٢٢‏/٠٩‏/٢٠٠٦

ادونيس
ضريبة الهواء


-1-
لا أملك إلا حياتي. مع ذلك، أحتاج دائماً الى ما يطمئنني أنني أملكها حقاً.
-2-
«الوطن»؟
ربما سنصل قريباً في هذا العالم العربي الذي يضم أوطاناً كثيرة الى مرحلة يُطلب فيها من المواطن أن يدفع ضريبة جديدة، اسمها «ضريبة الهواء».
-3-
تقودنا الرقابة السياسية والدينية في البلدان العربية الى مأزق أصوغه كما يلي: «مَن يتكلم لا يعرف ومن يعرف لا يتكلم».
-4-
«الشيطان مختبئ» في التفاصيل»، يقول دافيد هيوم. كيف نقرأ الدم الذي يسيل في فلسطين، على نحو متواصل، منذ خمسين سنة، وكيف نقرأ الدم الذي يسيل في العراق، وكيف نقرأ «تفاصيل» العرب إجمالاً في ضوء «شيطان التفاصيل»؟.
-5-
في الأصولية الدينية، اليوم، نزعة للتوحيد بين «الانفعال» و «المعتقد» أو بتعبير آخر، الى «تذويب» المعتقد في «الذات». وفي هذا ما يؤدي ببعضهم لكي يحولوا الدين الى «ملك شخصي»، ويحولوا مَن لا يرى رأيهم الى «كافر» - «عدو»، لا بد من «محوه».
وفيه كذلك، ما يدفع بعضهم الى أن يغضبوا لـ «معتقدهم» أكثر مما يغضبون لـ «الخالق» نفسه.
والسؤال، في هذا الصدد، هو: كيف يمكن هؤلاء أن يعتقدوا بأن مثل هذه الممارسة دفاع عن الدين، أو خدمة له؟
-6-
عند العرب، يولد الابن أباً.
بعبارة ثانية: الابن، عند العرب، أب بالولادة. المجتمع العربي مجتمع آباء.
لبنان (المتقدم بين العرب) مثل حي.
-7-
تكلم مع الهواء،
لكي تعرف كيف تصغي الى الشجر.
-8-
المثلث في الجنس دائرة. والدائرة خط مستقيم.
الجنس سحر الطبع ذائباً في الطبيعة.
-9-
هناك بشر في العالم كله، لا يهمهم في التحليل الأخير، أن يفهموا.
يهمهم أن يُصلّوا،
وان يصوتوا،
وأن يصفّقوا،
طوبى لحرف الصاد.
-10-
من الخطأ القول إن الوطن لا يخطئ.
لكي تكون وطنياً حقاً، عليك أن تضع الوطن باستمرار، موضع تساؤل ونقد.
-11-
شهوة الغيب مرض لا يشفى. «حكاك» لا في الدماغ وحده، بل في العظم كذلك. لا في الجسد وحده، بل في «الروح» كذلك.
... ربما لهذا لم يعد للمفردات السائــدة، اليـــــوم، أي معنى. خصوصاً في العربيــــة. تحتاج لكي تكتسب معاني جديدة الى أن تنعتق من الغيب - بمطلقاته كلها، ومن الواقع – بتفاصيله كلها.
-12-
الأفكار الخلاقة ليست بيوتاً، وإنما هي حقول وأشجار.
-13-
الحوار بين طرفين أو أكثر يعني أن هناك اختلافاً. يعني كذلك أن الاختلاف مبدأ الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقاعدتها.
اللاحوار إلغاء. إلغاء للمشكلات وللاطراف. وهو إلغاء يبطل الحياة العقلية ذاتها. حين لا يحاور المواطن المواطن فإن كلاً منهما يلغي دور الآخر، وفاعليته، ويلغي نفسه كذلك.
-14-
كل مواجهة للعرب مع الخارج، تكاد أن تنقلب الى «حرب» داخلية. لماذا؟
-15-
كلما غابت الشمس، أشعر أن فيّ شيئاً يموت.
ولكما أشرقت كذلك.
موت: غروب وشروق في آن.
-16-
الشعر حب يجعل الليل أقل ظلاماً، والنهار أكثر شفافية.
-17-
الشعراء يخلقون «ثوراتهم» الخاصة، ويشاركون أساسياً في خلق الثورات العامة. لكن منذ أن تتأسس هذه الأخيرة، وتتحول الى سلطة، تلفظهم وتنبذهم. ونادراً ما ولد في التاريخ كله شاعر داخل الثورة – المؤسسة.
يولد الشعر قبل الثورة أو بعدها: في التمهيد لها، أو في انهيارها.
يا للمفارقة: الشعر «يحيي» الثورة. وهي التي «تقتله».
-18-
عندما يؤمن الشعب بحقيقة وحيدة واحدة، فذلك يعني ان هذه الحقيقة ليست إلا دماً.
-19-
دون أعداء، لا تطاق الحياة.
-20-
ليس هناك ما هـو أكثـر جحيمية من أن يقتـل إنسان انساناً آخر، لا لشيء إلا لكي يدخل الجنة.
-21-
الفرق بين القارئ والنص في ثقافتنا الدينية السائدة هو أن الأول مدينة مغلقة، والثاني باب مفتوح.
-22-
بلدان لا مكان فيها للحرية، لا مكان فيها للانسان. هل تستحق مثل هذه البلدان أن يكون لها مكان على هذه الأرض الجميلة؟
أليس من الأجدى أن تحول الى مجرد منظر طبيعي؟
-23-
نتحدث دائماً عن الماضي الذي يبسط ظله على الحاضر، وننسى غالباً أن نتحدث عن هذا الكل نفسه الذي يهيمن على ضوء الحاضر.
-24-
يقول نيتشه: «الخلاق يبـحـث عن رفقاء، لا عن جثث أو قطعان ومؤمنين. الخلاق يبحــــث عـــن رفقاء يخلقون الى جانبه»، ويفتحون صفحة جديدة.
-25-
كل شيء في حياتنا وثقافتنا مسيّج. والحاجة، اليوم، ملحة لكي نزيل الاسيجة كلها.
لكن، قبل العمل على هذه الازالة، علينا أن نعرف مسبقاً: لأي هدف نزيلها، وكيف؟
 Posted by Picasa

حول الدين والعلمانية
محمد عبد العزيز


إذا كانت العلمانية هى استبعاد الدين من المجال العام، فهى تشمل جانباً آخر، لا يشكل جزءاً من طبيعتها، لكنه يترتب عليها بالضرورة، فالواقع أنه لا يجرى نفى الدين تماماً، وبوسعه أن يكون موجوداً خارج الدولة أى فى المجتمع المدني، حيث يمكنه أن يمارس وأن ينظم نفسه بحرية. والعلمانية كما يؤكد مؤلفو هذا الكتاب، ليست نفياً للدين إلا فى داخل الدولة، وهو ما يسمح بتأكيده خارج الدولة، ويسمح من ثم بوجود الحرية الدينية، وبهذا الشكل بالتحديد يمكن للحرية الدينية أن ترتبط بالعلمانية، دون أن تشكل جزءاً من جوهرها بمعناه الأصيل. ويؤكد ميكائيل لووى أن معظم مؤيدى الماركسية وخصومها ينظرون إلى عبارة "الدين أفيون الشعوب" على أنها خلاصة المفهوم الماركسى من الظاهرة الدينية، على أننا يجب أن نتذكر أن هذا التعبير ليس ماركسياً بشكل خاص، فالعبارة نفسها يمكن العثور عليه فى سياقات مختلفة، فى كتابات كانط، وهيردر، وفويرباخ، وعلاوة على ذلك، فإن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التى يظهر فيها هذا التعبير نتبين أن كاتبها أكثر إدراكاً لدرجات الألوان، مما هو شائع عنه، فهو يأخذ فى اعتباره الطابع المزدوج للدين: "إن الهم الدينى هو نفسه تعبير عن هم واقعي، واحتجاج على هم واقعي، إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة، هو قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح وضيع بلا روح، إنه أفيون الشعوب". التمثيلات الدينية والصراع الطبقى وقد أبدى فريدريك إنجلز اهتماماً بالظاهرة الدينية، ويدورها التاريخى، يفوق اهتمام ماركس بهما كثيراً، وتتمثل مساهمة إنجلز الرئيسية، التى قدمها إلى الدراسة الماركسية للأديان فى تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي، وفيما وراء المناظرة الفلسفية والمادة ضد المثالية، حاول فهم وتفسير التجليات الاجتماعية الملموسة للأديان، فالمسيحية لم تعد تبدو فى نظره - مثلما كانت تبدو فى نظر فيورباخ - بوصفها "جوهراً" منفصلاً عن الزمن، بل هى تبدو بوصفها شكلاً ثقافياً يتعرض لتحولات فى العصور التاريخية المختلفة: فهى تبدو فى البداية بوصفها ديانة للعبيد، ثم بوصفها أيديولوجية فى الإمبراطورية الرومانية، ثم بوصفها أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية، وأخيراً بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع المجتمع البورجوازي، وهى تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزياً تتنازع عليه قوى اجتماعية متناحرة: اللاهوت الإقطاعى، والبروتستانية البورجوازية، والهرطقات الشعبية، وفى بعض الأحيان، كان تحليله يزل ف1 اتجاه تفسير نفعى ذرائعي1، بشكل ضيق للحركات الدينية: "إن كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها، ولا أهمية تذكر لما إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التى يتبناها كل منهم أم لا". ويبدو أن إنجلز لا يرى فى سورة الإيمان المختلفة غير "الستار الديني" للمصالح الطبقية، لكن إنجلز يفضل منهجه الذى يؤكد الصراع الطبقي، قد أدرك - خلافاً لفلاسفة التنوير - أن النزاع بين المادية والدين يتطابق دائماً مع الصراع بين الثورة والمرجعية، فنجد على سبيل المثال، فى إنجلترا فى القرن الثامن عشر، أن المادية ممثلة فى شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة، فى حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها فى النضال الثورى ضد "آل ستيورات"، وبالشكل نفسه، بدلاً من اعتبار الكنيسة كلاً متجانساً من الناحية الاجتماعية، قدم تحليلاً رائعاً يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت فى بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي. ومع كون إنجلر مادياً، ملحداً، عدواً لدوداً للدين، فإنه قد أدرك شأنه ذلك شأن ماركس الطابع المزدوج للظاهرة الدينية: دورها فى إضفاء الشرعية على النظام القائم، ولكن أيضاً تبعاً للظروف الاجتماعية، ودورها الانتقادى والاحتجاجى، بل والثوري. أزمة العلمانية يؤكد المؤلف الشريك فى هذه الدراسة أوليفييه روا أن العالم الإسلامى ليس وحده، الذى تأثر بتحولات العلاقة فيما بين الدين والسياسة، ولعلنا نشهد اليوم تعبيراً جديداً عن العلاقات فيما بين الدين والدولة والمجتمع، وفق النموذج الأقرب إلى أشكال العلمنة ذات الطراز الأنجلو - ساكسونى، مما أدى إلى النموذج العلمانى ذى الطراز الفرنسي، والواقع أن ما هو دينى إنما يغزو مجتمعاً تقل باضطراد سيطرة الدولة عليه، ويعرف الغرب اليوم موازنة بالغة الوضوح بين مطالبة بدولة وصية، تحمى جماعة قومية، وتطور فلسفة مجتمع مدني، لا تكون الدولة فيه غير حكم بعيد الحضور إلى حد ما، وهى موازنة، لأنه ما نغنيه ليس الحديث عن تعارض بين صنفين متناوبين "كأمريكا الجمهورية من ناحية والدولة اليعقوبية الفرنسية من ناحية أخرى"، بل عن تطبيق مرجعين يجرى استحضارهما كل بدوره، والحال أنه فى هذه الساحة الخاصة بالعلاقات المعقدة فيما بين ضعف الدولة وتجاوز القوميات، والمجتمعات المدنية، ودمقرطة الأنظمة السلطوية، إنما يزدهر الإحياء الديني، وفيما أن الحقل السياسى قد أصبح أكثر تعقيداً، فإن الإشكالية القطبية القديمة للعلمانية "الدولة والدين" إنما يصعب عليها احتواء الأشكال الجديدة للتدين فى قوامها، بيد أن هذا الاحتواء هو الرهان. وبحسب أوليفييه روا أصبحت العلاقة بين الدين والسياسة علاقة غير تناظرية: فالأصولية الدينية لا تهتم بالسلطة السياسية حتى فى الولايات المتحدة، بل تهتم بالمجتمع وهذا صحيح أيضاً بالنسبة للأصوليين الجدد المسلمين، وتقرير واقع أن طارق رمضان وريث مؤسس الإخوان المسلمين لافتراض أن لديه استراتيچية تعتبر سياسة فى نهاية الأمر "إقامة دولة إسلامية فى فرنسا" إنما يعنى عدم فهم شيء على الإطلاق فيما يتعلق بعدم استثمار الدولة، الذى يميز جميع الحركات الأصولية المعاصرة، فالدولة بالنسبة لهذه الحركات ليست أداة لتحويل المجتمع، ذلك أن عودة الأفراد إلى الإيمان هى التى سوف تسمح بإعادة تأسيس المجتمع فى الدين، وبذا فإن هذه الحركات إنما تركب موضة وموجة القردنة والمجتمع المدني، وبذا فإن استخدام الأدوات التقليدية للعلمانية، والذى يهدف إلى التعريف الحقوقى للآصرة الاجتماعية، لا يعود فاعلاً. العلمانية الفرنسية وأخيراً يتعرض ثالث مؤلفى هذه الدراسة موريس باربييه على تعريف العلمانية الفرنسية، حيث يؤكد أنه ليس من السهل تقديم تعريف مُرض للعلمانية، حتى وإن كانت هناك بالفعل عدة مفاهيم عنها، ومن المؤكد أن يمكننا القول إن العلمانية تتمثل إما فى الفصل بين الدولة والدين، أو فى حياد الدولة فى الشأن الديني، أو هى استبعاد الدين من المجال العام، فهى تشمل جانباً، آخر، لا يشكل جزءاً من طبيعتها، لكنه يترتب عليها بالضرورة، فالواقع أنه لا يجرى نفى الدين تماماً، وبوسعه أن يكون موجوداً خارج الدولة، أى المجتمع المدني، حيث يمكنه أن يمارس وأن ينظم نفسه بحرية، والعلمانية ليست نفياً للدين إلا فى داخل الدولة، فهى لا تنفى الدين فى أعماق الناس، ولئن كانت العلمانية الفرنسية غير معرضة للتهديد، فإنها تجد نفسها الآن فى موضع مناقشة حادة، لا سيما فى السنوات الأخيرة بعد حظرها الحجاب الإسلامى فى مدارسها.
ــــــــــــــــــــــــ
* هذا عرض لكتاب "حـول الدين والعلمانية" لميكائيل لووى وآخرين، ترجمة بشـير السـباعي، ونشر "دار ميريت"، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006.
 Posted by Picasa

٢١‏/٠٩‏/٢٠٠٦


It was a nice abstract,
and that is what we expect from you
 Posted by Picasa

١١‏/٠٩‏/٢٠٠٦


نجيب محفوظ

محمد الأحمد
خسارة كبيرة، توقف نجيب محفوظ عن الانتاج القصصي والروائي.. خسارة شاخصة سوف تبقى علامة بارزة في مسيرة الادب العربي.. نجيب محفوظ كالمتنبي كالسياب وكالماغوط وربما اعظم بكثير وكثير جدا من اي عبقري/ اديب في تاريخ العربية… خسارة لايمكن القول بها كانها خسارة وحسب.. خسارة باهظة، واليم عظيم… لقد اخترع (الجبلاوي) ووصفه وصفا حقيقيا اكثر مما وصفه غيره من صناع الكلام… وكان فليسوفا حاجج الفكر العربي في ابجدياته على لسان شخوصه، واقترح سبلا للإرتفاع به عاليا، كتب الرواية الكلاسكية كالثلاثية، وغيرها واثبت بانه كاتبا في مصاف العالمية، ولكانت جائزة (نوبل) باطلة لو لم تفتخر بانها اعطيت لواحد كالعملاق (نجيب محفوظ)، وكتب الرواية التاريخية فاعاد كتابة التاريخ المسكوت عنه، كـ(عبث الاقدار)، و(رادوبيس) وغيرها، وكتب عن تاريخ الحارات وكشف اسرارها الدفينة، (الحرافيش)، وكما كتب الرواية الذهنية كـ(الشحاذ)، وغيرها، ومن يقرا رواية (الف ليلة وليلة) يجده قد كتب جديدا عظيما لم يأخذ حقه من الدرس، بالرغم من ان نجيب محفوظ قد استطاع ان يعبر الرقيب العربي بلغة جزلة شفافة بليغة.. فلم يمت عبقري الرواية وعملاقها في العالم اجمع، و سوف يعيش محفوظاً ابدا… لانه سوف يقرأ مجددا، اذ توقف عن الكتابة ليس اكثر، ولكنه سوف يقرأ آلاف المرات.وتبقى رواياته على الدوام حديثة ومعاصرة.
 Posted by Picasa
عبد الرحمن مجيد الربيعي
يكتب
عن
نجيب محفوظ


امام الموت نقف برهبة، بعضنا يبكي والآخر تحتقن دموعه في قلبه. ومهما قطع المرء من سنوات وهو يتنفس هواء الله فان هذه اللعبة الغامضة المسماة الحياة لا بد لها من خاتمة. يتساوي كل الاحياء امامها، الصعلوك والامير، يتأمل المرء البشر وهم يملؤون الشوارع والمقاهي، ويضجون بالحياة وتضج بهم. وعندما يري ما هم عليه من حفاوة بالشباب والمال وربما الجاه يدرك في الان نفسه وبدون اي تعسف ان كل هؤلاء الذين يراهم لن يكونوا بعد مئة عام مثلا، سيذهبون كل الي قبره ويخلون اماكنهم للاولاد والاحفاد، وهكذا تمضي اللعبة وكأن الحياة مارست معنا خدعتها ثم مدت لسانها لنا ومضت.حديث الموت هذا يلح علي كثيرا، ما معني ان تكون اليوم بكامل عافيتك وغدا تحت التراب؟ هذا المشهد تكرر امامي آلاف المرات حتي اصابني التحجر بعد ان قفزت مرحلة الخوف الي تقبل الآتي ابتعد ام قرب!ورحيل نجيب محفوظ استطرادا لما اسلفت كان متوقعا ليس يوم الاربعاء 30 آب (اغسطس) من عام 2006 بل قبل هذا بكثير حتي قبل ان ينغرس خنجر الغدر في عنقه من احمق محتقن اعترف امام القضاة بأنه نفذ ما اريد منه وانه لم يقرأ الرواية مثار الجدال اولاد حارتنا ولا اي رواية اخري له.لقد عاش هذا المبدع بارادة وعزم نادرين، اصيب مبكرا بمرض السكري فانتصر عليه بانضباط كامل في الطعام والمشي والاعتدال. كأن الرسالة الابداعية التي ادرك بحدسه العجيب انها عهدته وحده دون ابناء جيله هي التي جعلته واقفا ليكتب. وهذا ما كان. وانا هنا لا اريد ان ابخس الآخرين قيمة ما انجزوه، ولكن الاستثناء المحفوظي هو في هذا الامتداد المتواصل والاضافات الحية.قرأت نجيب محفوظ مبكرا جدا، منذ الابتدائية حيث كنا في ذلك الزمن لا نملك الا ان نقرأ حيث القراءة المتعة الممكنة فلا تلفزة ولا سينمات تقدم افلاما جيدة، حتي الراديو لم ينتشر بشكل واسع واذاعة بغداد لا تبث الا ساعات معدودة كل يوم ثم توقف بثها حتي اليوم التالي.قرأت محفوظ بالتزامن مع اعمدة الثقافة العربية في مصر كطه حسين والعقاد وسلامة موسي، ومع محفوظ قرأت بعض معاصريه امثال احسان عبد القدوس، السباعي، محمد عبد الحليم عبدالله، وغيرهم الا انه كان الاستثناء بينهم اذ ان قصصه ورواياته لا تسلمك الي الحلم والوهم بل الي اليقظة والمجابهة وتأخذك الي حيث النبض الساخن للحياة.كتبوا عنه كثيرا حتي لا يمكن ذكر عدد الكتب التي صدرت عنه، ليس في مصر فقط بل وفي كل البلاد العربية واصبح ضيفا دائما علي البرامج الدراسية في المعاهد الثانوية والجامعات وكتبت عنه اطروحات عديدة، اي ان نجيب محفوظ قد رأي ثمار الشجرة المهيبة التي غرسها بل وتمتع بهذه الثمار ومع كل هذا لم يغادره تواضعه العجيب الذي عرفته منذ اول لقاء لي به في مقهي ريش عام 1975 حيث كان يخصص وقتا للقاء الادباء الشبان ولا يهمل اعمالهم التي يهدونها له. وكم يزهو الاديب الشاب عندما تأتيه شهادة منصفة منه، واعترف لكم ان هذا ما حصل لي عندما اهديته روايتي البكر الوشم فجاء ليحدثني والآخرين عنها.واقول ان محفوظا بقدر ما يتعلم الشبان منه فهو ايضا يتعلم منهم، يصغي اليهم، يتعرف علي هواجسهم، يتظاهر بانه شارد عنهم، ولكنه كان يصغي اليهم، يتجدد بهم، يعرف الي اي مسار تمضي الاحداث. وعندما يكتب فانه يواصل دور الشاهد الابدي علي ما يجري. وبذا اصبحت رواياته وكأنها تاريخ مصر الحديث قبل ثورة يوليو 1952 الي ايامنا هذه حتي انه اخذ يوثق الاحداث الكبيرة التي شكلت منعرجات في تاريخ مصر مثل اغتيال انور السادات في روايته يوم قتل الزعيم .وقد علمنا نجيب محفوظ كيف نحتفي بالمكان. نتوقف عنده، نعيد تشييد ما تهدم منه فينهض من جديد روائيا. واذكر انني في زيارتي الاولي لمصر السبعينيات ترافقت مع اخي الروائي جمال الغيطاني الي عالم نجيب محفوظ، ازقته وحواريه وابطاله الذين تجددوا بالآتين من نسلهم او المصطلين بهمومهم اذ كانت رؤية هذا العالم بما فيه مطلبي الملح من زيارة القاهرة.لم يكتب محفوظ من مسافة وبعين سائح بل كتب بروحية الذائب في هذه الجموع في دورانها المفزع في احشاء مدينة لا يدري المرء كيف تستوعب اكثر من خمسة عشر مليونا! كما لا يدري المرء كيف استوعب ادق ايقاعاتها وهواجسها هذا الروائي الراصد الحكيم!يمكن القول ايضا ان نجيب محفوظ هو روائي المدينة بامتياز، وروائي الطبقة المتوسطة بشكل خاص اذ انه ابنها وصوتها، وجد نفسه يجوب احد احيائها الشعبية حيث ولد وقريبا من سيدنا الحسين الذي صلي علي جثمانه فيه بناء علي وصيته.وحاول محفوظ ان يمزج بين العلم والدين واجدا الصلة بينهما في ملامح وسلوكيات ابطاله، ورغم تناوله للموضوعات الساخنة كالسجن السياسي والتعذيب الا انه لم يعرف الانتماء السياسي بمعناه الحزبي واحتفظ دائما بمسافة بينه وبين التعامل السياسي المباشر.كما انه لم يعرف السجن السياسي او اتخاذ مواقف حاسمة مما يجري، وهو بشكل وآخر ظل ضمن السياق الرسمي دون ان يقاطعه او يوقع البيانات ضده ولم يحصل هذا الا مرة واحدة بتأثير من توفيق الحكيم كما ذكر ضمن اجواء مؤسسة الاهرام الصحافية وحيث استطاع الاستاذ محمد حسنين هيكل ان يجمع عددا من الكبار ليكتبوا فيها، امثال الحكيم والدكتورة بنت الشاطئ ويوسف ادريس ومحفوظ وآخرين.ذكر محفوظ مرة انه موظف لدي القصة لذا كان يكتب بانتظام وبعدد معين من الساعات، فالرجل لا تعرف حياته الفوضي، بل النظام والنظام الصارم المفزع، من اليقظة الي النوم الي السيكارة وفنجان القهوة والذهاب للعمل او التمشي.عندما رأيته للمرة الاولي في ريش التي مضي عهدها ذاك بعد الانفتاح الساداتي وغادر محفوظ جلسته الاسبوعية فيها انتبهتُ الي انه لا يدخن السيكارة الا بعد ان ينظر الي ساعته، ولا يطلب فنجان قهوة باشارة متفق عليها بينه وبين النادل الا بعد ان ينظر الي ساعته ايضا. وعندما ينتهي الوقت المحدد للمقهي ينهض مغادرا. واذكر انني توجهت له بسؤال حول هذا الانضباط الذي يناسب العساكر لا المبدعين بما فيهم من نزوات وفوضي وعصيان وخروج. وكانت في سؤالي لهجة الاستغراب فما كان منه الا ان اجابني بأن هذا الانضباط الذي تراه ما هو الا غطاء لفوضي الداخل. وقد نشر الحوار في مجلة الاقلام العراقية في منتصف السبعينيات.كان الوجه الذي نراه من محفوظ في العمل والمقاهي والشارع يقابله الوجه الآخر الذي شكل حياته الخاصة التي ظلت احداثها ضربا من التوقعات والتخمينات حتي حصوله علي نوبل فاقتحم بيته من الزوار والصحافيين ورأوا زوجته وبنتيه وكيف يعيش ولم تكن هذه الحياة معروفة الا لدي القلة.وربما كان الحوار الطويل الذي اجراه معه الناقد رجاء النقاش ونشره في كتاب اشبه بسيرة ذاتية له حيث اعترف بين ما اعترف به ان عالم الليل والعوالم والعوامات والسكر والحشيش عاشه بنفسه وبكل ما فيه وعندما كتب عنه كتب من موقع العائش والعارف وليس المراقب.محفوظ قدم لنا مكتبة روائية كاملة. وكأنه لم يكن وحده من كتبها بل كان جهد ورشة كاملة من الكتاب، واعتقد ان اعماله الروائية حوت ذري مهمة مثل الثلاثية والشحاذ والكرنك واولاد حارتنا وصولا الي العمل الروائي الاستثنائي ملحمة الحرافيش فأحلام فترة النقاهة التي كان يدونها في ذاكرته ثم يمليها علي من يكتبها له بعد ان عجزت يده عن ذلك اثر طعنة الغدر من ذلك الفتي المحتقن عماء وغباء.نجيب محفوظ هو مدونة الرواية العربية في رجل وهذا الحكم لا ينال من الجهود السابقة او الموازية او اللاحقة وهي جهود كبيرة بدون شك.رأيته آخر مرة في العوامة الشهيدة التي اصبحت ملتقي محبيه معه حفاظا علي امنه وسلامته قبل عامين تقريبا واثناء انعقاد مؤتمر الرواية العربية وعندما وقعت عليه عيناي احسست ان حجمه قد صغر عن المرة السابقة التي شاهدته فيها وصافحته وقبلته بعد حصوله علي جائزة نوبل عام 1988 وكنت احد المدعوين لحضور الاحتفال الذي اقامه الرئيس مبارك علي شرفه في القصر الجمهوري.بدا لي في آخر لقاء وكأنه ايقونة نادرة، وجودها الجميل وحده يجعلنا نحس بالامان رغم انه لم يكن يرانا او يسمعنا جيدا ومع هذا كانت ذاكرته حية، وعندما اوصل له اخي يوسف القعيد اسمي رحب بي وسألني بود: فين اراضيك يا عبد الرحمن؟ فقلت: تونس وردد عبارته الشهيرة: (يا خبر)، احسست وقتها انني احلم بأن اراه ثانية وهذا ما كان.سلام الله عليك يا أبانا في حياتك وموتك، وثق ان لك ابناء شرعيين خرجوا من صلب عطائك، ومن مدرسة ابداعك ولن يمارس احد معك جريمة قتل الأب ابدا، أبدا، فأب مثلك نتباهي بالانتماء إليه.
 Posted by Picasa

١٠‏/٠٩‏/٢٠٠٦

إلى أفروديت
.. قبل أن يكتمل المساء ـــ
عمر عنّاز




من فكرة الغيم كنّا نغزل المطرا


وننفض الدمع عن أحداقنا لنرى
كنا نفتش عن ظل لضحكتنا


خلف النهار وكان الوقت منكسرا
مبعثراً كان، مخموراً بأغنية


تلعثم الشوق في أوتارها فسرى
كانت لنا قرية أنفاسها ورق


في دفتر الماء تطفو حولهن قرى
ومثلما أدمع الفيروز كان لنا


حلم إذا الشمس ناغت ظله اعتذرا
فأين يا قارب النسيان سرت بنا


وكيف جرّحت صدر البحر فانهمرا
لولا تمهلت فالكأس التي بيدي


ماوشّلت خمرها أو لونها اعتكرا
والشاهدان شحوبي وارتعاش دمي


فلا تلم مدنفا بالعشق إن هذرا
فربما أنكر الإنسان أجمعه


ووحد الله في نهدين قد كفرا
أرجوك لا تبتعد.. قرّب خطاك ففي


قلبي غزال من الأشواق قد نفرا
وخل بيني وبيني كي أنازلني


وأصبح العمر قرباناً لمن هجرا
من عرّش الآس في ميناء أعينه


ومن لعشب التشهي في دماه عرى
فهو الذي بذر النعناع في شفتي


وحين ساءلته عن غرسه نكرا
عتباك.. من يجتني العناب إن كبرا


ومن سيلجم موج الروح إن هدرا؟
ومن سيبتكر الشطآن في نهر


تعثر الماء في جرفيه فانكسرا
بالله يا قارب النسيان كيف بمن


قد حشّدوا في سماه الدمع والكدرا
من أين يهرب؟ من أي الدروب وقد


تشعب الموت في عينيه وانشطرا
وأنكرته غصون طالما افترعت


من را حتيه وصاغت ظلها صورا
فياله موجعاً حتى أنامله


خانته حين رمى سنّارة الشعرا
فما تصيد إلا لهفة عبثت


بها الهواجس حين اشابكت زمرا
وحين دارت به الأفلاك دورتها


وأنبت الغيم في أعتابه المطرا
تأبط الحلم المخضر جانبه


وسار من خلفه العشاق والفقرا
 Posted by Picasa
الذاكرة المائية
وأسطرة المكان
د.محمد صابر عبيد
تحظى الذاكرة بأهمية قصوى في المتن الشعري إذ هي تمظهر جدلي نوعي وخاص، وتؤسس الذاكرة لعلاقتها بالزمن أرضية فريدة تتحايل فيها على آليات الترتيب وتقانات السياق وتتمخض عن مستقبل خاص بها .‏
وإذا ما أدركنا بأن الزمن في حقيقته عاطفي، فإن تقلبات الوجدان تقود على فهم جديد للذاكرة الشعرية يعاينها بوصفها بنية منزاحة، يستجيب تشكلها للضغوطات الإجرائية القادمة من فعل الكتابة.‏
إن تنصيص الذاكرة وتحويلها إلى فعل كتابي نصي يتم عبر استخدام فضاء الذاكرة بوصفها جسرا للوصول إلى الحساسية النصية للكلمة، اعتمادا على طاقة التماهي النصي فيها وبفضل زخم مرجعيتها الوجودية التي تمول إشكالية التنصيص باحتمالات المعنى .‏
إن التذكر الاستعادي للشئ المعزز بقصدية حالية –فنية وجمالية- يعني بالضرورة تجسيمه على النحو الذي يمكن فيه معاينته بصريا، وتشكيله علاميا، من خلال إشكالية التحول اللاشعوري من ذاكرة النص إلى تنصيص الذاكرة، واستثمار الأبعاد الزمنية المركبة للذاكرة انطلاقاً من قاعدة الماضي مرورا بالراهن الملتبس واتصالا بالمستقبل‏
ولعل هذه الخاصية المركبة لفاعلية الذاكرة في الزمن أو الزمن في الذاكرة تضعها في أكثر مناطق العقل الإبداعي توترا وخصبا ، لذا فإن الذاكرة المنصصة شعريا هي أداة الشعر (( لأن الخيال نفسه إنما هو تمرين للذاكرة وبالتالي ثمرة من ثمراتها، إذ لا يمكن أن نتخيل شيئا لم يسبق لنا معرفته، فقدرتنا على التخيل هي القدرة على تذكر تجاربنا السابقة وتطبيقها على حالات جديدة ))- حسب ستيفن سبندر – ولاشك في أن التفاعل بين القدرة والتخيل والقدرة على التذكر والاستعادة، تخضع في إنجاز فعالياتها لطبيعة وكيفية المساحة النصية التي ستشغلها المادة المستعادة، وحجم التحويل الذي سيحصل لها جراء الفعل الكتابي وهو يصل أقصى مدياته وأكثرها كثافة وتوترا وتركيزا في الشعر‏
بدر شاكر السياب شاعر ذاكرة بامتياز، فهو يعيش حياته الشعرية المزحومة بألوان التجربة الروحية في منزل الذاكرة، لايغادر أبدا إلا إلى الضفاف والتخوم والحواشي التي تغذي المنزل بالذكريات وتمونه بمزيد من صور الماضي وحالاته، في السبيل إلى مضاعفة الحساسية الذاكراتية وإحلالها بديلا لحساسية الراهن وحلم المستقبل .‏
سعى السياب عبر معظم قصائده الذاكراتية إلى ترهين الذاكرة وتعميدها بألم الراهن وانكساراته وهزائمه وخيباته، وركز عميقا على عاطفية الزمن وحولها إلى آلة شحن الأمكنة بطاقة تزمين وجدانية هائلة قرّبتها كثيرا من الأسطرة، إذ إن المنطلقات المركزية التي تنبثق منها أعمال الذاكرة غالبا ماتكون مكانية، بحيث تكونت لديه ذاكرة شعرية مكانية مزمنّة ومؤسطرة وماثلة تماما في حضرة الشعر .‏
الماء يرتبط جوهريا وجدليا بالمكان-وعلى نحو ما بالزمن أيضاً-، وهو عنصر حيوي وفعّال في ذاكرة السياب يمتد إلى أبعد نقطة عفوية في الجذور الأسطورية والدينية والشعبية والجمالية، وينهل منها قوى شعرية تثري ذاكرته النصية بالطاقة والحيوية والتجربة، فيكتظ نصّه الذاكراتي بلغة وحشية جارحة مخضلة بالماء وموحية به أبداً.‏
إذن الذاكرة الشعرية السيابية ذاكرة مائية في المقام الأول، وحيوية هذه الذاكرة تتأتى من حيوية عنصر الماء في الوجود فهو قرين الحياة وسببها ومبرر استمرارها، وإذا كان شعر كل الشعراء في العالم لابدّ وأن يحفل –على نحو أو آخر-بصور الماء ومراياه وحساسياته، فإن ذاكرة السياب ذاكرة مائية حافلة بصور الماء، ومبتهجة بمراياه، وغارقة في انعكاساته، ومتماهية مع عمق تاريخيته في الذاكرة البشرية وتجلياتها الإبداعية.‏
تكتسب قصيدته ((أنشودة المطر)) الحضور الأوسع والأكثر قوّة في تجلي الذاكرة المائية وتفعيلها شعرياً، إذ هي –ومنذ عتبة عنوانها- تشتغل على تحويل الأنموذج المائي الأثير لدى السياب ((المطر)) الهابط من الأعلى إلى الأسفل، والمقترن عنده بالغسل والتطهير، إلى ((أنشودة)) حاضرة في صداها الإيقاعي وماكثة في الضمير والوجدان واللسان.‏
تحفر ((أنشودة المطر)) في بئر الذاكرة المعلّقة في سماء المخيلة فتتدفق أشكالاً مائية متعددة:‏
في كل قطرة من المطر‏
حمراء أو صفراء من أجنّة الزهر‏
وكل دمعة من الجياع والعراة‏
وكل قطرة تراق من دم العبيد‏
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد‏
أو حلمة تورّدت على فم الوليد‏
في عالم الغد الفتيّ واهب الحياة‏
مطر‏
مطر‏
مطر‏
سيعشب العراق بالمطر‏
تبدأ بالأنموذج المائي المطري في أصغر وحداته ((قطرة من المطر))، وتستمر كذلك بالأنموذح المائي الدمعي في أصغر وحداته ((كل دمعة/ (صفراء)/))، وتنتهي في سياق عنفي وتوتري تصاعدي بالأنموذج المائي الدموي في أصغر وحداته ((كل قطرة/ من دم/ (حمراء)/))، لتشكل بدلالة مصادرها الممولة ((أجنة الزهر/ الجياع والعراة/ العبيد)) فاتحة لأفق حيوي آخر تتفاعل فيه النماذج المائية ((الماء/الدمع/ الدم)) تفاعلاً أسطورياً، لاستيلاد رمز جديد تبدأ به الحياة بداية جديدة ((ابتسام /في انتظار/ مبسم جديد)) تختصر وتختزل وتكثّف وتحوّل ((الماء/ الدمع/ الدم) إلى ((حليب)) في ((حلمة توردت على فم الوليد))، حيث تنجح الذاكرة المائية في تشكيلها المائي الجدلي والمؤسطر بتموين حلم المستقبل ((عالم الغد الفتيّ)) بالرمز المكتظ بصورة الماء وإيحائه ((واهب الحياة))، الذي مايلبث أن يتقاطر عمودياً بغزارة إيقاعية- صوتية وبصرية لافتة((مطر/مطر/مطر))، منتشراً على مساحة تجربة المكان الحيوية ((العراق)) الذي ((سيعشب)) بالماء المنهمر من بئر الذاكرة المائية بأقصى حلم التدفق ((المطر)).‏
وفي قصيدة ((رؤيا في عام 1956)) حيث تتمظهر عتبة العنوان تمظهراً موازياً ومقابلاً لصورة الذاكرة المائية، فإن الدلالات العميقة للنماذج المائية تترمز على النحو الذي يستجيب لفضاء العنونة ((رؤيا)) وتجلياته:‏
ولفّني الظلام في المساء‏
فامتصت الدماء‏
صحراء نومي تنبت الزهر‏
فإنما الدماء‏
توائم المطر‏
فالدالان الفعليان الموحيان بالماء ((امتصت/ تنبت))، والدال الاسمي الموحي بالماء ((الزهر))/ والدال الاسمي المضاد للماء ((صحراء))، والأنموذج المائي-الدموي-الغزير في شعر السياب ((الدماء))، تتفاعل في المرحلة الأولى من مراحل صيرورة التشكّل الشعري للـ((رؤيا)) في السبيل إلى إنتاج المضمون الريوي القائم على هذه المعادلة المائية:‏
الدماء=(توائم)=المطر‏
وهو ما يبرر انفتاح الذاكرة المائية السيابية على نماذج يتلوّن فيها شكل الماء، المائي/ الماء، والأصفر/ الدمعي، والأحمر/ الدم، كما تمّت الإشارة المباشرة إلى ذلك في قصيدة ((أنشودة المطر)).‏
وغالباً مايكون الماء الأحمر ((الدم)) ذو الحضور الوحشي في ذاكرته المائية إشارة للمخاض العسير الذي يحقق الولادة المنتظرة كما في قصيدة ((سروبوس في بابل))‏
سيولد الضياء‏
من رحم ينزّ بالدماء‏
إذ يتمخض فعل الألم ((ينزّ))-بحساسيته الإيقاعية الموجعة من إشكالية المكان المنغلق على سرّه الداخلي، والمفتوح على مشهد الحياة في حضور تشكيلي واحد ((رحم))-عن شكل الماء الأحمر ((الدماء))، الذي يرتفع إلى أعلى –إلى السماء- ((سيولد الضياء)) في الاتجاه المعاكس والمضاد لهطول المطر.‏
وتظل ذاكرة السياب الشعرية((المائية)) تغذّي التشكلات الشعرية بألوان الماء المتعددة، إلا أن اللون الأصفر الذي صرحت به ((أنشودة المطر)) للدلالة على ((الدمع)) يتمظهر تمظهراً آخر في قصيدة ((حفار القبور))، لينتج إشارة أخرى إلى أنموذج مائي له حضوره الحلمي والمخلّص الكثيف في الكثير من قصائده:‏
ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد‏
متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور‏
حيث يتكشف (حلم) حفار القبور المعادل عن صورة ((اللقاء+الماء الأصفر/الخمور)) بوصفه معادلاً نفسياً وشكلياً ووجودياً عن (واقع) نأيه ((عن القبر الجديد)).‏
ففاعلية((الماء الأصفر/ الخمور)) تشتغل في منطقة الحياة المقابلة لمنطقة الموت ((الموت الجديد))، وفي حركة ((حفار القبور))-من صورة الخمود والهدوء في التراب ((القبر)) إلى الاشتعال والانطلاق والتماهي والنسيان في الماء ((الخمور)).‏
وفي قصيدته الإشكالية الجدلية((النهر والموت)) تنهض ذاكرة السياب المائية بعبء الموازنة الأسطورية بين الدال المائي ((النهر))- وهو يفترض نقيضاً وجودياً يمكن أن يتمثل بدال ((الحياة))-على النحو الذي يتمظهر فيه الدال ونقيضه في طرفي معادلة عتبة العنوان.‏
تتعلق الذاكرة المائية في هذه القصيدة في بؤرة حركة الأنا الشاعرة:‏
أودّ لو غرقت فيك،‏
ألقط المحار‏
أشيد منه دار‏
يضيء فيها خضرة المياه والشجر‏
ما تنضج النجوم والقمر‏
وأغتدي فيك مع الجزر‏
إلى البحر‏
وتدفع بآلتها الفعلية والحلمية ((أودّ)) إلى فضاء فعلي متّجه إلى الآخر المحاور ((النهر)) مغمور حتى الموت بالماء ((لو/ غرقت، لتعوّض تحت سطحه –داخل الماء- حياة جديدة بالحياة التي هي قرين ((الموت)) خارج الماء، تأخذ منها منظومة الأفعال حريتها وحيويتها وانطلاقها وحياتها ((ألقط/ أشيد/ يضيء/ تنضح/ أغتدي))، وهي تتفاعل وتتضافر وتمتزج وتتماهى مع دوال الطبيعة المشبعة بصور الماء وتجلياته ((المحار/ دار/خضرة/المياه/ الشجر/ النجوم/ القمر/ الجزر/البحر))، لتحقق للمعادلة الشعرية المنفتحة على طول الحياة وعرضها ((النهر /الموت)) موازنتها المطلوبة من طرف الذاكرة المائية في تشكيلها الشعري الإشكالي والجدلي المؤسطر.‏
إلا أن الذاكرة السيابية المائية واستناداً إلى معطياتها الإشكالية والجدلية والمؤسطرة تحفظ للمتن السيابي خلوده، بفعل حساسية الجدل الأسطوري العميق في الطبقات الداخلية القصوى لهذه الذاكرة، إذ إنها ذاكرة مائية تنضح بأنواع المياه وألوانها وتجلياتها وإيحاءاتها وعلاماتها، لكنها ما تلبث أن ترتد إلى حقيقة جافة مفرغة تماماً من الماء:‏
لم أقرأ الكتب الضخام‏
وشافعي ظمأ وجوع‏
في تمثيل إشكالي سيميائي لتجربة شعرية ثرة توازن موازنة رمزية هائلة في تداخلها وتخارجها، وضوحها وإبهامها، علنها وسرها، صوتها وصداها، بين الماء واليباس، الخصب والجدب، الارتواء والظمأ، الحياة والموت.‏
 Posted by Picasa