١٩‏/٠٨‏/٢٠٠٦

مجلة بعقوبة الثقافية Posted by Picasa
القسطل الذي نحن فيه
غزاي درع الطائي




( 1 )

انتهت معركتنا مع الليل
وانتهت معركتنا مع النهار
ولكن معركتنا مع الحياة
مستمرة .

( 2 )

عندما أصبحت أيدينا قاصرة
أصبحت تنورات نسائنا قصيرة .

( 3 )

نستطيع أن نجد ألف عذر
لمن تعثر في طريقه
ولكننا
لا نستطيع أن نجد عذرا واحدا
لمن تعثر بظله .

( 4 )

أمنياتنا الكثيرة
غرقت في بحر التأجيلات المتكررة .

( 5 )

ليس كل دخان
يشير إلى عمل في معمل فبعضه يشير إلى وقوع حريق
ويوجب علينا أن نفعل شيئا .

( 6 )

منذ اكثر من نصف قرن
ونحن نكتب القصائد الحرة
ولكن امتنا ما زالت غير حرة

( 7 )

إذا كنا ننظر إلى الماضي بخوف
والى الحاضر بحذر
والى المستقبل بقلق
فكيف سنرفع أشرعتنا
بوجه الرياح الهوج .

( 8 )

عندما سلمنا موضع الماء
إلى حراس نائمين
كان علينا أن نتوقع
موتنا من العطش .

( 9 )

عندنا عصي لا تكاد تفارق اكفنا
وليس بيننا من هو ضعيف العصا
فلماذا لا نضرب
غرائب الإبل

( 10 )

دروس
دروس
دروس
كم تلقينا من الدروس في حياتنا
دروس في التاريخ والجغرافية
دروس في الفيزياء والكيمياء
دروس في الجبر والحساب والمثلثات
والمجسمات والتفاضل والتكامل
دروس في النحو والإنشاء والإملاء
دروس في التربية الدينية والتربية الوطنية
دروس

دروس
دروس
كلها رميناها في البحر
وركبنا رؤوسنا .

( 11 )

كل الأشياء لها أسماء
والله تعالى علم آدم الأسماء كلها
فلماذا لا نسمي الأشياء بأسمائها ؟ .

( 12 )

كلنا كتبنا ذكرياتنا
علي شيء ..
كتبناها على جذوع الشجر
أو على الجدران
أو على الرمال
أو على جريد النخل
أو على الورق
وكلنا سنجد من يقرأ ذكرياتنا
الوحيد الذي
لن يجد من يقرأ ذكرياته
هو من كتب ذكرياته على الماء وما اكثر الذين يكتبون ذكرياتهم
اليوم على الماء .

( 13 )

لا عجب أن يكون
في باطن أرضنا من النفط
ما يكفي لألف سنة قابلة
فقد دفنا تحتها
ثلاثة آلاف عام من الشعر .

( 14 )

اليوم .. ننام نحن على الأرض
والأرض ،

وهي تشعر بوطأة أثقالنا فوقها
تقول لنا ، مع نفسها :
غدا سأنام فوقكم .

( 15 )

نحن العراقيين
لم نعرف في حياتنا مما هو حر
سوى شيئين :
الشعر الحر
والدهن الحر .

( 16 )

الجداول لا تنفك تلاحقنا
فحين أعطينا ظهورنا
لجداول الضرب
وجداول الدروس الأسبوعية
أعطينا وجوهنا
لجداول الترقية
وجداول الإحالة على التقاعد ،
من أشهر جدولين
إلى الجدولين الشهيرين ،
ولا ننسى جداول الضبط
تلك التي تعج بالعقوبات
التي تعرضنا إليها ،
ولكن
بالرغم من كل
تلك الجداول
فإننا لم نغرق
فكم نحن محظوظون ؟ .

 Posted by Picasa

١٧‏/٠٨‏/٢٠٠٦



القص العراقي الجميل:
قصة (علبة حليب فارغة)... إنموذجاً
انور عبد العزيز
[1]

بدءا كانت (الواقعية الاشتراكية)، بعدها جاءت تسمية (الواقعية الاجتماعية)، ثم (الواقعية النقدية).. كل هذه المسميات والمصطلحات اختصرها القاص (محمد الاحمد) بالواقعية الانسانية في قصة: (علبة حليب فارغة) المنشورة في ثقافة جريدة (الزمان) بتاريخ 19/7/2006م، هذه القصة نجحت مضموناً واسلوباً وتقنية في شد قارئها عقلا وروحاً وضميرا بدفقها الانساني المنساب حتى اخر جملة فيها، والكاتب- وببراعة ومهارة القص العراقي- استطاع ان يكسب قارئها لينقل اليه- وبتأثير مؤلم- وجع بطلها وحيرته واحباطه ومشقة مواجهته لحياته اليومية، لم يشغل القاص القاريء بتفاصيل زائدة تضعف الحدث الذي ركزت عليه القصة، وهو رغم رغبته في ان يضيء محنة بطله بحدث واقعي مألوف قد يتعرض له اخرون، فان تلك الاضاءة لم تجيء مباشرة وواضحة، بل تقطرت بشكل جرعات متقطعة تكفل بتلوينها الراوي الذي زاحم بطل الحدث- فنيا وحياتيا- لينقل لنا مشاعر ذلك السائق بسيارته العتيقة في مواجهة محنته، ومعها نقل لنا الراوي- وهو اكثر من عليم في هذه القصة- اجواء بغداد، وزحمتها واختناقها بالادخنة السوداء والسخام من عوادم السيارات المستهلكة العاجزة، ذاكرا موديلات 1978- وربما لهذا الرقم دلالته عند القاص- فبغداد، وكما يعرف البغداديون والجميع- ماتزال مخنوقة بمئات السيارات الزاحفة في شورارع بغداد واطرافها والتي اطلق عليها السواق وبعض الناس- تندرا- اسم (العنجة).. حركة السائق ومشاعره المضطربة مع ضجيج البشر ولهب النار وصخب العالم الخارجي متواطئا مع صخب روح السائق وانفعاله وتذمره من قسوة الحياة.. في بؤرة الحدث الشخصي الحزين للسائق ينقلنا الراوي- وهو اشد تأثيرا وتأثرا من البطل نفسه- لوقائع الحرب الضاربة الشرسة المتواصلة كلعنة ملتهبة دائمة والى النكبات والمواجع والهموم للفرد والمجتمع عموما بقوله واحدة او بعبارة قصيرة اختزلت كل الالام والاوجاع في وصف القاص للسائق: (مذ كان جنديا يصاحب الموت) هل يوجد رعب وترقب اكثر من مصاحبة الموت ساعة ساعة بساعة ودقيقة بعد دقيقة، هكذا هي حالة الموت في ازمنة الحروب، هذه العبارة المختزلة المختصرة الدالة اغنت القراء عن شرح تفاصيل وجع الحروب والمعارك وويلاتها ومصائبها وفواجعها، وربما اكتفى القاص بهذه الجملة القصيرة المتنكرة ملمحا لتلك الحروب، اذا قد تعيد (يوميات) تلك الحروب اسذكارات كئيبة حزينة، رغم ان القاص وثق كل تلك الاسذكارات بكلمة (الموت): مذ كان جنديا يصاحب الموت).. الراوي متابع حساس للمشهد الروحي والنفسي لبطله الذي كان عاجزاً- امام غضب غضب زوجته ورعونتها وشراستها- عن تهدئتها وتحقيق رغبتها الملحة السريعة في اصلاح جهاز التلفزيون العاطل المخرب وهي تقذفه (بأشد الالفاظ مرارة) هذه الحالة منحت القاص القدرة على مراقبة الرجل في موقفه الاليم، وهو الذي فتح المدى لان تستمر القصة في افقها لتحكي لنا ماحدث، فالراوي المتابع- بأنسانية اليفة- كأنه قد تكفل بايجاد حل لمأزق السائق اذا وضع له كيسا فيه نقود قد تعينه على تصليح التلفزيون واخماد غضب زوجته، الراوي لم يغفل عن متابعة وسرد ماجرى ويجري للرجل البائس ساعة بعد ساعة وكأن المشكلة كانت او صارت مشكلته هو حتى ان القاريء المنتبه ليحاور في تعاطفه ايحزن للسائق ام الراوي ام كليهما معاً؟!.. ويشاء قدر السائق المخذول ان يصعد لسيارته راكب يحمل (علبة حليب فارغة) موهما السائق ان هدفه هو سوق (الشورجة) لشراء علب مثل ما يحمل، اذا هو جرب حليب هذه العلبة فوجده مستساغا لذيذا طيب الطعم والرائحة، والسائق- وكما يفعل مع كل راكب وكما يروي لكل راكب- كشف عن عثوره على كيس النقود في سيارته، وانه لايستطيع التصرف به وهو يتمنى- بقلق وانتظار ملح- ان يظهر صاحبه، وقد انتظر اربعة ايام وفي اليوم الخامس وعند عدم ظهور صاحبه سيكون له- شرعا- مالا حلالا، وقد اخبر كثيرين بحكاية الكيس وتردده في التصرف بوجوداته.. بشارة تلميحية بسيطة نفهم ونتعرف على نوعية المخلوق الاخير الذي صعد ليصل لتاجر معين في الشورجة، وبايماءات بسيطة واضحة- مع تردد وتذبذب القاريء في تكهناته- ان هذا المخلوق الاخير فاسد ومحتال ومراوغ، واستطاع لبراءة السائق وغفلته وسذاجته واضطرابه وحبه لمساعدة الاخريين، ولان نقود الكيس ليست له رغم حاجته اليها، سلم الكيس بما فيه للمخادع الذي ادعى ان التاجر يريد المبلغ كاملا، وظل السائق- ببراءة المغفلين منتظرا ملهوفا لعودة صاحب العلبة ليوصله لمكانه.. ومرت وانطفأت الدقائق الخمسة تبعتها خمسة اخرى وعشرة وساعات وهو قلق مرهق دون ان يشعر بعد كل تعب ذلك النهار وقد حل المساء ولم يكن معه في السيارة غير (علبة حليب فارغة) وهي الضمانة، وعندما ضجر من رؤيتها الجامدة امامه رماها للشارع عائدا لبيته وزوجته الغاضبة دائما بهموم وخيبات مضاعفة ودون ان تحمل يداه خبزا او خضارا او اية حاجة بيتية وهو يعرف ما الذي سيصيبه في مواجهة امراة البيت..القاص لم يجد غير هذه النهاية- وهي طبيعة لمثل ذلك السائق الوديع- ولكن النهاية الاجمل- وكما ذكرها الراوي الشاهد المشارك والنغمر بالحدث: (اما انا فقد تركته على تلك الحال وحيداً ومضيت دون ان اهبه مبلغاً جديدا يفك ازمته الجديدة التي ستبدأمع زوجته، ولكنه ولاول مرة تجرأ بصوت واضح شبه باك مصوبا، الي عينين مليئتين بعتاب مر، قائلا: حتى انت يا..!) بهذه العبارة حاول الراوي وبالمقولة الموجعة الاليمة للامبراطور (يوليوس قيصر) وهو يتلقى طعنات الخناجر، والسكاكين من النبلاء الذين تأمروا عليه، لم يكن حزينا لمقتله الفاجع، ولكن لغدر صاحبه وصديقه الحميم الذي رأه معهم: (حتى انت يا بروتس!) والقاص في هذه النهاية والحالة النفسية للسائق على (الراوي العليم) متحررا من كل ما يكشفه امام القراء، ومع كل ذلك لم يسلم من ادانته السائق الذي انتبه اليه بعد فوات الاوان فكان (وشبيه بما حصل للقيصر) ضحية الغدر والخديعة والعزلة المميتة التي وضع فيها نفسه.. اقتبس القاص مقولة شكسبير دون ان يدخل في الفوارق بين عظمة وجبروت القيصر وبين بساطة ذلك السائق المنكود، وربما اراد ان يقول: ان الاثننين ضحايا مع الاختلاف.. هنيئا لنا جميعا بالقص العراقي الذي يتطور بجمالاته وتقنياته الجديدة يوميا بعد يوم وبهذه القصة المؤنسة الممتعة وهنيئا للقاص (محمد الاحمد) في منجزه الابداعي..

الموصل

النص: قصة قصيرة
علبةُ حليبِ فارغة
بقلم: محمد الأحمد


لم أكن أتخيله، فحسب. بل أراه، ولا يراني. كنتُ منشغلاً به، حدَّ إني أسمعهُ بوضوح جليّ، كحقيقة دامغة، واصطحبه في سيارته القديمة التي يكسب بواسطتها قوته اليومي، فأدور معه طوال النهار، في شوارع (بغداد) التي اكتظت بأنواع السيارات، ولم تسقط منها هيئة المرور أي موديلاً قديما منذ عام 1978م، فبقيت رائحة الدخان الملوث مزيجا خانقا يملأ فضاءها، ولم تكن فتحات الهواء الموزعة بغير انتظام في السيارة تتمكن من طردها، ولم تنفعني أبدا، قطعة القماش الصغيرة التي أحاول بها تنقية الهواء الذي أتنفس.. اغلب ظني أني استطعت رسم ملامحه بصورة شبه كاملة، و جعلت من القارئ أن يتملى معي وجهه الحاد التضاريس، أراهُ طيباً، يستحق مني كل تقدير.. ثمة حزن عتيق مترسب في أعماقه، خلفته تلك الأيام مذ كان جنديا يصاحب الموت، تعرفت على الكثيرين أمثاله، ولم انسهم مذ أيام حرب الثماني العجاف.. ذلك البطء الذي لم يفارقه مذ مطلع شبابه.. خلف حزنا مقيتاً جعله لا ينظر جيدا لما حوله.. وجهٌ شاحب من كثرة دخان لا يفارق أنفاسه.. كل ظنه بأنه يتنفس عبر سيجارته ما فاته من هواء منعش.. كنت الحظهُ حائرا منذ ثلاثة أيام، لا يعرف سبيلا لتدبير مبلغ قليل يبغي به تصليح جهاز التلفزيون، من بعد أن قرعته زوجته بأشد الألفاظ مرارة، ولم يمتلك أعصابه يومها، فخرج حائرا يلف الشوارع، ويشتكي لكل من يركب معه.. الأمر الذي أزمّه.. ولكني قررت أن أمدّ له يد العون، فوجدت فكرة، ذات مرة، افترضتها له أنا (مبدعه)، ليجد في مرة لم تخطر على باله... كيساً فيه ثلاثة أرباع المبلغ الذي يحتاجه لتصليح جهازه العاطل… بدا لي ذهنه منشغلا في كيس النقود.. فحاول أن يجد أحداً ما يسأله في أمر تلك الهبة السماوية. (لو لم يجد لها صاحبا، خوفا أن تكون لإنسان نسيها في سيارته، و هو حتما سيعود إليه)، كنت أنظره يتحسس الكيس، ويعيد حساب المبلغ.. في اقرب غفلة، فمرة يحمد الله ألف مرة على ما وجد من مال لم يكن في حسبانه، وتارة يريد أن يبرئ ذمته من إثم ما يمكن أن يلحقه بإنسان ما، فأنه ما تعود أبدا على سلب أحد حقه، و لا يعرف فعلا سوى أن يقول بأنه سينتظر أربعة أيام حتى يكون له المال شرعا، و ما لم يعترضه من يسأله عن ذلك الكيس بأوصافه الدقيقة، و ما يحتويه… ولكنه بقي متكتما على ذلك الأمر، و سكت عن الثرثرة التي كانت تلازمه كلما صعد معه راكب.. لأول مرة في حياته اشغل ذهنه طوال الأيام الأربعة في الكيس المصنوع من القماش، وحوى النقود...
فبعد اليوم الخامس، قرر أن يتصرف به، و يأخذه إلى ذلك (المصلح)، ويحرر منه الجهاز الذي قارب على الشهرين، مركونا على أحد الأرفف المنسية، وهو بعيد عن بيته، و لا يملك ثمن التصليح..
في تلك الأثناء لمح من بعيد رجلا يرفع يديه، مؤشراً إلى سيارة أجرة جديدة، لم تقف، وتمنيت أنا أن لا يقف إليه، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يطوله؛ فوقف صاحبنا عنده قائلا مع نفسه:
- (حتما هذا الرجل الوقور بجبته، وعمامته سيضع حلا لحيرتي، وما عانيت في ما مضى من الأيام.. عساني أستقر على رأي بخصوص ما لقيته، فهو من ابحث عنه؟)..
أشاح الرجل الوقور إلى الجانب الآخر، وكأنه لا يريد الصعود في سيارة قديمة، فنطق صاحبنا ببراءة، ورجاء:
- (مولانا).. اصعد سأوصلك حيثما تريد مقابل دعاؤك بالتوفيق.
ما أن سمع الرجل الكلام حتى رحب دون أن يعلق بشيء، ونصف ابتسامة ارتسمت أثناء حمده لله تعالى.. بعدها قرأ سورتين من القصار، وصار يبتسم لصاحبنا الذي بقي منتظرا الفرصة المواتية ليعرض عليه قصة النقود التي وجدها قبل أيام أربع.
وجدتني اسبر أغوار فكره جيدا، فوجدته قد قرر بأن يختار علبة الحليب التي كانت ناعسة في يد الرجل ذات الخاتم الذهبي، وهو يشع فوق الأدمة البيضاء، كان يحمل العلبة.. كما يحمل التلميذ النجيب كتبه، فبادره صاحبنا مستهلاً:
- مؤكد انك عانيت يا مولانا بالحصول على هذا النوع من الحليب؟.
فأجاب بعد استغفار الله تعالى:
- لا يا بني أنا ذاهب إلى (الشورجة
[2]) أجلب هذا النوع من الحليب.. لانه يناسب جميع الأعمار، والأذواق.. وأنا أوزعه مجانا إلى الناس المتعففة!
كتمت ضحكة كادت أن تسقطني في فخ الفضيحة، ولكني تداركت الأمر، وبقيت مركزا بانتباه لما سوف يحدث.. فرأيت صاحبنا قد حرك رأسه بالإيجاب، وقال برهبة وخشوع:
- جازاك الله خيراً يا مولانا الكريم..
وبقى الرجل الوقور يبسمل، ويحوقل دون أن يوقف أصابعه عن ضرب خرزات المسبحة التي تصدر صوتاً متواصلاً، بتواشج مع صوت محرك السيارة المتواتر بالاهتزازات.. بين زحمة الإشارات، وضجيج الأبواق.. فضيع صاحبنا فرصته في مواصلة السؤال.. ما بين تململ، وتأجيل.. بحثا عن فرصة أخرى مناسبة.. حتى وصل به إلى السوق.. وراح محاولاً الوقوف في مكان مناسب، بحرص، لتقليل الجهد عنه والوصول به إلى غايته..
لكن الرجل قال، بلا مقدمات، كأنه يرسم لشيء آخر:
- أٍريد منك خدمة أخرى يا بني بأن تنتظرني خمس دقائق كي أعود بصناديق الحليب!.
بقي غائبا دقائقه الخمس، وعاد إلى صاحبنا الذي بقي في غاية الانشراح على غير عادته، تبين لي ذلك من تقاطيع جبهته التي لم تكن متراكبة فوق بعضها كعادته، كأنه كان في أوج سعادته.. ظل منتظرا يطوف حول سيارته لمعرفة ما فيها من نواقص، ومزجياً لأي وقت قد يهدر. وما أن قدم الرجل حتى هلل له مرحبا أحسن ترحيب.. كأنه غاب عنه طويلاً، و بقي ينتظره بصبر نافد، ولكن الرجل عاد شاتماً لاعناً تاجر الحليب الذي لم يرض بيعه صندوق الحليب بالسعر السابق…
فبادر الذي أراه ولا يراني مقاطعا:
- كيف لي أن أخدمك.. يا مولانا؟
نبر الرجل الوقور بسرعة بالغة، كمن لا يريد أن تفوته الفرصة…
- لعنة الله على المال.. احتاج منه إلى تكملة ما أعطيته للتاجر، و سأرجعه إليك مع أجرتك المضاعفة بعدما ترجعني إلى منزلي بأذنه تعالى..
همهم بعد قوله بآية من الذكر الحكيم سندت ما قاله، فاخرج صاحبنا كيس النقود، كالمسحور، ولم يحض سؤاله عنه، بفرصة تليق، وسلمه كاملاً بما فيه، ومن فرط الخشوع اخرج له، أيضاً كل ما في جيبه إضافة لبقية ما في جيبه، فانطلق الرجل الوقور غانماً بالنقود إلى عمق (الشورجة) مهمهما:
- الحمد لله انك رجل تسعى إلى الجنة!!.
بقيّ صاحبنا في داخل سيارته ينتظر الدقائق بعد الدقائق... حتى توالت الساعات بعد الساعات… بقيّ ممسكا بعلبة الحليب الفارغة، منتظرا..
و من بعد ملل، رماها، إلى الشارع.. بعد أن وصل به الوقت ليلا، قرر الانطلاق عائدا، يائسا إلى بيته دون أن يبيت في جيبه فلسا واحد يشتري به خضاراً، وخبزاً ككل يوم.. أما أنا فقد تركته على تلك الحال، وحيدا، و مضيت دون أن أهبه مبلغا جديداً يفك من أزمته الجديدة، التي ستبدأ مع زوجه، و لكنه أول مرة تجرأ بصوت واضح شبه باك، مصوبا إلى عينين مليئتين بعتاب مرّ، قائلاً:
- حتى أنت يا ......
[3]!.
baquba

[1] تعريف بالقاص أنور عبد العزيز من مواليد الموصل/ 1935 بدأ النشر منذ عام 1955. صدرت له المجموعات القصصية التالية: (الوجه الضائع عام 1976 في الموصل) و (طائر الجنون/ 1993 عن اتحاد الكتّاب العرب بدمشق) و (النهر والذاكرة/1997) و(طائرالماء/2001 ) و(جدار الغزلان/2003) وآخرها (ضوء العشب/2005) أربعتهم عن دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد.
[2] مركز تجاري كبير في بغداد.
[3] كأنه أراد أن يقول بها حتى أنت يا خالقي!!..مقولة شهيرة ابتدعها شكسبير.. (حتى أنت يا بروتس)... Posted by Picasa
انتصرت علينا الحرب،
وما في العمر متسع للفرح،
حيث لا اصدقاء من جلينا اوصو بالحفاظ على ما تبقي،
لان الرصاص نفد،
ونفذ فينا،
وما في العالم من اسلحة الا واثبتت اجسادنا بانها لن تتحملها،
وما في العالم من خطابات،
الا وقد عرفنا بانهم يدفعوننا لغاية
يعرفونها ولا لم نكتشف مبكرين باننا وقودها..
ما في العالم من دموع الا وذرفناها بافتقاد احبابنا الغفلين في بيوتهم..
لم تمت الحرب عندما متنا
ولم تنته الحرب عندما انتهينا
 Posted by Picasa

١٥‏/٠٨‏/٢٠٠٦

مصعب أمير إسماعيل
على نعش الموت
musabamir@yahoo.com

1- رثاء متأخر
غابة من الصمت والحشائش والصمغ المبتججر ، فيها حمل وديع يأكل الحشائش، بعد فترة من الهدوء وهو منهمك بالتهام الحشائش وفي رمشة عين رفع رأسه فشاهد خمسة ذئاب تقترب منه شعر بالهلع والخوف المفرط، توقف عن الأكل، رأى الذهاب الخمسة تقترب منه. عرف أنه لا يستطيع المقاومة ولن ينتهي هذا المشهد بدون خسارة فادحة، صاح بأعلى صوته طالباً الاستنجاد فلم يجبة أحد، اقتربت الذئاب أكثر أنقض أول ذئب وعظه من رقبته فوقع على الأرض، الذئب الثاني أنقض علية وعضه فصيته وهو يصيح بصوت عالي الثلاث الباقون عضوه من مختلف أنحاء جسمه وبدأو يأكلوه وهو يصرخ ويثغر و يموء ويعوي وينبح ويخور-
ثم شبعوا وتركوه ينزف دماً غزيراً دون أن يموت يصرخ من الألم وهو ملقى على الأرض..
2- كان يقود الغيوم إلى الأراضي البور، وكان مع ترو تكي حين ضربه قاتله بالبطلة وكان مع جان دارك حين جلبوها، وكان يتنفس الهواء يعمق في صحراء الربذة مع أبو ذرالخفاري، كان يسخر من الطبقة البرجوازية وأخلاقياتها ثمطا كان زياد رحباني يفعل ذلك كان دمعة في عيني مارسيل خليفة الحزينتين دوماً وكان مع الشيخ أمام يردد أغانية مع الكورس. كان عطر البنفسج، وكنا نلراه في لوحات رامبرادنت ومانتيسن وسلفادوردالي، كان يعشق موسيقى ياني ويبتل بموسيقى جان ميشيل جار الكونية ويبحث مع سوبدنبوغ عن أرواح هلامية لم يعرف اليأس، ويستمتع بالرقصات الكردية الجماعية وينبش في المقابرعن علة يجد نفسه بعد خدعته الحياة ووعدته بضحكة عالية لها رنين لن يهدأ أبداً كان يحاول ان ينقذ الاسماك من الاسماك الكبيرة والحيتان فأكلته الاسماك الكبيرة والحيتان الغبية التي لا تحمل في داخلها ذرة أخلاق واحدة كان يدور ويدور ويدور ويدور حد الغثيان، حد الروضان لكي يتخلص من الافعال والرتاجات الفكرية والاجتماعية
3- صوت: والسماء رفعناها ووضعنا الميزان
4- كروان. كروان كروان كروانة .كرواب كروان له شفاه. قلبه يترنم مع الاخضام الخفية للكواب الفضية
ياليل بتليل بليل اليل والليالي
حين كان جنديا في الحرب مع ايران كان في القاطع الشمالي يمضي وقته الزائد بالقراءة والتأمل العميق فوق الجبال مثلما كان الموسيقارفاغتر الطبيعة تحت أشعة الشمس في مملكة النمسا
مكر مفر مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من علِ
الاماني تتباعد، تتباعد تتباعد يوماً بعد يوم
كان يمتلك أكبر مكتبة في المحافظة منوعة وشاملة لكل الانشطة المعرفية كانيجيد العزف على أوتار المعرفة بموضوعية لم أجدها عند غيره. كانت مكتبته تعادل أتحاد الكتاب في المحافظة بقصيدة كل المهتمين بالثقافة وفي زمن الخوف حين كان الخوف يخاف من الخوف كان هو يجلب معه كتب منوعة ويستنسخها ويوزعها على المثقفين ببطولة ومسؤلية نادرة وعجيبة.

في أحد الايام شاهد عندي مجلة عن السينما وقف طويلاً أمام صورة لفانيسيا براداي ثم قال أريد هذه الصورة قلت له لماذا يتمتم وقال لأنها تشبه حبيبتي التي سأتوجها كثيرا جداً
كنت عاطلا عن العمل. قال لنعمل معاً فوافقت دون أن أعرف نوع العمل كنت أعاني من قرف ما بعده قرف والإسعاد ترتفع أيام الحصار القاسي و المدخولات قليلة جداً كان يجلب علب الدهن وميزان لأقسم الدهن إلى 15 كيلو أعبئها في أكياس النايلون ثم أضعها في المجمدة ليأخذها في اليوم التالي ويجلس على رصيف السوق ليبيع الدهن .
ضيف كان جندياً في الحرب كنت طالباً في الكلية كان يزورني بانتظام ونتحاور ساعات طويلة في مواضيع فلسفية قال لي هناك تضيف للفلسفة يمكن من خلاله فهم أو تضيف كل أنواع الوعي. فهناك أولاً الفلسفة المثالية التي تؤمن بوجود الفكر أوا لائحة أو الوعي بعدها خلوه المادة أما المادية فهي علة العكس تؤمن بوجود المادة وهذه المادة عابر مليارات السنين تكونت مادة غير عضوية والاندري كم مر من السنين ألى أن تشكلت أول مادة عضوية وملاين السنين ألى أن تكونت أول خلية واحدة ثم تطورت الخلية حيث نظرية دارون حين وصلت ألى الانسان الذي بدأ يعي ماحوله عن طريق العلم، أي المادة قبل الفكر- وهناك أيضاً الفلسفة الميتاميزيفة التي تنسب كل مايحدث في الارض ألى قوة كونية فاعلة وأخلاقية ويتقابله الديالنيك الذي يؤمن فهم مكونات الحدث فهم قوانينه الداخلية وكيفية تطويرها وهناك نقط طعان بين اليمين واليسار في الفلسفة فهناك الفلسفة المثالية الميتافيزيقية التي تؤمن بوجد أله واع مدرك أخلاقي خلق هذا الكون وينسب كل ما يحدث في هذا الكون من أحداث إلى هذا الخالق وهذا هو ديدن المؤديان كلها وتمثل اليمين من المعرفة وهناك المثالي الديالكتيك الذي يؤمن بوجود أله لكنهم أيضاً يؤمنون أنت نعد منهج الديالكتيك للبحث وكان هؤلاء هم من الأطباء والمهندسين والعلماء ويمثلون الوسط في المعرفة. وهناك أيضاً المادية الميتافيزيقية التي تؤمن بأسبقية المادة على الوعي لكنهم ينسبون الكثير من الإحداث الى حدة ميثافيزيقية مثلاً كائنات فضائية أخرى.أو جان أو أية جهة كونية. وهذا يمثل يسار الوسط وأما الذي أعطي الحياة أو الذي أوصل الارض لحل كل هذه الحضارة في جميع العلوم هي المادية الديالكنكية التي تؤمن بأسبقية وجود المادة على الوعي وبالتالي تؤمن بديارهكتيك الحدث وهذه الفلسفة تمثل اليسار الذي هو أقرب فلسفة إلى قوانين العالم الموضوعي

كانت أنواتك تبرز صمتك وحياتيك لكنها تخفي في الداخل موأزرة من الحوادث الجادة بحثنا عن دولة لا نطفي فيها النهار ولا تدخلها الفيروسات.

كان حزنك يقدر جثث الذين أعدموا ظلماً ودفنوا في مقابر جماعية كان وجهك ثمار مقطوفة الجنيين مشوه
كان وجهك خارطة من البارود الالم والكتابات
كان وجهك توابيت مكسرة تفلت موتى لحد التقاعد كان وجهك دوماً مراً
أو ناصية ينام عليها أثنان من المجانين أو جمهرة أشباح تتضاجع ليلاً في المقابر أو عكازات لليام المريرة ولمعوقي حروب صدام أو بقايا مطر حزين أو أرجوحة لقمر بدين
أيها الجمال المتفلت من قبضة الجمود ياينبوع الوفاء الصافي ألقو به في بحر الطمأنينة

عبد الكريم قاسم
طرح الحزب الشيوعي العمل
طرح ذات ولبس طرح ذاتي

ألى متى تحمل على ظهرك صليب المسيح وتبحث عن قاتليه وأنت تتعشى بالحنطة الفاسدة، تريد أن تستغور اللحظة، تراقب شيء بها وإمكانيات الحدس فيها، إلى متى تحمل دم الجيش في يدك كي لا يتساقط على الارض.
دع. دمعك يكبر. ويخثر
ألى متى ترقص على جليد النوم
ألى متى تذكر حزناً على عصفور مكسور الجناح
ألم يهدك زمن العبور ألم تتعب من البحث عن دمعة ثقيلة
دع مدعك يكبر يتخثر
يانار الاسئلة التي بلا أجوبة
ألم تعلمك الطيور الهديل
ألم نشرح لك صدرك، ورفعنا عنك وزرك
هذه بلاد السواد منذ أمد بعيد تغرد حقداً وكراهية ونفاقاً وطوائف وقوميات فارغة وعشائر فارغة
لماذا تنبض غضباً كلما رأيت أعمى أو مصاباً بداء الثعلب
كم مرة جئت لكي تكلمها فتعجبها
لقد رحلوا إلى عواصم بعيدة
وبقيت أنت لا تعرف معنى الاستنجاد
لماذا يتعثر حظك أنت وجميع الناس الجيدين
كم مرة بكيت من أجل امرأة هزمتها الرياح
جندي كوني يفر من الكمائن ومصائد الزمن الرخو

كان الوحيد الذي يتواصل مع في الاهتمام بالباراسيكولوجي والبحث عن الحقيقة وعن ما بعد الموت. كنت قد أكتشفت أن الماضي والحاضر والمستقبل موجودات في نقطة واحدة هي شبكة الحوادث شرحت له الكثير عن مفهوم الزمن ألى أن وصلنا ألى أخراجه من أكتشاف أينشتاين أن الزمن هو البعد الرابع للمكان. كنت أدخل في المستقبل بشكل غريب حتى عن نفسي مما دعاني ألى أعادة النظر في الكثير من المفاهيم حول الطاقة والجزرية والقدرية والماركسية والوجودية، لقد بقيت شهران أحاول أن أكتشف الدالة الرياضية لشبكة الحوادث وأضع لها قانون
شبكة الحوادث= الزمن الحاظر×المستقبل/ الماضي
ولا أعرف مدى وقته
وكان بعدها أن قدمت محاظرة أولية للتعريف بالبارسيكوجي
كعلم حديث النشاء وقدمني هو بأعتباره مدير المحاضرة
ونحن نتجول في بغداد رأينا لافتات مقرات حزبية في كل مكان
الحزب الوطني الكردستاني
الاتحاد الوطني الكردستاني
التجمع من أجل الوحدة
الحزب الوطني الديمقراطي
المؤتمر الوطني العراقي
تنظيم حركة
الحزب الشيوعي العراقي
الحزب الشيوعي العمال
الحزب الشيوعي الكردي
الحزب التركماني العراقي
حركة الاتحاد الاشتراكي
الحزب القومي الناصري
القيادة المركزية للحزب الشيوعي
حزب الدعوة الإسلامي
حماس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق حركة الوفاق العراقي.
الحزب الإسلامي العراقي
حزب النهضة وحوالي مئة وخمسون دقيقة
قلت له أيحتاج العراق ألى كل هذه الأحزاب وهذه الجرائد والتجمعات قال
العراقي يحتاج إلى عين ثالثة خلف رأسه كي لا ينظر ألى الوراء أبداً.
رأينا عتالين يحملون ضحية هدية ألى وثن ذابل ورأينا أكواماً من البصل المتعفن
رأينا الماضي مهرجانات للذبح العشوائي وعبارات تستر البقاء رأينا الزاوية تنجذر في خيوم قوانيين التطور رأينا سرابات فرح مكتوم رأينا شلات عزر وخيانة رأينا أنفسنا ضائعين بين مطرقة أسامة بن لادن ومطرقة جورج ووكر بوش
رأينا انسحاب لوحي بجبن متكلس
خبأنا عيوناً في الاعمدة
رممنا مؤخرة قناة هدمها عدي
رأينا مواكب حسينية والضرب بالزنجيل والقامات كنت أنا متلون كالجدي والمساء
وكنت أنت ملثم بخارطة المجرة منذهلا في شفافية الزجاج وقرون الأيائل المعقوفة
قتلنا وما حياً لأ مؤنث متخفياً في رداء الرضيع
رأينا
ورأينا
يا رائحة المطر والتراب القوية في بحر الطمأنينة

 Posted by Picasa