٢٤‏/٠٢‏/٢٠٠٧

في البحث عنها
قصص: حسن حميد
قراءة: محمد الأحمد

لا يفضي كتاب قصص (في البحث عنها
[1]) إلى تفرعات الذاكرة المليئة بالحكايات، والذكريات، فحسب؛ بل يفضي أيضاً إلى أحلام يقظة، طرية، تنتهي إلى صدمات واقعية، تجعلها في مصاف القصص (التشيخوفية) الخالدة.. حيث يمسك القاص المقتدر قارئه بعناية لأجل أن يمرر عليه خطابه، يأخذهُ طوافا بسرد مقتدر، متمكن من هويته، فتكون القصص نصوصا شفافة تقول ببلاغة ما حجب من التاريخ، وما يسكت عنه، ففاعلية النص أن يكون شاهداً على عصره، ومخترقا لقلبية مقص الرقيب، فالقصة صرخة عالية تكشف معرفيتها بعصرها، كونها منحوتة بأزميل فنان متمرس، يعرف الإمساك جيدا، بمن يقرأ، في عالم تنوعت فيه الأدوات والقنوات، فيفترش قصصاً بليغة نابضة بحيوية ذكية، تحمل على الغواية، والاستمتاع معاً، وتحمل على الحسّ المرهف المفعم بنكهة على نهايات هادرة، ومقنعة، تحرص على شدّ قارئها في أن يزيد استغراقه، ليعيد القراءة للمرة المتكررة، (فان نقدم الفن باعتباره مضمنا أو شكلا ما هو إلا مسالة اختيار للاصطلاح المناسب، لكن بشرط أن ندرك أن المضمون يشكل، و إن الشكل يملأ، وان الإحساس إحساس مشكل وان الشكل شكل يحس- كروتشة[2])، ولان القصة عالم متكامل في صفحات محدودة، وهذا شرك أمين يوقع الكاتب الفنان به قارئه.. إذ يكتشف القارئ بأنه خارج المكان، وهو بداخل الذاكرة، أو العكس يكون بخارج الذاكرة، وهو بداخل المكان، ينساب الحدث فيها كما الماء في نهر، يرسم خطوته الواثقة على أديم مشحون بالجذب، مشحون بالحركة التي تراقبها الكلمة، بروية لتعطي اللغة ذاتها بسخاء زاخر بالصور الإنسانية المشوقة، فإبطال القصص (الأغلب) كمعدمين يعوضون الخسارة بالحلم، والحلم يتشكل بفرض راسخ على انه حياة حقيقية بديلة عن الخسارة. (اللغة ليست لغة، بل أصوات، إلا إذ عبرت عن معنى. كذلك يعتبر المحتوى بدون الشكل استخلاصا لشيء ليس له وجود ملموس، لأننا لو عبرنا عنه بلغة مختلفة لأصبح شيئا مختلفا- هارولد ازبون[3]). حيث يضعنا القاص (حسن حميد) خارج المكان.. داخل الذاكرة، فالزمن خطوات تسير بلا توقف، تتقدم حثيثا وتتخطى الأمكنة، متحدية للنسيان، والطمر خطوات لها إيقاعها المكتوب، الموثق، وبكل وقعه، بكل ثقله.. حتى وان خسر الإنسان أنشط خلاياه، فإن تلك الخلايا قد تركت بصماتها فوق الأمكنة، التي لن تموت أبداً؛ إذ هي كالنهر الذي يتكون أولا، وتلتفٌّ من حوله المدن، تحاذيه حتى ترتسم خرائط البلدان وتكون تلك البلدان مسيرة أزمنة هائلة الوقع بما أنتجت، وما خلفت من ظلال على الأرض.. لأنها مسيرة حافلة بالتحديات والنكوص، حافلة بالإمتدادت والتقلصات، فالذاكرة بمدوناتها كذلك هي المدن؛ بنموها تبقى علامة الإنسانية التي يقاس عبرها الزمن، وما احتل منها بقايا صور تتحدى الطمر، وتطوف فوق النسيان، وتحجبه، لان الزمن يفترش الأمكنة كلها ويحتلّها حتى تكون شاخصة تحمل علامته، فأغلب قصص المجموعة، تكاد تكون متواصلة، بضياع أبطالها، وبضياع أعمارهم في السجون، بسبب اختلاف الرأي، والايدولوجيا.. حالمون بالموسم الجميل، متواصلون وكأنهم أبطال قصة واحدة، يتخفى بها الكاتب، وكأنما فصول رواية تترى بالقصص، ففي (قصة تجوال).. قصة حادة، برغم رهافة لغة ساحرة، مقتدرة، تطوف بقارئها خيالا كالسحر، ولا تتركه إلا مأخوذا بالفن القصصي الجميل الذي لا يعطي سره من المدخل السطور الأولى، للعمل الفني، بل تلف قارئها بذكاء، وتنكشف له في لحظة حرجة، واقعية (لم ينكشفا على الخلق إلا صباحا، إلا جسداً واحداً طريا منطفئا فوق رصيف محبر بالبهجة الدامعة- ص 17)، تلفُّ الأمكنة جمل شعرية وراء امرأة، و تكون بعمر الأمكنة، لها ثباتها في المخيلة، ولها مكان في الواقع.. كما في قصة (في البحث عنها).. تلك المرأة ذاتها صاحبة الصوت الرخيم، المثيرة، المؤججة لأحلام تدفع بالإلهام إلى منطق الإبداع، وثمة موت يتشح من المساء القاتم الذي يتقاتل مع شلل أمها، وهو الذي يجعلها تقاسي الحياة فتغيب عن ناظريه كحبيب.. كذلك قصة (في البحث عنكَ).. فهي تروي قصة حب بين سجين وزوجه، وصراعهما مع من يغرر بها، الذي تسلمه كل أدلة الإدانة، بعدما يسجل لها شريطا (فيدوي) في ليلة ماجنة، تقحم القصة ذاتها وتترك قارئها يكملها خيالا، تعمل مع القارئ، تشغله، تمسك به ولن تتركه حتى تعطيه ما تريد مجددا، كقصة بليغة تتواصل في (القاووش)، التي يستمر الرد فيها لتكشف قصة سجين أوقعه لسانه عشرين عاما في (القاووش الرطب المعتم، الذي حفظ هيئته، وثقوبه، وعروق حيطانه، وحشراته، وطعامه، ومواعيد مرور الشمس عليه، كما حفظ وجوه ساكنيه، وقصصهم أيضا- ص65)، ويطلق بعد أن مات ألف مرة كمحكوم بالإعدام، ويشمل بالعفو حتى تعود عليه التهمة مرة أخرى (هناك في القاووش عرف أنهم اكتشفوا الأوراق التي خبأها تحت فراشه، تحت البلاطات الصغيرة، أوراقه التي كتب فيها مشاعره، وأفكاره كلها بوضوح شديد، وبالأسماء الصريحة، فقد باح بكل شيء، ووصف كل شيء، ولام أناساً كثيرين، ونعى مصير آخرين.. بعدما ظن انه ميت لا محالة، وقد نسي أن يأخذها معه حين أفرجوا عنه، بعدما أعمى قلبه فرح الخروج- ص76)، ونفس المصير يلقاه (الرجل العجوز).. كذلك قصة (السجان)، التي تستمر في أجواء السجن، وعفونة هواءه، حيث اللغة الجميلة تصل بالحدث إلى ذروته، وتعاوده في قصة تالية.. قد حققت النصوص تواصلها، بلغة مقتدرة على القص، مقتدرة على الإيغال في المخيلة، إلى العمق الفاعل، المؤثر (ولكن القراءة المتملية للنصوص هي التي تساعدنا على ضبط جنسها، أو نوعها، أو نمطها[4])، متن الكتاب المكون من (150 ص من القطع المتوسط)؛ تماسكت فيه الصور السردية برسالتها، وصارت تستحق القراءة، تستحق التمعن، لأكثر من غاية؛ أولاهما كما كان (محمد غنيمي هلال- أستاذ الأدب المقارن)؛ يؤكده (تقتصر القصة الواقعية والطبيعية على الوقوف عند حدود الوقائع الطبيعية وتحاشي الأحداث العجيبة والغريبة، بل أضافت إلى اهتمامها بالطبقات الدنيا والمتوسطة خاصة أخرى وهي كشف جوانب السوء والشر في النفس البشرية، فصورت المجتمعات والنفوس المترفة فريسة للفساد[5])، إذ جهرت هذه المجموعة عشق كاتبها للفن القصصي، وقد عرف علماً بين كتاب عصر يزدهي بالمبدعين، كما عرف متقدماً بلون يستحق الإشادة، وبالغ الاحترام.

‏الاثنين‏، 19‏ شباط‏، 2007
[1] في البحث عنها.. مجموعة قصص المؤلف (حسن حميد) صادرة عن دار نارة للنشر والتوزيع- (عمان 2006م)
[2] الاستطيقيا (1902م)
[3] Criticism (P.P 54-68).
[4] احمد الحذيري- من النص إلى الجنس الأدبي- الفكر العربي المعاصر العدد 54-55
[5] ص 515 النقد الأدبي الحديث.
 Posted by Picasa

١٥‏/٠٢‏/٢٠٠٧

انحني اجلالا للمبدعين الكبار
زكريا تامر
عبد الستار ناصر
دمشق
2007
 Posted by Picasa
محمد مظلوم Posted by Picasa
محمد الأحمد
عبد الرزاق عبد الواحد
حسن حميد
دمشق 2007
 Posted by Picasa

١٠‏/٠٢‏/٢٠٠٧

١٣‏/١٢‏/٢٠٠٦


اسمي راشيل كوري
ماريو بارغاس يوسا


إذا ما مررتَ بنيويورك، انسَ استعراضات برودوي الموسيقية الباذخة، وحاول أن تحصل علي بطاقة دخول إلي مسرح صغير حار ومتداع، مسرح "ماينيتا لان"، في الشارع الذي يحمل الاسم نفسه، علي الحدّ بين غرينيش فيللج وسوهو. وإذا ما حصلت علي بطاقة الدخول ورأيت العمل الذي يُعرض هناك "اسمي راشيل كوري" (My Name is Rachel Corrie)، فستكتشف القشعريرة التي يمكن أن يكونها عرضٌ مسرحي عندما يغرس جذوره في إشكالية راهنة، ويقدِّم علي المنصة - دون أحكام مسبقة وبموهبة وصدق ـ قصةً تضعنا خلال تسعين دقيقة في الرعب المعاصر من خلال فتاة ما كان بإمكانها أن تحلم، في حياتها القصيرة، بأنها ستقدم الكثير من الكلام الذي يقال، وستثير الكثير من المجادلات، وستكون محط كل ذلك التقدير والحب، وفي الوقت نفسه، محط كثير من الافتراءات أيضاً.افتُتح العرض المسرحي في السنة الماضية، في مسرح الرويال كورت في لندن، وكان عليه أن يتجاوز عقبات كبيرة كي يصل إلي مانهاتن. فضغوط المنظمات المتطرفة الموالية لإسرائيل توصلت إلي أن يتخلي منتجها الأول، ورشة مسرح نيويورك، عن تقديمها، مما تسبب في بيانات واحتجاجات شارك فيها فنانون ومثقفون مشهورون، منهم توني كوشنر. وأخيراً، فرضت روح هذه المدينة الليبرالية والمتسامحة نفسها. والمسرحية التي استحقت تنويهات رائعة، تُعرض الآن وبصالة ممتلئة دوماً.النص هو مونولوج للبطلة، تجسدها ممثلة شابة وموهوبة جداً تدعي ميغان دودز، وقد أعدَّ النص آلان ريكمان وكاترين فينير بالاستناد إلي يوميات راشيل كوري ورسائلها إلي أبويها وأصدقائها وكتابات أخري لها. لا يمكن لأحد أن يتصور أن مثل هذا العمل متقن البناء، والذي ينساب بصورة بالغة التلقائية، دون أدني عثرة، طيلة ساعة ونصف ساعة متكهربة هي مدة العرض، لم يجر تصوره كنص عضوي من قبل كاتب مسرحي محترف، وإنما هو مكوّن من مقتبسات ورقع كولاج.ولدت راشيل في أوليمبيا، قرية من ولاية واشنطن، ويبدو أنها اعتادت منذ طفولتها علي الحوار مع نفسها، عبر الكتابة، في نصوص تبين بطريقة شديدة النضارة، وحالمة أحياناً، الحياة الريفية لفتاة تبلغ سن المراهقة، مثل كثيرات أخريات من جيلها في الولايات المتحدة، ممتلئة بالقلق والاضطرابات، ضحية تمرد دون بوصلة، حالة معنوية غير راضية بعمق ومضادة لحياتها المتميزة وللأفق الضيق، الريفي، التي تدور فيه تلك الحياة. يراودها ميل غامض إلي أن تصير شاعرة في ما بعد، عندما تكبر وتشعر أنها قادرة علي منافسة أولئك الكتَّاب الذين تقرأ أشعارهم دون هوادة وتحفظها عن ظهر قلب.ليس فيها أي شيء استثنائي، بل مجرد تجارب متوقعة لصبية من الطبقة الوسطي، عادية، مترددة حيال العالم وهي آخذة في اكتشافه، حماستها للأغاني والمغنين الرائجين، والتدلل العابر مع زملاء الدراسة. ولكن، أجل، وهذا أمر ثابت: لديها إحساس غير متبلور بعدم الرضا، وبحث عن شيء، مثل الدين بالنسبة للمؤمنين ـ وهي نصف مؤمنة، لكن الممارسة الدينية لا تملأ الفراغ الذي يعذبها أحياناً ـ يمنح حياتها، فجأة، وجهةً، معني.. البحث عن شيء يضمخها بالحماسة.هذا الجزء من قصة راشيل كوري لا يقل زخماً ولا تشويقاً عن الجزء الثاني، وإن كان أقل دراماتيكية. الأمر الفريد، ومن خلال تطور قصتها الشخصية، هو أن الهم السياسي لا يظهر ولا يطل برأسه بين كل همومها التي تقدم كتاباتها الخاصة شهادة عنها، وهو أمر يعكس علي أفضل وجه شرط جيلها. فمنذ ثلاثين سنة، صار الشبان الأمريكيون يصرّفون تمردهم وقلقهم في تصرفات، وملابس، وهوايات، وإشارات، محاطة في بعض الحالات بهالة من الفوضوية الشخصية المتكتمة، أو بنضالية دينية في الجانب الآخر، أما السياسية فلا تستحق منهم إلا عدم المبالاة الكاملة، إذا لم يكن الازدراء المكشوف.في المسرحية، هناك مرحلة معترضة كبيرة، ربما لأن تلك اللحظة الحرجة من حياتها لم تُوثق في كتاباتها، إنها تلك المرحلة التي تحمل الفتاة الريفية إلي التطلع لأن تصير في أحد الأيام شاعرة، وأن تخطو خطوة جريئة مثل تقدمها، في بدايات العام 2003، كمتطوعة للذهاب من أجل النضال سلمياً في قطاع غزة ضد عمليات الهدم التي يقوم بها الجيش الإسرائيلي لبيوت جيران أو أقارب أو من لهم علاقة بالفلسطينيين المتهمين بالإرهاب.ظننتُ للوهلة الأولي أن راشيل كوري قد ذهبت لتعمل مع صديقي ماير مارغاليت، أحد أكثر من أكن لهم تقديراً من الإسرائيليين، في لجنته الإسرائيلية المناهضة لهدم البيوت، وكنت قد تحدثت عنه في زاويتي الصحفية هذه. ولكن لا، فقد انضمت راشيل إلي حركة التضامن الدولية المكونة بصورة أساسية من شبان بريطانيين وأمريكيين وكنديين، يذهبون إلي الأراضي المحتلة للعيش في البيوت المهددة بالهدم، يحاولون أن يمنعوا ـ ولا حاجة للقول إنهم لا ينجحون كثيراً ـ عملاً غير مقبول أخلاقياً وقانونياً، ذلك أن جزءاً من الذنب الجماعي المزعوم للسكان المدنيين يستتبع عقاباً جماعياً علي جرائم فردية معزولة.الرسائل التي تكتبها راشيل إلي أبويها وأصدقائها من رفح، جنوبي قطاع غزة، تكشف عن تنامي وعي فتاة تكتشف، من خلال المشاركة، البؤس، والهجران، والجوع، والعطش لإنسانية بلا أمل، مهملة ومنسية في مساكن متداعية، مهددة بالرصاص، بالمداهمة، بالتفجير، حيث الموت الوشيك هو الشيء اليقيني الوحيد للأطفال والشيوخ. ومع أن راشيل تنام علي الأرض مع الأسر الفلسطينية التي تحتضنها وتطعمها من وجباتها الهزيلة نفسها، إلا أنها تشعر بالخجل من الرعاية والمحبة اللتين تتلقاهما، ومن الامتياز الذي مازالت تتمتع به، فهي قادرة في أي لحظة علي الذهاب والخروج من هذا الاختناق، أما هم، بالمقابل...أشد ما كان يحزنها هو عدم المبالاة، انعدام إحساس ملايين الكائنات البشرية التي لا تفعل شيئاً، في العالم بأسره، بل لا يريدون أن يعرفوا شيئاً عن المصير المشين الذي يتعرض له هذا الشعب، حيث هي منغمسة الآن. لقد كانت شابة مثالية ونقية، ملقحة ضد الإيديولوجية وما تولده عادة من أحقاد، تسكب نقاء مشاعرها وكرم نفسها في كل سطر من رسائلها الموجهة إلي أمها، موضحة لها كيف أنه، علي الرغم من العذاب الذي تراه حولها ـ الأطفال الذين يموتون في التوغلات الإسرائيلية، آبار الماء المطمورة التي تُبقي حياً بكامله ضحية العطش، منع الخروج إلي العمل الذي يُغرق آلاف الأشخاص في موت بطيء، الرعب الليلي لصفارات الدبابات وتحويم طائرات الهيلوكبتر علي ارتفاع منخفض ـ هناك فجأة، في ما حولها، في احتفال بولادة أو عرس أو عيد ميلاد، انفجارُ سعادة، شيء أشبه بانفتاح سماء عاصفة ملبدة لتظهر هناك، في البعيد، سماء زرقاء بديعة، مفعمة بالشمس.إن شهادة راشيل كوري، بالنسبة لأي شخص غير مصاب بعمي التعصب، حول إحدي أكبر مظالم التاريخ المعاصر ـ وضع الرجال والنساء في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث الحياة محض احتضار ـ هي شهادة إنسانية، فضلاً عن كونها مؤثرة، شهادة رحمة تصل إلي الروح (أو أي اسم آخر لهذه البقية المتبقية من الوقار الذي نحتضنه جميعنا في أعماقنا).وبالنسبة إلينا، نحن الذين رأينا هذا الرعب عن قرب، يشكل صوت راشيل كوري سكيناً ينكأ جرحاً ويحركه.نهاية القصة تجري خارج العمل المسرحي، في حدث لم يُتح لراشيل الوقت لتكتب شهادتها عنه. ففي يوم الأحد، السادس عشر من آذار 2003، ومع سبعة زملاء من حركة التضامن الدولية ـ شبان بريطانيون وأمريكيون ـ وقفت راشيل أمام بلدوزر الجيش الإسرائيلي الذي يريد هدم بيت طبيب فلسطيني في رفح. صدمها البلدوز وأوقعها مهشماً جمجمتها، وساقيها، وكل عظام عمودها الفقري. وقد ماتت في سيارة الأجرة التي كانت تنقلها إلي مستشفي رفح. كان عمرها ثلاثاً وعشرين سنة.في رسالتها الأخيرة إلي أمها، كتبت راشيل كوري: "هذا يجب أن ينتهي. يجب علينا أن نترك كل شيء آخر ونكرس حياتنا للتوصل إلي إنهاء هذا الوضع. لا أظن أن هناك ما هو أشد إلحاحاً. أنا أرغب في التمكن من الرقص، وأن يكون لي أصدقاء ومحبون، وأن أرسم قصصاً لأصدقائي. لكنني أريد، قبل أي شيء آخر، أن ينتهي هذا الوضع. ما أشعر به يسمي عدم تصديق ورعب. خيبة أمل.أشعر بالانقباض من التفكير في أن هذه هي الحقيقة الأساسية في عالمنا وأننا جميعنا نساهم، عملياً، في ما يحدث. لم يكن هذا هو ما أردته عندما جيء بي إلي هذه الحياة. ليس هذا ما كان ينتظره الناس هنا عندما جاؤوا إلي الحياة. وليس هذا هو العالم الذي أردتِ أنت وأبي أن آتي إليه عندما قررتما إنجابي
.ترجمة: صالح علمانيعن جريدة لاناسيون الأرجنتينية،
الأحد 12 تشرين الثاني 2006
.Por Mario Vargas Llosa
 Posted by Picasa