٢٦/٠٧/٢٠٠٦
التحديق في مرآة الأملأو :
حين يتحول الحب الى مشروع ثقافة
بقلم: ظاهر شوكت البياتي
الحب العذري تجربة وجدانية، وإنسانية رائعة، ولا غرابة في أن تمتاز بالذاتيــة. ترافقها الغيرة والخصوصية، ولكن ذلك لا يمنع ان نفذ من خلال تلك التجــربة إلى مساحة إنسانية أرحب تمتاز بالموضوعية حين لا تعقل التجربة في حدود التجاذب الالي الساذج .
ان الوعي الناضج والصادق، يجعلنا ان ندرك ان هذا الحب التقاء ارادتين بالاضافة
الى التقاء الرغبة والعواطف التي قد تكون لاارادية اذا اعتبرنا الجمال وجودا مـاديا يتحول الى محفز يثير في الذات الأحاسيس ويوقظ فيها العواطف. وعبر المتـوارث عثرنا على هذا الحب العذري يعكس حالة من الاستلاب التام قد يصل حد التلاشي عند الحبيب ازاء محبوبه، فهو يتفاخر بها كما يتفاخر بانه يحمل.. ما يعجز جبل رضوى عن حملة ارضاء لمحبوبه، واليك امثلة قليلة جدا توضح مثل هذه
الافكار. قال قيس ليلى:
أصلي فما ادري اذا ما ذكرتها اثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
وقال اخر :
فماهو الا أن أراها فجـاءة فابهت لا عرف لدي ولانكر
بينما راح المتنبي يتمنـى أن يملك قلبا من حديد ليقاوم سحر العيون السود
ليت الذي خلق العيون السودا خلق القلوب الخافقات حديدا
يتلذذ المحب بحرمانه، والعجز في الواقع يدفعه الى الأمنية
فهو يتمنى ان يزوره حبيبه حتى ولو بالحلم ليقول إن حبيبه قد زاره
(تعال ابحلم، واحسبها الك جية واقولن جيت ودخول السنة من القاك).... حبذا ان يحدث هذا الحلم مرة واحدة في السنة ،لان العام يحول مرة واحدة على الكون تسابق المحبون في أن يفروا من هذا الوجود بعيدين وحدهم، وان يلتمسوا مـن الشمس ألا تشرق، فالظلام يضمن لقاء هما (الحبيب و المحبوب) وهذا أهم شيء
خذني بحنانك خذني عن الوجود وابعدني
بعيد بعيد أنا وانت بعيد بعيد وحدنـا
ونقــول للشمس تعـالـي تعالـي بعد سنـة... مش اقبل سنـة
ثم صار من يموت من اجل محبوبتة شهيدا كما قال جميل بثينة : وكل قتيل دونهن شهيد
ثم جاء نزار قباني ليقول:
يا ولدي قد مات شهيدا من مات فداء للمحبوب
وهكذا تكتسب الكلمات مفاهيمها ضمن السياق أن الوعـي الناضـج والصـادق، قد يغير هذه التجربة من حالة الاستلاب، حـين يوجد الوشائـج الإنسانية الإيجابيةش بين الذاتية والموضوعية، ويحول الحب إلى مشروع ثقافة من غير أن يفقد الحب العذري
خصائصه الوجدانية، فالحب قد يصبح وسيلة للتذكير بالوطن ورموزه المضيئة ويدعو إلى
الافتخار بها، بل إلى استلهام المزيد من الدروس في حب الإنسان لاخية الإنسان حـين
يصبح الحب محفزا قويا للعمل المنتج والنظر إلية كقيمة عليا: لامهنـة يستنكـف منها
البعض. خذ هذه الأمثلة القليلة جدا :
هواك أنت يذكرني فرات ودجلة يومية
مثل قلبي ومثل قلبك تلاقن صافية النيـة
أو:عزاز عدنا ومن هويناهم هوينا الناس كلها
أو:شوقهم نسمة جنوب مسيرة لاهل الشمال
أو:خذني للمرواح عود خذني سن لمنجلك
من يشع ضي الخدود شمعة وبديره هلك
وهكذا يتحول الحب الى مشروع ثقافه إنسانية رائعة .
٢٢/٠٧/٢٠٠٦
بغداد امس بيروت اليوم، او كانت الامس تمحو من الذاكرة . فبعقوبة المحاذية للبحر، وهي بلا بحر، وبيروت المحاذية للعراق باتت تكتب الحرية، ترسم قطرة ماء، ترحل في أست التاريخ الذي سرق مفتاحه الاعور الدجال، بيروت بعقوبتنا وبعقوبتنا بيروت شمس يصوغ للشجر نسيجا من الغناء، وشدوا من الحمام.. بيروت آخر السنابل واول الاشجار التي يراها السجين.. بيروت حريتنا ومساحة فيضنا....بيروت يابيروت.... بعقوب يابعقوب... الفرس نزلت للبحر والبحر نزلت اليه البارجات.. كم من بستان ذبحتها الحرب...اواه يا بيروت.. يابغداد.. يابعقوبة.،
٢١/٠٧/٢٠٠٦
إدوارد سعيد ..داخل الزمان.. خارج المكان
سعد محمد رحيم
ما الذي دفع مفكراً ذا شأن مثل إدوارد سعيد إلى كتابة سيرته الذاتية؟.. ما الذي جعله يبحث عن طفولته البعيدة بين القدس والقاهرة وظهور الشوير ـ مصيف لبناني ـ وعن يفاعته وشبابه بين مدن العالم؟. ولماذا هذا الاختراق العمودي العميق والباهر للزمان والمكان؟. ولماذا هذه المجالدة مع الذاكرة وضد الذاكرة؟.إلى مَ رمى إدوارد سعيد وهو ينقب في تفاصيل حياته العائلية، بخفاياها وأسرارها وملابساتها؟.. ماذا كان يمكن أن يجني، وهو يكشف، ما يحاول ملايين الناس الاعتياديين، مواراته ودفنه، أو على أقل تقدير، عدم الاكتراث به؟. ماذا يعني هذا الهوس المحموم لتعرية ميكانزمات سلطة الأب، وتحسس العروق الخبيئة للحب والحقد والكره بين الابن وأبيه، وذلك الانشداد المضني والمقموع والمحبط في العلاقة مع الأم؟يبدو أن المرء وهو يواجه حقيقة الموت المتربصة يتحرر من سطوة قيم ومواضعات اجتماعية عديدة فيكون أشد جرأة، ولا اكتراثاً، وصدقاً مع النفس، ومع العالم.هل إن الموت ـ هذه الموضوعة الوجودية الغامضة والطاغية، هو الباث السري الذي يدفع الإنسان ـ ولا سيما المثقف ـ لاستعادة تلك الأجزاء الضائعة، أو التي هي في سبيلها إلى الضياع، من شريط الحياة، وإبقائها حية، عبر الكلمات؟يقول إدوارد سعيد في تقديمه لكتابه [خارج المكان]: “هذا الكتاب هو سجل لعالم مفقود أو منسي. منذ عدة سنوات، تلقيت تشخيصاً طبياً بدا مبرماً، فشعرت بأهمية أن أخلّف سيرة ذاتية عن حياتي في العالم العربي، حيث ولدت وأمضيت سنواتي التكوينية، كما في الولايات المتحدة حيث ارتدت المدرسة والكلية والجامعة. العديد من الأمكنة والأشخاص التي استذكرها هنا لم تعد موجودة، على الرغم من أني أندهش باستمرار لاكتشافي إلى أي مدى أستبطنها، وغالباً بأدق تفاصيلها بل بتشخيصاتها المروعة”.(1)كانت حياة غير مستقرة، تلك التي عاشها إدوارد سعيد الطفل، واليافع المراهق، والشاب.. حياة قلقة في علاقتها بالمكان، موزعة، تكاد تكون ظل المنفى.. السفر دائماً.. الانتقال من مكان إلى آخر، وذلك الرحيل القسري بعيداً عن مسقط الرأس، بعيداً عن الجذر. أصدقاء جدد في كل مرة، وجيران جدد. ومن ثم قيم جديدة، ومناخات اجتماعية وثقافية مغايرة. فألقى ذلك كله في مسارب نفسه دفقات هائلة من ذكريات، أحداث وأشخاص وأماكن وأحلام مجنحة.“إلى جانب اللغة كانت الجغرافية في مركز ذكرياتي عن تلك السنوات الأولى، خصوصاً جغرافية الارتحال، من مغادرة ووصول ووداع ومنفى وشوق وحنين إلى الوطن وانتماء، ناهيك عن السفر ذاته. فكل واحد من الأمكنة التي عشت فيها ـ القدس والقاهرة ولبنان والولايات المتحدة ـ يملك شبكة كثيفة ومركبة من العناصر الجاذبة، شكلت جزءاً عضوياً من عملية نموي واكتسابي هويتي وتكوين وعيي لنفسي وللآخرين”.(2)وهو يسمي كتاب مذكراته [خارج المكان] يناور إدوارد سعيد في أفق البلاغة والفلسفة والسياسة والتاريخ في آن معاً، فهو لا يغادر المكان على مستوى الواقعة، جغرافياً، إلا من أجل أن يعود إليه رمزياً ليحتويه ويعلن انتماءه إليه، وعدم تخليه عنه، والإمساك به حتى الرمق الأخير.ها هنا يمتزج الوعي بجدل التاريخ وأحابيله، بالحنين الإنساني إلى الغرف والطرقات القديمة والأصدقاء الذين تبعثروا في الجهات، بحلم العودة أبداً إلى الينابيع، وبالمسألة الوجودية الكبرى ـ مسألة الموت. فيكون الحديث، في هذا المقام، عن مدارات تتداخل وتنفصم لتتداخل بكيفية جديدة هذه المرة. ومعها تتبلور الرؤية وتنضج فتستنجد باللغة ـ بأناقتها وهيبتها ومكرها وألاعيبها ـ من أجل أن تخرج نصاً إلى النور.. نص المذكرات وقد تسلل عبر كثافة الذاكرة، والتجارب، والخطوط الدفاعية المستميتة للاوعي، ومقاومة النسيان. ومن ثم خلل الحضور المتطلب، الفريد للشخصية.يعي إدوارد سعيد وضعية المنفي، خارج مكانه الاعتيادي، معالجاً إياها في فصل مثير من كتابه “صور المثقف”، وهو بعنوان “المنفى الفكري: مغتربون وهامشيون” عندما يتحدد المنفى مفهوماً بالإبعاد، وليس بالابتعاد بمحض الاختيار، بالاقتلاع من الجذور والخروج إلى المتاه. فالمنفى وضع نفسي واجتماعي وفكري خاص.. حساسية وموقع وموقف. وكلمات من قبيل (الكآبة والقلق والخوف والغربة وانعدام الأمان، والسخرية) تكون مألوفة في الحديث عن المنفي. ويكون الأمر أشد توتراً وإشكالية حين نتناول موضوع المثقف منفياً. وقد سكن إدوارد سعيد هاجس دائم؛ إنه في غير مكانه.. ذلك الشعور العميق والباهظ للمنفي/ ولا سيما المثقف، والذي سيبحث عن تعويض فذ وفعال من خلال الإبداع.“تصبح الكتابة لمن لم يعد له وطن مكاناً للعيش”.. هذا ما كان يقوله ثيودور أدورنو الذي يعدّه سعيد الضمير الفكري المهيمن لمنتصف القرن العشرين، وقد أمضى سنوات في أمريكا وسمته بعلامات المنفى إلى الأبد (3) فانعكست ظروف المنفى على أسلوبه ذاته في الكتابة كما يرى سعيد.“إن لب تمثيل ادورنو للمثقف كمنفي دائم، يتفادى مجابهة القديم والجديد كليهما ببراعة متكافئة، هو أسلوب في الكتابة متكلف وممحص إلى درجة الإفراط. إنه في المقام الأول مجزأ، متقلب، متقطع، لا حبكة فيه ولا ينتهج تسلسلاً محدداً سلفاً. وهو يمثل وعي المثقف وكأنه غير قادر على التحرر من القلق أينما كان، متيقظاً باستمرار احتراساً من مغريات النجاح، مما يعني، بالنسبة إلى أدورنو، المشاكس في نزعته، القيام بمحاولة عن وعي وإدراك بهدف ألا يُفهم بسهولة وعلى الفور”.(4)وفي حالة إدوارد سعيد، نجده منذ الفصل الأول لكتابه يلخص لنا ملابسات ذلك الوضع الوجودي المقلق لحياته:“وقع خطأ في الطريقة التي تم بها اختراعي وتركيبي في عالم والدي وشقيقاتي الأربع. فخلال القسط الأوفر من حياتي المبكرة، لم استطع أن أتبين ما إذا كان ذلك ناجماً عن خطأي المستمر في تمثيل دوري أو عن عطب كبير في كياني ذاته. وقد تصرفت أحياناً تجاه الأمر بمعاندة وفخر. وأحياناً أخرى وجدت نفسي كائناً يكاد أن يكون عديم الشخصية وخجولاً ومتردداً وفاقداً للإرادة غير أن الغالب كان شعوري الدائم أني في غير مكاني”.(5)ويعود في المقطع الأخير من كتابه ليشير إلى نزعة التشكيك التي هي إحدى الثوابت التي يتشبث بها، والتي تجعله غير مقتنع على الدوام.“والواقع أني تعلمت، وحياتي مليئة إلى ذلك الحد بتنافر الأصوات أن أؤثر ألا أكون سوياً تماماً، وأن أظل في غير مكاني”.(6)هل المنفى مقولة الجغرافيا ـ مقولة التغيير في المكان ـ فحسب؟ أم هو التباس قسري على مستوى السيكولوجيا، وشرخ في الوعي ومن ثم تحول في الرؤية إلى الذات والعالم؟.“أرجوك لا تتخذ هذا القرار!”.هكذا خاطب باسترناك، الرئيس السوفيتي “خوروشوف” عندما راحت الصحافة الشيوعية تطالب بنفيه بعدّه عدواً للدولة السوفيتية “السابقة” بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب. وتم إجباره على مغادرة روسيا فلم يطق الابتعاد فانتحر في البرازيل، وخرج ريمارك خفية من ألمانيا النازية لينجو بجلده. وغادر إدوارد سعيد القدس في ظروف أشد تعقيداً ليجد نفسه أخيراً في أمريكا، وهناك فرض نفسه مثقفاً ومفكراً من طراز ممتاز. حورب من قبل اللوبي الصهيوني، وجرى الاحتفاظ به، أيضاً، جزءاً من الديكور الديمقراطي الأمريكي.. تكيف، واستغل وضعه بحنكة وذكاء فصار هاجساً يقض مضاجع الطارحين لوجهة النظر الصهيونية هناك.في كتابه “الاستشراق: المعرفة.. السلطة.. الإنشاء” قام بتفكيك وتقويض طروحات المستشرقين فأثار لغطاً وردود فعل من قبل أولئك الذين يتحصنون في مواقعهم الأكاديمية الراسخة، وهم يظنون أنهم بمنجى عن أي نقد جاد وفاعل يمكن أن يزعزع مواقعهم تلك. وفي كتابه “تغطية الإسلام” فضح الآليات التي تتحكم بصناعة صورة الإسلام في وسائل الإعلام الأمريكية، ونجح كذلك في تقديم وجهة نظر فلسطينية، موضوعية، مقنعة في الراديو والتلفاز والصحافة.يظهر إشكالية حضور إدوارد سعيد في الوسط الأكاديمي الثقافي الأمريكي في كونه عربياً ـ فلسطينياً ـ مسيحياً، حاصلاً على الجنسية الأمريكية، ومثقفاً ثقافة عصرية عميقة، متمثلاً أفكار ومناهج عتاة رجال الفكر والفلسفة الغربيين، ومن ثم عارضاً لوجهة نظر في قضايا العالم ـ ولا سيما القضية الفلسطينية ـ لابد أن تكون مسموعة، وتؤخذ بنظر الاعتبار والجدية.أن يكتب مفكر مثل إدوارد سعيد سيرته، معناه أنه ما يزال يبحث عن هوية وجوده ـ تلك التي تشكلت بتضافر ظروف ومعطيات وشروط متشابكة ومعقدة، وما تزال لم تستقر بعد ـ تلك الهوية ـ على ماهية قارة، أو صورة أخيرة. ذلك أن الهوية ليست شيئاً جامداً نهائياً، بل حالة تستمر في التكون والتشكل ما دام الإنسان يحيا وينتج. (7) وتتجلى الأهمية المزدوجة لسيرة إدوارد سعيد [خارج المكان] في أنها مكتوبة في مكان الآخر “الغرب”، أقصد في المنفى، ذلك الذي ينعته سعيد بأنه “أحد أكثر الأقدار مدعاة للكآبة”،(8) وهي كتابة عن الموطن الأول/ مرتع الطفولة ـ الأماكن التي شهدت تكوين الشخصية والذاكرة.. هذا من جانب، ومن جانب آخر فهذه السيرة هي استجابة واعية ومتحدية ضد الموت، كما ذكرنا آنفاً.“غير أن الدافع الرئيس لكتابة هذه المذكرات هو طبعاً حاجتي إلى أن أجسر المسافة، في الزمان والمكان، بين حياتي اليوم وحياتي بالأمس.. أرغب فقط في تسجيل ذلك بما هو واقع بدهي دون أن أعالجه أو أناقشه، علاوة على أن انكبابي على مهمة إعادة تركيب زمن قديم وتجربة قديمة قد استدعى شيئاً من البُعاد ومن السخرية في الموقف والنبرة”.(9)إنه كتاب خطير وهام ذلك الذي جعل المؤسسات الصهيونية تجند أحد رجالها للبحث في المراحل الأولى من حياة مؤلفه، لتدحض ما كتبه. فإدوارد سعيد بما كان له من مكانة فكرية مرموقة عالمياً عدّ سلطة مؤثرة، وشهادة شخص مثله ستكون مسموعة، لا شك. فما يقوله في هذا الكتاب، لابد أن يرعب تلك المؤسسات التي تسعى لحجب حقيقة اغتصاب أرض فلسطين ونفي شعبها، والتي يفضحها سعيد، ها هنا، بأسلوب غير مباشر، هادئ، جذاب، وعذب.ولد إدوارد سعيد في القدس في العام 1935، وقضى شطراً من حياته هناك، ودرس في إحدى مدارسها قبل أن يرحل إلى القاهرة ليقضي بضع سنوات مع أهله، ومن ثم إلى أمريكا، ويستقر ثمة حتى وفاته في نهاية العام 2003. وقد عاد بعد أربعين سنة لاستقصاء أماكنه القديمة التي ترك في جنباتها شيئاً من أنفاس يفاعته وشبابه، وتركت هي في روحه دفئها وسحرها وألفتها.إن كتابة السيرة أشبه ما تكون بحلم يقظة واع، مشبع بالحنين، وبالشفقة على الذات وهي ترنو إلى شفقها “نازلة المنحدر من الجانب الآخر” على حد تعبير جاستون باشلار.من هنا نخلص إلى أن كتابة إدوارد سعيد عن سنوات حياته الأولى، ولا سيما في الأرض العربية تعد استبطاناً رمزياً وواقعياً في آن، لضمير وعقل وذاكرة مثقف كبير من مثقفي عصرنا في مواجهة أقدار النفي والموت القاسية.
::. سعد محمد رحيم
الهوامش
1- إدوارد سعيد، “خارج المكان”، ترجمة فواز طرابلسي، دار الآداب، بيروت، ط1، 2000، ص 19.2- المصدر نفسه، ص 22.3- إدوارد سعيد، “صور المثقف ـ محاضرات ريث سنة 1993?، دار النهار، بيروت، ط 1، 1996، ترجمة غسان غصن، ص 63-64.4- المصدر السابق، ص 65.5- إدوارد سعيد، “خارج المكان”، مصدر سابق، ص 25.6- المصدر السابق، ص 359.7- أمين معلوف، “الهويات القاتلة، قراءات في الانتماء والعولمة”، ترجمة د. نبيل محسن، منشورات ورد، سوريا، ط 1، 1999.8- إدوارد سعيد، “صور المثقف”، مصدر سابق، ص 57.9- إدوارد سعيد، “خارج المكان”، مصدر سابق، ص 22.saadrhm@yahoo.com
١٣/٠٧/٢٠٠٦
العراق إطلالة ما غيّب من التاريخ القريبفي رواية {وردة}[1]
محمد الأحمد
بجرأةٍ موضوعيةٍ عاودتْ بطلةً (وردة).. اقتحام حياة الكاتب (صنع الله إبراهيم)، مجددا، من بعد أن كانت تطارده كفتاة أحلام عذرية، يوما بيوم منذ عام (1957)م.. و تطورت كمشروع خيال كتاب، يكتبه الكاتب، ولكن هذه المرة حقيقة بعيدة عن الخيال كما كانت تأتي إليه، في السابق، حضرت بكل مذكراتها السرية، الخاصة، والعامة، و سكنت معه بأنفاسها الحرة في امتداد صفحات الرواية.. لتتواصل معه في النضال ضد كل ما اعمي شطبا من اسطر كتابه السميك الذي شهد أحداثه الروائي شاهد العصر الذي لوعته مقالب الساسة، والقادة، والملوك، والسلاطين، وحرمته حريته من المعنى.. فالتاريخ هو الذي يهاجم الروائي مرة أخرى (القاهرة ما بين عام 1957وعام1959)م.. تاريخ أحلام تجاوزت الحقبة، واستفاضت في الدقة، حيث ترابطت الأحداث العربية.. مرتهنة بتواشج العلاقات الحاضرة في الصراع على زمان ومكان ستراتيجي مؤثر.. نجد الروائي يصل بنا إلى ملخص جدلي مفاده:
- ربما يستطيع أي حاكم جديد أن يطمس التاريخ الذي سبقه ليوم واحد، أو اكثر، ولكن ليس إلى الأبد، ومهما تفاوتت دكتاتورية قوته، وشراسته، فإنه يجهل قول (بيتر جيل[2]) الشهير بان التاريخ سجال لا ينتهي، وكل أحداث اليوم.. ستبقى بين الطيّات، إلى حين ما، ولا بد أن يأتي اليوم الذي تطفو فيه محررة نفسها بقوة اكبر، ولن يمنعها أي حاجز أو فاصل مهما كان ارتفاعه، أو متانته.. وتكون شاخصة مسفرة عن الوجه الحقيقي لما قد حدث بالفعل، لتعطي نفسها بكل صدق وغالبا ما يفشل الطمس، فالذين حاولوا ذلك لتعارضها مع ما يريدون تغير مجراه، وفق مصالحهم.. ويتكرر المشهد للحكام الذين نجدهم قد ذهبوا إلى مكان آخر من التاريخ، وابتعدوا مخلفين ورائهم ما حاولوا حجبه من التاريخ، لان التاريخ عصي بسجاله.. كفيل بالحقيقة مهما حاولوه قمعا بآلتهم التي كانت قوية آنذاك، واليوم باتت واهية سهلة الكشف، واهنة المصير.. محصلةٌ وضوحها الكيفية الدنيئة للتحكم بالثروات.. (صراع بعثي في بغداد بين علي صالح السعدي والبكر.. يعتمد الأخير على صدام حسين المعروف باسم جلاد قصر النهاية[3]). والكاتب المصري الستيني (صنع الله ابراهيم) يرصد في روايته احداث العراق الحديث منذ اول ايام تسلم البعث السلطة في العراق، وصارت الرواية (وردة) من الكتب المحظورة.. لانها اطلالة ما غيب من التاريخ، ونظرة على العراق من الخارج، مثلا: (قرأت افتتاحية تشكو من أن الكويت خرجت من كارثة الاحتلال العراقي إلى براثن حرب استنزاف اشق وأدهى، تمص دمائها قطرة، قطرة. فهي تدفع مليارات الدولارات باسم الأمن والتنسيق، والتسليح، والتدريب[4]).. ففي الرواية قصةُ حبّ فيها ليس فيها ما يميزها عن قصص الحب التي حفل بها ديوان العرب، من إثارة وتشويق، و لكنها امتدت على مساحة عريضة من التاريخ العربي بأكثر من عشرين عاما، لتبقى علامتها أنها شاملة التصوير للفكر العربي، وتحولاته الخطيرة التي حددت هويته، ومساره البيّن.. (كانت شهلا أضأل منه حجما، لكن سمرتها كانت خمرية، ولها عينان جميلتان، وشفتان رقيقتان، وصدر ممتلئ[5]) قصةُ حبّ من طرف واحد ما بين الشاب (رشدي) الشيوعي المصري، و الشابة (شهلا) شقيقة صديقه (يعرب) الشيوعية العمانية.. القوية الشخصية والتي تصغر أخيها بسنتين.. وهي شخصية معرفية.. حاضرة البديهية، تقرا بنهم ما تستطيع من كتب هي في حد ذاتها من أمهات الكتب التي نهجت للإنسان العربي يومها من طريق، و مطمح.. فتاة أحلام، ذكية بعينين جميلتين.. جريئة و مغامرة.. حيث كانت تدرس الطب في الجامعة الأمريكية، وغيرتها إلى الفلسفة، ومن ثم أخذها ساح النضال، حيثما يكون للإنسان مطمح يجد نفسه فيه. (في شهر يوليو سقط النظام الملكي في العراق وانهار حلف بغداد في ثوان، بعد أن استولى عبد الكريم قاسم على السلطة[6])، فبدت الأحداث العربية كلها متضحة من خلال مقارنته ما بين السلطنة في السابق، والسلطنة اليوم.. لا يترك أي فارق ليذكره بأمانة المؤرخ الذي يعتمد أداتاً ذكيةً شاملة. بينما كان زائرا في ضيافة ابن عمه الموسيقي وزوجه في (مسقط)، ومنذ الطريق إلى محل سكنه.. يؤكد الكاتب على انه في عقده السادس، و هي أيضا من جيله.. الجيل الذي شهد التحولات الكاملة.. ما بين شرق وغرب.. وما بين شرق أوسط.. مدونا وجهة نظر المثقف الحريص على رأيه: (قال سعودي: أو قل إنها سياسة اللعب على الحبال. في حرب الخليج رفضوا اتخاذ سياسة متشنجة ضد العراق، واكتفوا بإرسال قوات رمزية إلى حفر الباطن[7]).. بذاكرة المناضل الحقيقي الذي مشى بخريطة النضال من القناعة، وحتى الرمق الأخير، ولكن كل الجهود غير الإنسانية ذهبت سدى.. لان المثقف بفطنة الروائي العليم، وبحرية الإبداع، راح يتخيل، وراح يبتكر ثيم عالمه.. متواصلا بالحكاية من آخرها مثنيا على القيمة البطولية السامية، والمبدئية الأصلية.. وان المبدع هو خلاصة العصر الذي يعيشه، فالمثقف في هذه الرواية هو المتحسس الأول لما يحدث، ويتنبأ بالأحداث قبل أن تقع، بل ويعطي النتائج الكاملة من قبل أن تظهر النتائج، والنتائج تكون لاحقة لرؤيته.. مستنتجا محصلة الحقيقية بالكامل، وغالبا ما تكون بدقة ما يكون به صانع القرار السياسي، حيث الكل من مكانه.. ذلك يتحكم بالقرار المصيري، و الكاتب يتحكم بالقرار الذي يكتسب لحما ودما على الورق.. كشخوص لهم الحق في كل ما حولنا من مبررات في العيش الرغيد. وكأنه قد كشف المستور بشفافية من يعرف المعرفة القاطعة. فوجه النضال واحد في كل زمان ومكان، ضد التعسف في الرأي، وقمع الرأي الآخر بتجاهله، أو بتسفيهه، أو تأجليه إلى غير فاعليته.. (مصرع عبد الكريم قاسم على يد انقلاب عسكري. هل ناصر وراء الانقلاب؟[8]). كما كانت المنشورات السرية الشيوعية تتسائل- ربما سجنه (عبد الناصر) بسبب ولائه، أو لانتمائه لما كان يطمح أن يكون.. و (وردة) المناضلة عادت إليه بكل تاريخها المسلوب، المنتهك، وبكل ثقلها الموضوعي، راحت تقرأ تاريخ النضال للقارئ البعيد عن الساحة المتشوق لمعرفة ما حذف من التاريخ بالنار والحديد، تقرأ مسيرة ما قد حدث ولم يستطع أحد مهما كان أن يتجاهلها، أو يعبرها، تقرا البطلة الروائية نيابة عن القارئ، وتبهره بتدفق الوثيقة الحية التي صارت عمودالرواية المكون من مذكرات حية، بصدقها جرئيه بثقلها.. وجادة تمام الجد في كشف مرآة المرأة العربية المناضلة بكل تفاصليها وهي تثابر وتكافح من اجل حياة حرة كريمة، ولم تكن رواية مكان عربي واحد، بل كانت أمكنة عربية في رواية واحدة، تعطي ما كان قد استلب وضاع ما بين المصالح و المطالح على ساحل الأبيض المتوسط، ضاع كما ضاع دفتر ذكريات الحلم العربي المجزأ وفق ما أرادته أن يكون لتك الدول العظمى ووفق ما ترتئيه خريطتها الاستهلاكية بتوازن القوى.. تنقل الصورة الجلية أينما كانت و أينما يتطلب من (وردة) المناضلة أن تسافر، وان تستقر.. من سلطنة عمان إلى مصر واليمن ثم لبنان وسوريا، والعراق ثم الكويت والسعودية.. ولم يكن اختيار المكان لم يكن لرغبة ما، أو سفر من اجل السفر، ولكن قربها كمناضلة وفاعليتها في حركية التاريخ وتنقل صدق وجودها الذي يكشف حركية التاريخ المتوافقة بما يملك من ثروات، و ستراجية موقعيه، و طيبة إنسانية.. تقع سلطنة عُمان في أقصى الجنوب الشرقي من الجزيرة العربية. يحدها (الخليج العربي) شمالاً، و (الإمارات) من الشمال الغربي، و (السعودية) غرباً، و (اليمن) من الجنوب الغربي، و (المحيط الهندي) جنوباً، و (خليج عمان) شرقاً. غزتها البرتغال وسيطرت على مضيق (هرمز) حتى إجلائهم عنها عام 1622 م، وقد دخل البرتغاليون العاصمة مسقط فاحتلوها وحصّنوها بحصونٍ منيعة لا زالت قائمة إلى يومنا هذا. تركها البرتغاليون نهائياً عام 1649م. ثم قويت الدولة (العمانية) بأساطيلها البحرية التي وصلت حتى الساحل (الأفريقي)، وفي المحيط (الهندي)...
رواية (وردة) إحدى أعمدة الفن الواقعي في الرواية العربية، مبدعها كاتبٌ اتسم نهجه الروائي بالجدية، والموضوعية.. فلم ننس له رواية مثل (تلك الرائحة) التي دون فيها ما أحدثه (جمال عبد الناصر) في الشيوعيين المصريين، أو(نجمة أغسطس) تجربة بناء السد العالي في مصر، أو (اللجنة) التي كتب فيها فصلاً عن دكتاتور (بغداد) منذ مطلع السبعينيات، و رواية (ذات) التي لم نستطع أن نقراها بسبب التعتيم و الحصار الإعلامي على مثقفي العراق، (نسخر من حزب البعث وحديثه عن الرسالة الخالدة للامة العربية التي تظهر بشكل متجددة في مراحل التاريخ، وترمي إلى تجديد القيم الإنسانية، ومن زعيمه (ميشيل عفلق) الذي استكتبه الدكتاتور السوري (حسني الزعيم) تحت ضغط المسدس.. تعهدا بالتوقف عن النشاط السياسي[9]).. فالمثقف هو ذاكرة المكان الذي يكشف بدقة عن المعلن بغير المعلن؟.. أم إن جنس الرواية المتوجة بالوثائق هي قطعة حلوى لابد من التهامها؟.. بكل ما تحوي من شحنات صدق في لغة جزلة تغوي قارئها إلى لذته، فيكتشف انه اخذ إلى مكان آخر تجري عليه الأحداث، حيث الإنسان العربي المستلب من كل ما يتعلق به.. بقي الإنسان هامشا مفكك اللغة، غير قويم الأخلاق.. يعاني من ازدواج كبير في أعماقه، وقد ضاع ما بين الشخصين المتضادين كل ما على الإنسان الحقيقي أن يجده.. يكشف بدقة ما على القوانين الجدية من دقة، و صرامة لتنظيم الحياة المزدحمة بالتخلف، وخاصة كدولة غنية.. تأتي في تسلسلها من الغنى كالإمارات العربية المتحدة، وما غزاها من هجرة عمل، وأخذ يدخلها من هنا، وهناك.. شراذم، أو عكس ذلك.. (القصة العربية ترتفع إلى مستوى مسئولياتها، فتنهض بعبء التعبير والتقييم، والتوجيه لحياتنا الجديدة - د. غالي شكري[10]).. كونها رواية واضحة المقاصد.. اعتمدت الحكاية كعمود بنائي يلم أوزارها للقارئ، و لا يعطيه فرصة لان يذهب عنها حتى التهام السطر الأخير.. بها تشويق، والتشويق صفة الرواية الناضجة، واقعية بقيت في حيثيات ما يحدث داخل البيت العربي الجليل، الذي بقي يعاني من الحاجة لكافة الضرورات التي حرم منها. الميدان العربي، مساحة الروائي الذي أتقن الصنعة الروائية، وراح يوسع فيها ليشمل بها كل الساحة التي تجري عيها الأحداث، الشمولية تلك تحسسناها بعدة روايات عربية- مثل رواية السوري (حيدر حيدر) (وليمة لأعشاب البحر). خريطة أحداث الرواية تجري ما بين مسقط، و صلالة، و في أواخر عام 1992م، تحديدا.. في العاصمة المنتظمة بدقة فرسانها الإعراب، بعد أن رسم الراوي القدير أمكنة الانطلاق إلى تفرعات (وردة) الروائية، وأثاثها البشري الموزع على مساحة عربية شاملة.. واسم (وردة) هو لقب الشخصية المحورية، تجسد امرأة تميل إلى الاعتماد على الذات وتحقق طموحها من خلال العمل، والاجتهاد.. لتروي سيرة مناضلة عربية مكتوبة بين طيّات السجل العربي الحافل بالاستلاب والقمع، و الإخصاء.. فأكد تخصص الروائي بالوثيقة، حيث كمنت خطورة، وجدية التجربة.. (فان الأنظمة بتسلطها وهزيمتها قد خلقت ظروفا لا تزيد على أن تهبط بإنسانية الإنسان العربي إلى حدها الأدنى- شكري عزيز ماضي[11]) حيث الدقائق تمشي متتابعة في تسلسلها المنطقي في تمكن ليس له مثيل.. أهم مدن السلطنة بعد مسقط العاصمة: مطرح، صلالة. عملتها: الريال العثماني. تولت أسرة (آل بو سعيد) الحكم في منتصف القرن الثامن عشر. ثم توالى على الحكم (14) حاكماً من هذه الأسرة حتى عام (1970م).. ونهضت سلطنة عمان بقيادة السلطان (قابوس بن سعيد بن تيمور)، فغير اسم الدولة من (سلطنة مسقط وعمان) إلى (سلطنة عمان).. ولد عام (1940م)، و تلقّى العلوم العسكرية في الأكاديمية العسكرية الملكية ببريطانيا.. خلف والده، (سعيد بن تيمور)، سلطاناً لعمان عام (1970)م، وبدأ عمرانها في عهده. (في العراق أشفق الشيوعيون الذين قاموا بدور رئيسي في إسقاط النظام الملكي أن يحرموا من حقهم في الوجود الشرعي[12])، (كان شئ مثل الذي فعله عبد الناصر.. عندما تحالف مع البعثيين ضد الشيوعيين السوريين توطئة للتفرغ بعد ذلك للأولين[13])، (سقط النظام البعثي في العراق. انقلاب عبد السلام عارف بدعم من حركتنا والناصريين[14])، هكذا دون صنع الله ابراهيم في روايته (وردة)، وصارت الرواية اكثر مبيعا بين قوائم كتب الاستنساخ التي كان يحظر انتشارها ايام العهد الصدامي البائد.
بعقوبة
http://www.postpoems.com/members/alahmed/
[1] رواية صادرة عن دار المستقبل.. عام 2000م
[2]* History is an argument without end.
[3] ص 92 الرواية
[4] ص 13 الرواية
[5] ص 54 الرواية
[6] ص62 الرواية
[7] ص 29 الرواية.
[8] ص 92 الرواية
[9] ص57 الرواية
[10] أزمة الجنس في القصة العربية.. دار الآفاق الجديدة- ص320
[11] انعكاس هزيمة حزيران على الرواية العربية.. المؤسسة العربية- ص 98
[12] ص62 الرواية
[13] ص 62 الرواية
[14] ص 93 الرواية
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)



