٢٧‏/٠٦‏/٢٠٠٦

مجلة بعقوبة الثقافية
 Posted by Picasa
قصة قصيرة
عنقود الكهرمان
بقلم : كُليزار أنور

رنّ الجرس في ساعةٍ متأخرة .. رنينه يشرخ هدوء الليل .. أصمت بإصغاء .. يرن مرةً أخرى .. قلتُ لنفسي : مَن سيأتينا في هذهِ الساعة المتأخرة .. تحركتُ بتمهل ، فقد يكون ما أنا فيه مجرد تخيل .. ويرن للمرة الثالثة .. أُوقظ زوجي الراقد بجانبي :
_ خالد .. خالد .. أحدهم يدق جرس الدار .
_ ليسَ هناك أحد .. نامي !
غطى رأسهُ وعاد إلى نومهِ . ويرن من جديد .. خرجتُ من الغرفة .. أنرتُ ضوء الصالة .. فمنطقتنا أمينة ، ولا داعي لأي خوف .. وفتحتُ الباب .. امرأة ورجلان .. المرأة سلمت عليَّ أولاً وبعدها الرجلان .. وبادرت السيدة :
_ هل تسمحين أن ندخل ؟
خجلتُ أن أقول لها : " مَن أنتم " وبشكل لا إرادي مددتُ يدي إلى الجهة اليمنى لأسمحَ لهم بالدخول ، فقد يكونون أقارب زوجي !
ودخلت هي قبلهم .. وبعدها الرجل الأول .. انحنى نحوي بطريقةٍ وديةٍ ، فحركتُ له رأسي بتودد رداً بسيطاً على تحيتهِ الجميلة .. أما الثاني .. مد كفه لمصافحتي .. وترددتُ بعض الشيء قبلَ أن أمدّ له كفي .
جلسَ الرجلان في صدر الصالة والمرأة وقفت إلى جانبي لتجلس حيث أجلس .. فقلتُ بكرم : أهلاً وسهلاً.
وبعد تردد لم أستطع إخفاؤه أو تبريره :
_ لأوقظ لكم خالداً .
فردت السيدة بطيبة :
_ لا تقلقيه ، فنحن زواركِ .
بنظرة تحمل الشك والتساؤل معاً تطلعتُ إليها .. وشعرتُ بنوع من الخوف .. إذن ، هم ليسوا أقاربه كما ظننت .. ياربي .. ماذا يريدون مني في هذا الليل ؟ .. ومَن يكونون ؟ .. فأنا لم أفعل شيئاً !
نهضت لأقوم بواجب الضيافة على الأقل .. فدعتني السيدة للجلوس ! بدأت أنفاسي تضيق وأحسستُ بانقباضٍ مرعب .. اضطربت عندما حدقتُ في عينيها .. وربما توقف القلب عن النبض في تلك اللحظة .. وقفتُ مدهوشة وكأني نسيتُ كل شيء ! عيناها تلمع ببريقٍ أحمر .. شعرتْ بخوفي فقالت بهدوء :
_ نعلم انهُ وقتٌ متأخر ، لكننا لا نستطيع أن نزوركِ في النهار .
الخوف تشعبَ إلى كل جسمي بقشعريرة برد .. وبومضةٍ رأيتُ قافلة من صور الجان تعبر مخيلتي ، لكن تبادر إلى ذهني في الحال – كما قرأنا عنهم – ان الجن ليسوا كالبشر .. نظرتُ إلى الرجلين .. عيناهما تلمع بنفس البريق .. تمالكتُ نفسي بعض الشيء ورديت بصوت خافت يكاد يسمع :
_ بماذا أستطيع أن أخدمكم ؟
رفعَ إليّ – الرجل الذي حياني – وجهه .. وقال :
_ بالحقيقة نحنُ قصدناكِ في خدمة .. ولأننا نعرف طبيعة مجتمعكم ، فقد جلبنا معنا امرأة لكي تطمئني .. ولكي تسمحي لنا بالدخول .
لم أستوعب ما كان يقوله من الرعب الذي سيطر عليّ .. فقاطعته:
_ اسمح لي .. مَن أنتم ؟ .. وماذا تريدون مني ؟
نهضَ الرجل وتقدم باتجاهي وجلس بجانبي :
_ اطمئني ، فقد قصدناكِ بخير .
لم أجب مؤثرةً الصمت .. وأكمل بعدما شعرَ بأنهُ استطاع أن يُهدئني :
_ سيدتي .. أنتِ كاتبة راقية جداً بنظرنا .. وكنا نقرأ ونتابع لكِ في مجلة " اليوم " روايتكِ " عنقود الكهرمان " وكما تعلمين نشرتِ الجزء الأول فقط .. والثاني لم يُكمل .. لماذا ؟
_ أجئتم في هذا الليل لتسألوني هذا السؤال ؟
_ نحنُ لسنا من الأرض .
حينَ قالها أردتُ أن أصرخ . دقات قلبي تزداد وترتفع .. تقرع في رأسي كناقوسِ كنيسةٍ قديمة .. ترتجف يداي .. ويجف فمي .
انصرفت عيناه عني بعدَ أن كان يُحدق فيّ ملياً .. اقتربت السيدة أكثر مني .. وأحسستُ بملامسة فخذها لفخذي .. ووضعت يدها على كتفي :
_ أرجوكِ .. اهدئي .. واطمئني .. لسنا هنا لنضركِ .. بل بالعكس .
فجاوبتُ بحدة :
_ بكل بساطة .. المجلة أُغلقت !
فردَ الرجل الثاني من مكانهِ :
_ والجزء الثاني موجود لديكِ ؟
_ بالتأكيد .
_ زيارتنا من أجلِ هذا .
وتقدم هو أيضاً .. ووقفَ أمامي ، فقلت :
_ وضحوا لي أكثر ؟
_ ما نشرتهِ هنا كان يُنقل إلى مجلةٍ أخرى لدينا .. وأنا رئيس تحريرها .
قاطعتهُ بابتسامة :
_ وهل تنشرونها بالعربية ؟
فابتسم لابتسامتي :
_ لا .. بلغتنا !
وجدتُ نفسي عاجزة عن التعبير بصدق عما أشعر بهِ وأُريد قولهُ .. شعرتُ أن عينيّ اغرورقت من شدة التأثر لهذا الفرح المفاجئ ! .. وذلك الخوف المرعب تبدد إلى فخر وزهو لا يوصفان .. فأكمل :
_ لدينا مندوبون في الأرض ، وهم يقومون بترجمة الأعمال الجيدة .. وروايتكِ لاقت الاستحسان لدينا .. وبعدَ أن انقطعت توقفنا نحن أيضاً عن تكملتها .. والغريب .. وصلتنا رسائل كثيرة – بالآلاف – تطلب تكملة الجزء الثاني .. ولم ندرِ ماذا نفعل ؟!
_ أتعرفون .. مر على انقطاعها أكثر من سنة .. ولم يسأل عنها أحد هنا .
_ انها رواية من طرازٍ خاص !
أحسستُ بالإشراق ينبع من أعماقي .. فنهضت .. ودخلتُ غرفة المكتب .. وأخرجتُ من الدرج الجزء الثاني والثالث من روايتي " عنقود الكهرمان " .. وضعتها في ظرفٍ أبيضٍ كبير .. وكتبتُ عليهِ بخطٍ واضح : " إلى قرائي أينَ ما كانوا " !
قدمتُها للسيد فابتسم حين قرأ تلك العبارة على الظرف .. وصافحني بقوة هذهِ المرة .. وسألني :
_ كم تطلبين ؟ قولي ما شئتِ وسيكون لديكِ ؟
_ لا شيء .. إنها هديتي لقرء غرباء يسألون عني .
فتقدمت السيدة نحوي .. وأخرجت علبة حمراء من جيبها .. علبة ما رأيت بجمـالـها
وتصميمها البارع :
_ هدية متواضعة جداً لك .
وضعتها على الطاولة القريبة منها ..صافحوني .. وخرجوا وبقيتُ أنتظر لأعرف كيفَ سيغادرون ! .. ابتسمت .. وابتسامتها لم تظهر سوى في عينيها .. لم تُغير تعابير وجهها .. فقط أضاءتها .. وكأن نوراً نبع من داخلها فأضاء وجهها .. وقالت :
_ أرجوكِ .. اغلقي الباب .
قبلتُ رجاءها وعدتُ إلى الصالة .. فتحتُ العلبة ، فتلألأ ما بداخلها وسطعَ أمام عينيّ .. سحبتُ السلسلة فتدلى منها " عنقود من الكهرمان " !



www.postpoems.com/members/gulizaranwar
 Posted by Picasa

خبر عن صدور كتاب جديد

صدر عن دار الشؤون الثقافية العامة في وزارة الثقافة مجموعة قصصية بعنوان (عنقود الكهرمان) للكاتبة (كليزار أنور). كما صدرت للكاتبة مجموعة قصصية (بئر البنفسج1999م)، و رواية (عجلة النار 2003) وتسرد الكاتبة ضمن مجموعتها الجديدة (عنقود الكهرمان 2006م) عدد من القصص القصيرة التي تعبر عن الوجدان الإنساني وتحاكي المشاكل الاجتماعية والثقافية بإطار أدبي ولغة شاعرية رصينة.. يقع الكتاب بـ88 صفحة ومن القطع المتوسط.
 Posted by Picasa
المراوحة بين السردي والشعري في العراق


ألم المشهد وسحر الكتابة إبراهيم سبتي

اطلق ستاندال على القلة القارئة مصطلح القلة السعيدة . ويرى اخرون ، بان احدى السمات البارزة للادب الحديث ، هي اصراره على ان يظل فن الاقلية .. ولا يعدو هذا الرأي ، سوى تجسيد للصدع القائم بين الكاتب ـ الاديب ـ والآخر المتلقي . ان كل الاحداث الساخنة التي تجري ، ستكون مخزونا ثر لا شك للمدون الاديب ..
فاليومي من الاحداث التي تعصف بالبلاد ، في اولويات أي كاتب . فاما ان يوظفها داخل نص ابداعي من شعر او قصة او في مقالة يدنو فيها من محاذير واسوار السياسة ، او يكتبها كسيرة او مذكرات بعد حين .. ولا يمكن تجاوز هذه المحن ، مالم تصنف تاريخيا ، تصنيفا يجعل الادب المدون فيها ادب محنة .
والادب المعني هذا ، ليس من الممكن المرور به على عجالة او دون اكتراث بعد ان يؤول الوضع الى الانفراج وتصير المحن ولحظات الخراب تاريخا . ففي تلك اللحظة يجب التوقف عنده وتامله ودراسته لانه أرخ لمرحلة هامة من فصول البلاد . وحسب ليفي شتراوس فأن التاريخ يغدو جانبا من الحاضر عندما تستعيده الذاكرة ..
ومما نتج عن حالة البلاد حاضرا، فأن الذائقة تبدو انها تمر بانكماش ملحوظ وهي حالة يمكن ان تتحول فجأة الى اولى اهتمام المتلقي الذي يشعر ان كل شيء عاد طبيعيا .. فالقاص والمتلقي ، كلاهما يبحثان عن فضاء القراءة والابداع المناسب ، ان تيسر الحصول عليه .
وكم من روائع ادبية فاتت على الاغلب من الناس وهم لايستطيعون قراءتها لهذا السبب اوذاك .
ولايمكن ان يتغافلوا مع الوقت او يخادعونه ، لكي يمارس كل منهم فعل القراءة الممتع الذي رافقنا طيلة سنوات شغفنا وولعنا بقراءة المترجمات الروائية والشعرية ..
وفي أي بلاد وبمراجعة سريعة ، نجد ان كتابها قد ارخوا لبعض من احداثها العاصفة كجزء من سيرتها . لان سخونة اللحظات لايمكن ان تذهب باستيحاء دون ان تذكر كما اللحظات السعيدة التي تتفجر كالبالونات لخفتها وبالتالي لا تحتفظ لها الذاكرة بأي شيء .. وحسب محددات التاريخ المدون ، فان كل مرحلة تعد مفصلا هاما لتكوين الارث الحكائي لذلك التاريخ ومن ثم فان الارث سيبقى محفوظا في المدونات كجزء من صيرورة البلاد ومفاصلها عامة . وهكذا تصنع سخونة الاحداث ادبا مختلفا في كل معاييره ومستوياته . وحتى نتاكد من هذا الحكم ، نجد ان الادب الحالي ، قد نأى بنفسه عن المرحلة الحاضرة بكل تفاصيلها من تدمير وتحطيم وخراب وقهر وضغوط اخرى .. الا ما قل من محاولات اكدت الجانب المتعب من تاريخ البلاد والذي كان نتيجة حتمية للتغيير الذي اصاب الدولة واجهزتها برمتها .
وظل كل مايكتب من الادب بتنوع اجناسه ، ادبا لا نشم فيه رائحة المرحلة بحقيقتها وصراحتها وحيث تحولت بعض الاشياء إلى صور مضببة.
ولان الكاتب والاديب لايختلفان عن المؤرخ المختص في صناعة المدونة التاريخية ، فأنهما قد يتفوقان باستخدام الحس التعبيري المعبر عن عمق وفداحة الفاجعة ومايترتب عليها باستخدام لغة توثق ما جرى ويجري او المناورة الكتابية التي نطلق عليها ادبيا ـ التاويل ـ أي ان ( الامر كله امر لغة ) كما يقول لاكان . ومنه تتحدد العلاقات مع العالم السردي او الشعري في مجمله . فكان لابد من وجود قاريء محنة وكاتب ايضا ، كل يعبر عن غاياته ، ضمن مساحة بوح محددة شكلا وجنسا.
الكل يريد التعبير عن مايدور ، ولكن كيف له ان يتحاور مع بوحه لحظة هيجان حقيقية يمر بها ؟
كل الاجوبة ستكون عبارة عن سياق بحثي استقصائي واصرار على التحدي
رغم ان الجميع امام خراب واحد .. خراب الذائقة بفعل ارهاصات الحياة اليومية ، او بفعل التجاذبات أي كان مزاجها .
وفعل القراءة افتراضا هو سلوك يومي يمارسه الفرد ، لايتم الا بتوفر شرطها المهم ـ المتلقي ـ ولأن القراءة حسب اوكتوفيوباث هي اكتشاف السبل المؤكدة التي تقودنا الى نفوسنا ، فان الزمن لايمكن ان يعود قرن او نصفه لكي يجلس القاريء لقراءة مطولات دوستويفسكي او غوغول او تولستوي او محفوظ او مناظرات و مشاكسات سارتر .. هذا لايمكن حدوثه الان مطلقا ، ذلك ان القفزة التقنية في الاتصالات والدهشة التي تصعق الانسان مع كل جديد في عالم ينتج روبوتا كل ثانية !! يتعذر فيها وجود حميمية قرائية مع المدون أي كان توجهه و بعض الدول تعتبر ان احدى ركائز تحضرها هو مدى الاقبال على شراء الصحف وليس الاعمال الادبية ..
فاين نجد قارئا متحفزا للقراءة الموضوعية الصادقة وهو يعكس المزاج السعيد ليجلس بضع ساعات من اجل رواية او دراسة نقدية مطولة مع ان بعض المدارس النقدية تؤكد على مشاركة القاريء مع الكاتب في انتاج النص او كما يعتقد رولان بارت بأن يقوم القاريء بالاسهام في وقائع النص ؟..
والسؤال يجر الى آخر .. من يكتب عن المحنة عملا ادبيا تقليديا او حداثويا فيه كل مقومات النص ؟
اننا على يقين بان القاريء النموذجي قد لانجده اليوم امام مشهد الفواجع والمصائب ، فهو يحاول ان يجد البدائل عن الادب باللجوء الى السياسة ، التي تجيد وضع المصائد والاغواءات وتعرف كيف تسحب البساط من تحت الاهتمامات الاخرى وجعل نسبة المتابعين في ازدياد مضطرد ، وحيث ان الانسان يميل بطبعه الى سماع معسول الكلام والخطب النارية ، فانه كمن يبحث بين ثناياها عن ماء بارد وسط اتون النيران الهائجة .. وسينجلي الغبار عن صوت جريء لبعض الكتاب الذين كان همهم نقل الحقيقة في مدوناتهم وكما يعبر عنهم اوكتافيوباث في كتابه ـ الصوت الآخر : انه صوت الكآبة المنعزلة والقصف ، صوت الصمت والصخب ، الضحك والتنهدات ، الحكمة المجنونة والجنون الحكيم ، والهمسات الحنون في غرف النوم وهدير الحشود في الساحات . وان تسمع الصوت يعني ان تسمع الزمن ذاته .
ناصرية
 Posted by Picasa

٢٥‏/٠٦‏/٢٠٠٦

مجلة بعقوبة ثقافية صادرة عن هوية ادباء ديالى Posted by Picasa
مطر (كاظم حسوني) وظمأهُ القديم
قراءة: محمد الأحمد

مجدُ العمل الأدبي انه ينطوي على متنٍّ لغوي صقيل، وعمق بطين، وشهادةٌ على عصره، فيكون ذا حضورٍ بيّن، ونهج واضح لأجل أن يبقى سمة ببصمة متميزة بين سمات القصة العراقية الراقية بين أقرانها في أدب أهل الأرض قاطبة، ويدخل الأديب قائمة كتابها الغرِّ الميامين. فالأدب وجه الجيل وهويته الراسخة، كإرث حضاري متميز، حيث حقيقة التاريخ، الحق، وما لم يستطع احد أن يغيره لأن يجمل قالبه، وخاصة (العراقي) الذي قد عصفت به مخيبات أمل متلاحقة من حروب متوالية، وأزمات متتابعة جرفته عنوة عن مسيرة حياته الطبيعية، فبقي في وطنه محصورا بين الجدران المتراصة، يعاني الحرمان تلو الحرمان، وبقي حالما بالخلاص، حالما في رؤية تلو أخرى لأجل اختراق القوالب المقيتة، القاسية، التي بقيت تتعمد إبقاءه ضمن المقرر، لأنه إنسان يمتلك حق طبيعي في العيش والتنعم بثرواته، فبقي يكتب عن المطر الواعد لأنه بظمأ قديم راسخ. فمن سبع قصص كون منها (كاظم حسوني) مجموعته القصصية (ظمأ قديم)، الصادرة حديثا عن دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد 2006م. القصص توالت بحسّ مرهف تميز بعطر انتشر جذابا كرائحة الأرض عندما يلامسها مطر أول موسم بعد جدب قاس (أول الغيث)، حيث جاءت القصص متتابعة زاخرة بتنوع سردي، متناغم القص؛ (في انتظار المطر)، (الثلج الكبير)، (نداء أخير)، (حلم المساء)، (طقوس قيامة ليلى المغنية)، (رجل في أعلى السلم)، (ظمأ قديم)، كقصص قصيرة جنسها الأدبي، أثبت القاص على أمكانية التداخل بين مستويات مختلفة من الخطابات الأدبية والفنية، فالقصة لديه قصيدة أفادت من إمكانات الشعر، والقصة لوحة فنية احتوت مشاهداً أفادت من إمكانات السينما، (هذه الكيانات الناشئة عن الأدب وفيه موجودة بيننا، وهي لم تكن موجودة، وماثلة منذ الأزل كما هي (ربما) حال الجذور التربيعية ونظرية (فيثاغورس) على أنها من الآن فصاعداً، بعد أن تولدت عن طريق الأدب وتغذت من توظيفاتنا العاطفية الجياشة، باتت ماثلة وموجودة وينبغي علينا أن نأخذها في الحسبان، ولكي نتفادى النقاشات الأنطولوجية؛ أي ذات المواصفات الوجودية الثابتة، والميتافيزيقية، فلنقل بأنها موجودة كعادات ثقافية، وحالات اجتماعية، غير أنّ صفة المحرم العالمي التي يحملها سفاح القربى هي أيضا عادة ثقافية، وفكرة، واستعداد، ومع ذلك فإنها امتلكت القوة التي تجعلها تحرك المصائر- امبرتوايكو)، باتت القصة القصيرة العراقية تخرج إلى النشر وهي تحمل وعيا مضادا لكل آليات الركود ويمتلك حقيقة كلية ناتجة عن وعي القاص الشخصي للزمان والمكان، فينهض من ثبات المثقف المهزوم، (نفسيا وجسديا ومعرفيا وثقافيا) إلى متحرك ناقد متسائلا عن مفاهيم الجديدة للعدل والخير والحقيقة والهوية. مهشماً لقوالب مثلثات التحريم، وموجداً سطوتها، ومنتجاً لبلاغة جملة معاني تقوم علي المدركات الحسية، متواصلة لأجل تشكيل البصري عبر قصة (الخاطرة) أو قصة (المقالية)، (كل هذا يتفاعل ويعتمل في داخلي. ويحدث أن مجرد ظهور سحابة صغيرة عابرة في السماء، يصل إليها خيالي. تجعلني أبتكر لها مطراً يهمي ناعماً خفيفاً، أو عنيفاً مدراراً تارة أخرى، يغرق الطرقات والشوارع، يتسرب إلى البيوت والمحلات، يحتل الشقوق والزوايا المظلمة- ص 7) مثل (في انتظار المطر)، مبنية على تواتر يتصاعد الحدث فيها إلى ذروته دون أن يخلف حكاية سوى صورة حصار المثقف المستقل وعزله ونفيه. ويمكن أن نعتبر القصة الثانية (الثلج الكبير) من قصص الحرب البديعة (ما خلفته معارك الليل بالأشلاء المبعثرة والثلج المدمي- ص13) المؤلمة مداخلا فيها قصة النبي (يوسف) وأخوته، وأعطاها الترابط قيمة جمالية لتكون أكثر من قصة حرب، وتحمل رسالتها التي أراد كاتبها أن تصل (هؤلاء يا أبتي حملتهم معي- ص21) لان كتّاب قصة المكان هم ورثة كتّاب القضايا المصيرية (يجب أن لا تحوي أحاديثنا أو كتبنا على كثير من الخيال، لأنه لا ينتج غالبا إلا أفكارا باطلة صبيانية، ولا تصلح من شأننا، ولا جدوى منها في صواب الرأي أو قوة التمييز، أو في السمو بحالنا، فيجب أن تصدر أفكارنا عن الذوق السليم، والعقل الراجح، وان تكون أثرا لنفوذ بصيرتنا- لابرويير)، والقصة القصيرة تتوالى بحضورها الشاخص كشاهدة تاريخ يدونها الأديب كجزء من حياة عاشها ودونها وثيقة على عصره محملة وجهة نظره، وموروثاته، كقصة جديدة عكست ذاكرة ثقافية جديدة فرضتها، الوعي بالعالم إلى البحث عن مراكز متعددة، ربما تكون ذاتية، أو شخصية.. كأنه يقول: (أعلن اختلافي المتمثل في ضرب المركز وتفتيت الشخـــــصية المركزية وتفكيك البناء إلى بناءات قد تكـــــون مشتتة). والكاتب يُمايز بحسية عالية بين الموت كفعل، والموت ككائن حي كما في قصة (نداء أخير)، ويطرح مفهوما جميلا جليا بان الموت لن يأتي للإنسان الفاعل فالفعل فعله الدائم، و به يبقى حيا حيث يموت الإنسان ويبقى الفعل حيا يجري على الأرض بدلالة مدونته الشخصية التي تبقى أبدا تتحدى الموت، أما في قصة (حلم المساء) تستعرض المتغيرات الثقافية، وما واكبها من روافد جديدة للمعرفة الشخصية (متظاهرا بأنه لا يعبا بأحد سوى الكتاب الذي بين يديه- ص36) أبرزها الصورة، فهي قصة سردت بالكلمة صورا، وذكريات عاطفية قد حدث أيام كانت الذاكرة فتية لا يشغلها سوى عالم مثالي، قد مر بالكاتب وخلف كلمات من بعد أن حدد ملامح امرأة ما قد شغلته مذ ذلك الزمان، وأيضا كما في قصة (طقوس قيامة ليلى المغنية)، التي بقي العاشق ينشد قصيدته الشاهدة على من عشق ومن قتله عشق، ذلك (ولفرط ارتباكه، تعثرت قدماه بتلّة التراب فانزلق داخل القبر، واستلقى بسكون فيما خلعت المرأة كفنها ومزقت موتها ثم نهضت واقفة مبهورة تتطلع باندهاش بكل اتجاه متفرسة في السماء الزرقاء وصمت القبور الشاخصة حولها، وما فتئت أن شدت قامتها واندفعت راكضة برشاقة مخترقة ممرات القبور الضيقة وجسدها العاري يهتز ويلمع تحت فضة القمر، يشدها صفير قطار الفجر حيث هبط منه الشبح كعادته في المحطة الخالية- ص 50). قصص تواصل فيها الكاتب (كاظم حسوني) كمدونٍّ حاد الرؤية يعرف كيف يشوق كاتبه بقصصه المقتدرة، الحاضرة كشهادة صريحة صادقة عن عصرها، وعرف كيفية إجهار عشقه لجنس القصة القصيرة، ومن بعد أن تعمد بربط كاتبه القصصي الأول (رقصتها مطر
[1])، بـ(ظمأ قديم)، إذ جعلته امتدادا له، حيث حضر (المطر) في متون قصصه كلها، كرابط دقيق ما فتئ (يستدرجنا مجدداً إلى ما ألفناه ونروح ننصت إليه من جديد فعذوبة كلماته كافية لأن تستحوذ علينا وتكبلنا إليه. كنا نحلم، نثب من وحل الظلام، نطير، ونتوارى خارج المكان وصوته وحده يسبح في سماء العنبر الثقيل يهطل فوق رؤوس مغيبة يتساقط عنها غبن متكلس وعفونات أيام غادرة- ص 52).

بعقوبة
‏25‏/06‏/2006‏ 07:44:19 ص
[1] مجموعة قصصية صادرة عن الاتحاد الأدباء العرب – دمشق 200م Posted by Picasa

١٣‏/٠٦‏/٢٠٠٦


شفافيةُ السرد في قصص ضوء العشب
قصص : أنور عبد العزيز
قراءة : محمد الأحمد
يُحيلنا القاص (أنور عبد العزيز) بمجموعته القصصية الجديدة الصادرة (2006م) عن دار الشؤون الثقافية العامة، الموسومة بـ(ضوء العشب) إلى ما كان يقوله الأديب العالمي (ادغار ألن بو) حول القصة القصيرة (عمل بنفس واحد، ويستدعي لقراءة متأنية ساعة أو ساعتين، و يجب أن تقرأ في جلسة واحدة)، وغالبا ما تحوي كلماتها المحدودة على عالم متكامل، ترسم حدوداَ للزمان الذي حدث خلاله الحدث، وأيضا المكان الذي دار عليه الحدث، وكلما غاب أو شحب الحدث يفقد جنس القصة القصيرة خصاصة مهمة من مقوماته البنائية، فالقصة كعمل فني يتحصل على محور ثابت يكتسي لحماً وموقفا يسرد علينا غايته، ويخبرنا كيف يكون كاتب القصة المقتدر، على الأغلب، الوحيد الأدرى بشعابها، ويكون عليما بتفاصيل سردها الدقيق، لأنه يقصها علينا من الحياة، وما يقبض عليه من حدث، مؤكدا، بأنه يخفى حدثا آخرا، خفيا، غير الحدث الظاهر، وكم تكون تلك القصة ساذجة إن لم تفتح الطريق إلى قصد آخر، والقراءة للقصة في ظرف واحد تؤدي بالقارئ إلى الاستدلال على الرسالة السارية ضمن القصة، وبتلك يكون للقصة التي بين أيدينا بعدا جماليا آخراً، وربما قصر الأداة، تبدد الظاهر والباطن، وتعطي ضياعا، أو ترهلا للعمل، ويكون القاص القدير هو الأكثر علما بما وراء تلك الغاية، ومن سردها بكل ما يتقن. ففي الغالب تترك القصص البديعة، الصقيلة، ذاتها مفروشة على غمار الذاكرة لتعطي للحكاية سحرها وضوءها، فتشع المعاني الجميلة كلما ركز في مسيرتنا على الألوان وتفاصيل تدريجاتها، وعلى الخطوط وتعرجاتها، أو التقاءآتها لتخلف في ذهن متلقيها حكاية أخرى، بمعنى آخر، وغالبا ما تتشكل باخضرار بهيج لن تنساه الذاكرة، فالألوان والخطوط هي سمة القص الذي ينحته الأزميل المبدع للقاص، وهذا ما كان ذاهبا إليه (ابن رشد) عندما شرح ولخص كتاب أرسطو طاليس في فن الشعر؛ إذ ذكر (وقد علمنا إن الصناعة الفنية تحكي الطبيعة، وتروم اللحاق بها والقرب منها على سقوطها دونها، وهذا رأي صحيح وقول مشروح، وإنما حكمتها، وتبعت رسمها، وقصت أمرها، لانحطاط رتبتها عنها
[1])، ولان القص في اللغة العربية يعني تتبع الأثر، من النبع والى البحر، فإن القصة القصيرة تعني أيمًا اعتناء بتتبع أثر لحظات إنسانية حياتية شديدة الأهمية منتقاة من صميم الذات، وتفاعلها مع كل ما هو محيط بها. والقاص الحاذق لأجل أن يمضي قارئه معه بنهم حتى وصول الرسالة إليه كاملة أن يكون الكاتب معه مراوغا، ولأجل أن يوقع القارئ في فخ التشويق، وغالبا ما تكون القصة التي يتوقع نهايتها، باهتة. فالقص في جوهره وجهة نظر حادة وتؤشر موقفها من الحياة. فالقصة التي حملت اسم المجموعة (ضوء العشب)، تكشف عن بطولة ضائعة، لكلب أخذه التحدي إلى حتفه، أحالته أوساخ المزابل إلى لون لا بياض فيه، فالقصة لم تكن قصة (كلب بيوت، ولا كلب حراسة، ولا كلب رعاة، ولا كلب صيد، لم يكن كلبا أنيقا نظيفا مغسولا مترفا بطرا بنزواته، كان كلبا عاديا تائها ضالا متسكعا مما نرى مثله الكثير في أزقة المدن ودروبها وشوارعها وساحتها. لم يكن كبيرا و لا صغيرا، سمينا أو نحيلا مهزولا- ص13)، وقد حوت مجموعة القصص القصيرة على تسع عشر قصة قصيرة، أخرى، تنوعت فيها أدوات السرد باختلاف مضمناتها بالزمان والمكان.. حيث افترشت المجموعة بأبطالها المختلفين الطيبين والشريرين، واختلطت الحقائق والأكاذيب، بالفاضلين والماجنين، بكل ألوانهم التي كشفت عنها القصص، التي اعتمدت الإيقاع البطيء لسمفونية الزمن حيث جرت عليهم السنون وخلفتهم في عربات الحياة تعبون من مشوار ترحالهم، ومن بعد بدت عليهم علامات الزمن الثقيل الذي تكدس في المآقي، وبدت على وجوه إبطال القصص عراقيتها وعراقتها حيث توضحت قسماتها، وابيض من الشعر ما كان اسودا.. قصص حوت جمالا وصفه الكاتب بتمكن العارف لأنها حكايات زمن ثقيل بانت من بعد أن مات من كان حيا تاركاً وراءه دورة أخرى مكللة بضوء العشب. فـأصبحت (العين إنسانية حين أصبح موضوعها موضوعا اجتماعيا مصدره ومصيره الإنسان- هيكل). كما قصة (الوليمة) تعوّل على فضاء المكان وتمضي كحكاية للتذكر البعيد، (صدى السنين الحاكي) وللأمكنة التي لم تنسها الذاكرة، ويبقى هدفها أن تتعقب الذكريات خطوات الحوادث، وتمشي الهوينى على مساحات الحلم في مدينة (الموصل)، وبالذات حي (القليعات)، في محلة (الشهوان) ومحلة (الكوّازين) حيث الأزقة الملتوية الشاحبة بظل العتمة والرطوبة- ص27)، وقصة (القناص - ص58) بدلالة اسمها عن رجل يقنص بكاميراته، فنان يحترف التصوير، يتصيد ما سوف يفلته الزمن، والصورة تبقى محتجزة ضمن لحظتها، ولكن إنسانها تبلغ به السنين عتيدا، فيتهدم ما كان وتبقى الصور قابضة على سرّ القوة التي تحولت اليوم إلى وهنًّ، وبفطنة يعطي القاص اسما لمكان موجود مرسخا (يقع في بداية شارع الدواسة)، ومؤكدا واقعيتها لتصبح حكاية ممتعة تجذب انتباه القارئ، وتترك أثرا عميقا تكشف عن الطبيعة البشرية، (إن هناك لحظات عابرة منفصلة في الحياة، لا يصلح لها إلا القصة القصيرة لأنها عندما تصور حدثًا معينًا لا يهتم الكاتب بما قبله أو بما بعده- موباسان)، فالقص لدى (أنور عبد العزيز) ظاهرة إنسانية، مكثفة، تخلص مسيرة تتشابك جمل سردها لتكشف عن شفافية عالية كونها قصص مقتدرة تعطي القارئ تشويقاً جميلا، كصور جلية (القصة: نص أدبي نثري تناول بالسرد حدثًا وقع أو يمكن أن يقع)، كما في (ارض الفستق-ص181)، (وادي الليل – ص97)، (القطط ص83)، و(الضبع- ص 20)، قصص تروي سير الحارات الشهيرة، والأزقة الضيقة، والدروب الفضفاضة، مجملها حكايات استطاع بها القاص باقتدار؛ التدوين في مدونة الزمن العظيمة، فهو المبدع المقتنص بهذه القيم الإبداعية الهامة، من المواقف العابرة، ويعيد بلورة واكتشاف مناطق حساسة من ذكرياتنا البشرية، ربما تكون مهملة في ذاتنا وفي حياتنا الآنية، لتبرز من بعد نحتت بأزميل فنان مقتدر، وقاص عراقي معطاء.




‏الاثنين‏، 12‏ حزيران‏، 2006
[1] بن رشد: تلخيص كتاب ارسطوطاليس فن الشعر.
 Posted by Picasa