، فكلما تكلم مع احد عرفه يمتهن الكلام العابر، ويتشدق بكلمات ليست متواصلة برصيد خلقي، وذاته يفعل عكس ما يقول، فالأنفاس اغلبها كاذبة، والبحر الذي يسمع عنه يفيض كالأحداق بات كاذبا، وما من قطرة ماء منسية، فالبحر هو البحر والكذب هو الكذب، وما من ميت يعود إلى الحياة من الكذب، وما من حياة لا تبتلع الأحياء.. كأن المنطق هو ما يفتقد، كأن المنطق ميدان داج أشبه بدماغ هرستهُ سيارة حمقاء لرجل كان سائقها قد أتى إلى المكان مهموماً، حالماً، ساهماً تجرهُ خطوات فكره أكثر كانت أكثر فعلاً من خطوات فعله.. يضحك كما المجنون، فقد أتى ذلك الزمن المكان بسيارة عدت للانفجار، وبخطوة اعدّت للانهيار، وبزمان تائه، رديء، لتنفجر عند حاجز للشرطة، والرجل عند حاجز للرجولة، وعند احتدام الوقت، لم تصب سوى الناس العابرة.. بقي يتألم: (الناس أصيبت بمقتل).. لقد وصل النفوذ الدموي، إلى كل مفاصل الحياة، وجزيئات الهواء.. إلى ما لا يصدق، فالأشلاء المتناثرة إلى السماء، هبطت إلى الأرض، وبقيت السماء تمطر دماً وتساقطت منها أصابعا متفرقة، أعضاءا بشرية، ولحما محروق، برائحة البارود والشواء.. بقي يخاف، وبسر يتنفس، من بعد أن رأى أيدي كثيرة، عيون مقلوعة، رؤوس معبأة بالرعب، والفزع بلا أجساد، أجساد كثيرة غير متكاملة قد ضاعت بقاياها.. بقيت مبخرة وتطايرت متحولة إلى بخار، تسامت إلى دمار بالغ، والأحوال الرديئة تحولت إلى حفرة في الأرض لا تتسع قبرا واحد لهذه الأجساد.. صفير في الأذن، يلاحقها كعاصفة: ضوضاء كانت عالية، وكان الضوء ساطعا، وكان العصف رهيبا، وكان الدنيا ضيقة إلى الحد الذي لا تتسع للبكاء.. يتساءل (ما فعلنا يا رب عفوك)، ذاكرته مليئة بتلك الصورة البشعة التي اختزنتها الطفولة بدقة وتكاد تشخص كل لحظة، بقي يتجول طائفا في الزمن ينفصل كما ظله أو يستبقهُ إلى مراحل اكبر اتساعاً من الخطوات، كل مرة يبقي سؤالاً إلى آخر المرحلة ؛ (كيف مات الشوق إليك يا صديقتي الرائعة.. يا ذات العينين المدهشتين).. أيامها كان يحاول طمس أسئلتها بأسئلة اكبر، كأنها عصفورة مضيئة تطير في ليل ظلامها دامس، تضحك متناسية، وتجره خطواتها إلى الخيلاء فيطبع على فمها قبلته الذكية.. يحول هدوئها إلى نار من الغريزة، ليدمن عليها.. طعم القبلة تملأ روحه.. القبلة تدور.. تحيله من مبتدأ إلى خبر، والموسيقى تشتعل، من بداية إلى نهاية. يقول؛ (أتسرنم، أتسلطن، اطفوا بالخيال، احلق عاليا في فضاء خديّها المحمرين كتفاح ناضج)،.. تسبل عيناها، وتمدُّ شفتيها الكرزيتين رغبة أدركها جيداً، يسأل نفسه: (هل ينفع السؤال؟)، تذوب خلاياه المتوقدة، عاطفته ليست عمياء إلى ذلك الحدّ، ولكن الحلم يقتله أيضا، يرى العالم كله بشفتيها طعم يجري إلى حيث تبتدئ حريته، يهدى نفسه، يحاول أن ينسحب بعقل بدلاً من انفجار قد يحدث، فما زال يرى وجع اللذة على أصابعه، ويسري كلما بقيت معه في الحلم، الحلم تعويضا عن تكاثف الخيبات المتواصلة، حدّية هذه اللحظات.. حدية هذه الطبيعة، وسيد من يحتكم على قوانينها.. باتت قتيلة، من بعد تعذيب كثيف، نالوا منها شر نيل، (ولكن ذراعاي طوقها، أو طوقي ذراعاها).. تدور عيناي في لمعتها الفرحة، العصافير كانت تزقزق سيمفونيتها الشعرية، والنسيم الطيب بدأ يملا الرئتين.. (أحسّ باني قد بدأت أحقق خطوة نحو السعادة القصوى التي كنت ارسمها، واحدد ماهيتها، أتساءل من خلال الوقت الضيق والأنفاس المتسرعة لمَِ فكري مشوش فيمنعني من تميز الأشياء.. ليلُ القلب يمتلأ به جسدي المتفاعل مع درجة حرارة الجسد الذي يلثمني، عيناي تحاذر أن تستسلم لحلم كان الصحو فيه اقل، بمعرفة أقل.. كان صمتاً أقل بمحاورة أقل).. فما ذنب هذه الأجزاء بان لا تجتمع مع بعضها في قبر واحد، كبقية خلق الله، جثث أضاعت أجزائها، أو ضاعت عن بعضها.. (اسحب نفسي تدريجياً من الحلم، تفهم هي الأخرى كل شيء، وتظل قربي صامته تؤلمني ابتسامتها الضيقة).. ليل القلب الظامئ المتعب بمشاوير الفكر… خذلته الترهات.. تفلت أربطة الذاكرة، يبقى السائل الثقيل متناثراً على الإسفلت الذي يحوي الكثير من الذكرى، والحزن، والعاطفة.. كل شيء محض تذكر في هذا الرأس الصغير الذي يحوي على أكثر ما يجب.. تناثر وتيبس.. (أسائل نفسي: إن كان هناك في مزيج السائل الثقيل بعضاً من الفرح، وقد يكون الفرح المادي الأول الذي يمكنني تحسسه).. الميت ينزل من سيارته الفارهة، ويلتفت إلي بقوة وكأني قد قطعت عليه حبل خلاصه، وتتفلت بيسر منه دقائقه، (كأنها تشغلني بسؤال، وأنا اهرب بعيداً عن سؤالها بسؤال كي أنقذ ما يمكن إنقاذه.. صوتها يؤجج السر المكنون المرّ، فأهزّ أبراجها العالية بهدير من كلمات خائبة: - أقول لا تجعليه يرضيك بهذه الصورة فأنت الأجمل والغاية النهائية، فلا تكوني بين عينيه الساذجة، الواضحة، السهلة؛ فيقضها ويفجر أسرارها ساعة يريد.. حاولي أن تكوني الجوهرة الغامضة ليتسنى تحقيق ما تشائين).. ضوء جميل.. يزدره إلى عمقه المكنون الداجي العميق.. المعرفة قوة.. قوة ليل القلب بما يمتلك من معرفة، (كانت قد بقيت في الشارع، لقتيل عائد إلى البيت، وأضاعت الطلقات مسيره، بعد أربع أو خمس منها، بقي يشخر كالخروف الذبيح.. تمددت لوحدها مخيفة كل المارة، إلى جانبها خيط من الدم، وقد سار لوحده إلى الساقية، واتحد الدم بالماء الآسن، ولكن الشخير ارتفع عاليا.. ثم حضر المشهد من الجهة الأخرى رجلا آخرا، صوره بالموبايل، وبعد ذلك بصق عليه، أي جثة مثيرة هذه؟، وعاد الأول واضعا فوهة المسدس في فم القتيل، وأطلق من جديد رصاصة في فم الجثة وتفجر رأسها، وتناثر بعض الدم على ثياب الأول وبقي (الموبايل) يصور، قد افترش وجه القاتل، ولكن القتيل انتفض بقوة اكبر، ومرة أخرى، في كل مرة يرشق الدم وجه القاتل، والقاتل يبصق فوق القتيل..)، كان من يرى يروي لي بلا خوف بقي يقول؛ بان القاتل قد اخرج شيئا من جيبه ورماه قرب الجثة، لم تكن رسالة، ولم تكن هوية، ولم تكن سوى حاجز يربح به الوقت، ويضيع الدليل، غاية منه تغير مسار الأسئلة، ولكن الأسئلة لم يكن لها سوى اتجاه واحد سوف لن تحيد عنه، وان سكتت الناس يوما، فإنها لن تسكت إلى الأبد، و سوف تقول ما لم تقله في حينه بان القصة حقيقية، وقد جرت وروت نفسها، (فمن بعيد كانت الشرطة تراقب الحدث، وربما كانت تخاف الاقتراب، أو لا تخاف.. تعرف أو لا تعرف، تعرف القتيل والقاتل فلن تخافهما مستقبلا، بقيت في لحظة محايدة مضطرة الحياد.. (كانت الكلمة صورة تطوف فوق المعنى لتحرره من الاندلاع، كصدمة ستوقع المخاوف)، ولكن السوق بقي ينتظر الناس بلا سؤال، فمذُ كنت صغيراُ.. كنتُ أحصى عدد النجوم فوق دارنا، وبعد أن كبرت صرتُ أحصي النجوم فوق الحي كله، فبعد الخمسين اروي للناس قصص الدم والجثث الخائبة التي لا تدفن مع بقية أعضائها، وأقول في تعب بان أبي كان يمنعني من روي ذلك.. ينتصب أمامي بفخذيه الهائلين مشكلا، مثلث متساوي الساقين مع الأرض. أقول هذا مثلث.. فيضربني، ويلعن حظه؛ ظننا منه باني أشير إلى أسفل بطنه، فاضحا عورته، والناس تتبادل القول: (كل من خرج من بيته مفقود، وكل من عاد إليه مولود)

بعقوبة
‏16‏/04‏/2007

Posted by Picasa

mu29@hotmail.com