١٠‏/٠٥‏/٢٠٠٦

الصامت بالدال

ابراهيم الخياط


امس
شرب الكأس المقموعة
من تأمله
ثم نام
دون كلام

***
كل يوم
يعبر النهر الغريب
يتعامدان
ضلعين في صليب
***
لطيفاً
يطرق انية النفوس
مرة بصمت
مرة
بعبوس
***
هو باحة العصافير
مصواتها الكتوم
فبعد ان قال
ماذا يقول؟ ماذا يروم؟
***
اتى بحمام السطوح
علمهن هديلاً صامتاً
فوق سعفات الجروح
***
الى نبي غير ذي جاه
منح بوحه
وصمته
***
رايته ـ دهراً ـ
لايغادر مبصرته الحنونة
ربما
نسي في دموع الناس
عيونه
***
القول ما باح
لكنما صمته
بالف عاشوراء ناح
***
لعقود استنشق من رئة الاوراق
فدونت اصابعه الناطقة
صمت العراق
***
وكذا صامتاً
القى عصاه الرفيقة فقالت:
ـ تسيل روحي،
لو قطرة من مائك الاحمر
سالت.
 Posted by Picasa

٢٦‏/٠٤‏/٢٠٠٦

بعقوبة Posted by Picasa
بعقوبة
مجلة ثقافية
اسسها ويصدرها
محمد الأحمد
من مدينة بعقوبة
 Posted by Picasa


قراءة
(( فوضى الحواس ))
رواية تسبح ضد التيار



بقلم :كليزار أنور

هناك ثلاث خطوط حمر يقف قلم الأديبة عنده 00 ( السياسة ،الجنس ، الدين ) وعليها أن لاتتجاوزها .ثالوث عجيب يزلزل ركود الزمن من حولنا ..وعلى المرأة أن لاتقترب منه ! لكن ،الروائية أحلام مستغانمي استطاعت –وبجرأة نادرة – أن تدخل المناطق المحرمة في غابة المجتمع الشائكة!
أهم ما يجب أن يتميز به الروائي ..هو أن يجيد التعبير عن نفسه وأبطاله وباقناع تام ،ويدرك مساحة أحزانه والآخرين ،ويفهم صعوبة ما يحلم ويحلمون !
"فوضى الحواس ".لغة تسري فيها أنفاس الشعر ،لغة حسية مليئة بنغمات العالم أجمع .سرد عميق ،شاعري ،حزين ،موجع حد الألم .سياسة ،حب ،حرب ،خيانة ،تطرف ،جنس ..كل ما يحمله المجتمع العربي من فوضى وتناقضات لم ولن تنظم ذات يوم !
الرواية تبدأ بقصة قصيرة كتبتها قاصّة ذات مساء ، وأسمتها " صاحب المعطف " بعد انقطاع سنتين من الكتابة . أي دافع يقودها نحو الكتابة ثانيةً ؟ أيعقل ما بررته بعثورها على دفتر –غلافه أسود – في مكتبة بائسة .. واقتنعت أو توهمت بأنه هو الذي سيعيدها الى الكتابة !
القصة – باختصار – هي لقاء يجمع بين حبيبين افترقا لمدة شهرين . لكنه ، الحنين . وتبدأ حرب اللغة بينهما .. كر وفر .. وكلاهما لايعلم ..بأنه ..في الحب ..ليس هناك منتصر أو مهزوم!
" قبل هذه التجربة ، لم أكن أتوقع ، أن تكون الرواية اغتصاباً لغوياً يرغم فيه الروائي أبطاله على قول ما يشاء هو ، فيأخذ منهم عنوة كل الاعترافات والاقوال التي يريدها لأسباب أنانية غامضة ، لا يعرفها هو نفسه ، ثم يلقي بهم على ورق ، أبطالاً متعبين مشوهين ،دون أن يتساءل ، تراهم حقاً كانوا سيقولون ذلك الكلام ، لو أنه منحهم فرصة الحياة خارج كتابه؟" ص28 .


من هنا قررت كتابة " رواية " وعزمت النيّة على ارغام – هذا الرجل – صاحب المعطف على الكلام .. وجلست الى دفترها من جديد لتواصل الكتابة ، وكأنها ما توقفت بالأمس عن كتابتها ووضعت لها نقطة النهاية ! وتبدأ من نفس النقطة التي انتهت منها والتي كانت سبب فراقهما أول مرة حينما اعتذرت عن مرافقته لمشاهدة فيلم !
" وقبل أن تسأله عن أيّ فيلم يتحدث . واصل :
- أتدرين أنه ما زال يعرض في القاعة نفسها منذ شهرين ؟ انهما عمر قطيعتنا . " ص 31.
وتذكر القاعة واسم الفيلم ، وعندما تعود الى الصحف مدققة في أسماء قاعات السينما تكتشف بأنه هناك فعلا" قاعة تحمل اسم ( أولمبيك ) اسم القاعة التي اختارتها . وتتفاجأ .. هل هو الوحي الذي يهديها لكتابة أشياء لا علم لها بها سابقاً " انه امتياز ينفرد به الروائي ، متوهماً أنه يمتلك العالم بالوكالة . فيعبث بأقدار كائنات حبرية ، قبل أن يغلق دفاتره " ص 34
وتذهب الى ذلك الموعد الذي أعطاه بطل قصتها لامرأة اخرى فقط لتختبر جرأتها على أخذ الكتابة مأخذ الحياة ! تذهب متأخرة بربع ساعة .. والقاعة ليس فيها سوى الشبان الذين جاؤوا لاهدار الوقت في قاعة السينما وتجد في آخر القاعة رجل وامرأة .. توقعت انهما " بطلاها " .. وتجلس خلفهما بالضبط كجاسوس !
وتتابع قصة الفيلم .. ويأتي رجل آخر ويجلس بجوارها .. وحين تنحني متلصصة عليهما يسقط قرطها ، فتحاول البحث عنه وسط العتمة ، وإذا بولاّعة تشتعل بالقرب منها لتضيء لها المكان .. انه الرجل الذي يجلس بجانبها .. يجذبها عطره .. وتكف عن البحث عندما ترتفع نظراتها إليه ..يربكها تصرفه " الحب يجلس دائماً على غير الكرسي الذي تتوقعه تماماً ، بمحاذاة ما تتوقعه حباً . " ص 54 .
نسيت الفيلم .. وأمر العاشقيّن لم يعد يعنيها .. بدأت تتابعه هو .. وهو مستغرق في متابعة الفيلم !
وتغادر القاعة قبل ربع ساعة من نهاية الفيلم .. وتكتشف في البيت بأن القرط قد وقع في حقيبة يدها .. ولولا هذه الحادثة البسيطة لما انتبهت لوجود الرجل الذي يجاورها ، فكم من المصادفات الصغيرة لها القدرة على تغيير أقدارنا ! " منذ البدء ، أخذت بجمالية تلك العلاقة

الغريبة ، والمستحيلة ، وبذلك الحب الافتراضي الذي قد يجمع بين رجل من حبر وامرأة من ورق
، يلتقيان في تلك المنطقة الملتبسة بين الكتابة والحياة ليكتبا معاً ، كتاباً خارجاً من الحياة وعليها في آنٍ واحد ." ص 61 .
وتعود الى القصة التي كتبتها سابقاً ،باحثةً عن شيء محدد .. وكمن عثر على شيء أضاعه في البحر حين عثرت على اسم المقهى الذي ذكرته مصادفة في تلك القصة .
وتذهب الى مقهى " الموعد " . وتجده هناك .. يكتب على طاولة . ويأتي آخر ويرمقها بنظرة ودية كمن يعرفها . وعطره وحده دلها في عتمة الحواس عليه عندما اقترب منها يقدم لها السكر الذي أرادته من النادل .
وتدخل معه مغامرة على قدر من الغرابة بالنسبة لامرأة متزوجة مثلها . ترافقه حين يطلب منها الذهاب الى مقهى آخر أكثر هدوءً . ويذهبان ، وقبل أن تطرح أسئلتها .. يجيبها " يسألونك مثلاً ماذا تعمل ..لا ماذا كنت تريد أن تكون . يسألونك ماذا تملك .. لا ماذا فقدت. يسألونك عن أخبار المرأة التي تزوجتها .. لا عن أخبار تلك التي تحبها . يسألونك ما اسمك .. لا ما إذا كان هذا الاسم يناسبك . يسألونك ما عمرك .. لا كم عشت من هذا العمر.يسألونك أيّ مدينة تسكن .. لا أيّة مدينة تسكنك . يسألونك هل تصلّي .. لا يسألونك هل تخاف الله . ولذا تعودت أن اُجيب عن هذه الأسئلة بالصمت . فنحن عندما نصمت نجبر الآخرين على تدارك خطإهم . " ص79 .
نصبت الفخ لبطل قصتها لكنها وقعت هي في الفخ ، فها هو يعرف عنها كل شيء .. وهي لا تعرف عنه سوى ما توهمت به من خيال مطاردة جميلة لرجل وهمي خارج حدود الورق !
في الصفحة 135 نعرف بأن هذه الكاتبة اسمها " حياة " . حياة .. قاصّة .. ابنة شهيد مناضل .. ومتزوجة من رجل عسكري .. حول حياتها الى ثكنة عسكرية ! ليس لها سوى أخ واحد يصغرها بثلاث سنوات اسمه " ناصر " . حرب الخليج جعلته يتشتت ، فقد نام وهو من أنصار صدام حسين واستيقظ ليدافع عن الكويت ! تغيرت مفاهيمه بين ليلةٍ وضحاها . يعاتب اخته عندما يجدها ما زالت تكتب " ولأنك كاتبة عليك أن تصمتي .. أو تنتحري . لقد تحولنا في بضعة أسابيع من أمّة كانت تملك ترسانة نوويّة .. الى أمّة لم يتركوا لها سوى السكاكين .. وأنت تكتبين . وتحولنا من أمّة تملك أكبر احتياطي مالي في العالم ، الى قبائل متسولة في المحافل الدولية .. وأنت تكتبين . هؤلاء الذين تكتبين من أجلهم .. إنهم ينتظرون أن يتصدّق عليهم الناس بالرغيف والأدوية .. ولا يملكون ثمن كتاب .. أما الآخرون فماتوا . حتى الأحياء منهم ماتوا فاصمتي حزناً عليهم .. ! " ص 129 .
تغير ناصر .. تغير كثيراً .. غيرته خيباته الوطنية وانهزامات الأمة العربية .. وتحول فجأةً الى اصولي !
وتذهب برحلة استجمام نحو البحر .. إنها أجمل فكرة خطرت في ذهن زوجها ، وهدية قدر لم تتوقعها ! وتسافر مع فريدة ، لتقيم في فيلا زوجها التي اشتراها بدينار "رمزي " استناداً إلى نجومه الكثيرة كعسكري في الدولة الجزائرية !
وفي ظهيرة تخرج لوحدها لتشتري بعض الصحف .. وتلتقيه مصادفة هناك ويعطيها رقم هاتفه ويمضي .. وتتصل به متلهفة ، ويعطيها عنوان بيت .. وتذهب . ويحصل ما لا يستطيع قلمي ذكره – رغم جماليته ككتابة – وشعرت للحظة أن أدع الكتابة عن هذه الرواية الرائعة مكتفيةً بقراءتها واعجابي الشديد بجرأة الكاتبة المبدعة أحلام مستغانمي . آلمني ما موجود فيها من تمجيد للرذيلة والخيانة الزوجية – رغم انها موجودة كواقع في حياتنا – وأتساءل .. وأنا ما زلت روائية صغيرة عمراً وتجربةً بالنسبة إليها : هل هذا هو الهدف من الكتابة ؟ لستُ ضدها ، بل من أشد المعجبات باسلوبها وفنها المتميز ، لكن ليس بإمكاني أن أتجاوز الخطوط الحمر ، حتى وأنا أكتب ! لا أدري .. إنها مسألة مبدأ !
المهم .. لنعد إلى موضوع الرواية . وتأخذ لها كتاباً من المكتبة .. وتتفاجأ بأنهُ يحفظ إحدى رواياتها إلى الحد الذي يذكر فيه رقم الصفحة والمقطع السردي " يبدو لي إنني أتطابق مع خالد في تلك الرواية . ولكن لا خطر من إعارتك هذا الكتاب .. ما دام ليس ديواناً لزياد ! " ص 187 .
ويغادرها دون وداع .. يسافر إلى فرنسا .. ويعود .. ليس من أجلها ، بل من أجل الوطن . لا تتمالك نفسها وهي تجده في صورة مع " بو ضياف " على صفحة الجريدة . تهاتفه .. تسافر من قسنطينة – محل إقامتها – إلى العاصمة لتقابله في تلك الشقة " الحب أن تسمحي لمن يحبك بأن يجتاحك ويهزمك ، ويسطو على كل شيء هو أنتِ . لا بأس أن تنهزمي قليلاً .. الحب حالة ضعف وليس حالة قوة . " ص261 .
وتكتشف بأنه يوقع مقالاته باسم " خالد بن طوبال " بطل روايتها " ذاكرة الجسد " ويكاشفها بالحقيقة .. بأنه مجرد صحفي أراد أن يتعرف إليها بحجة إجراء حوار لجريدته . وفي نفس يوم صدور كتابها يتعرض لحادث تُشل فيها ذراعه ، وفي فترة النقاهة يقرأ روايتها .. ويذهل ، فكم يشبهه بطل الرواية " خالد بن طوبال " وفي كل شيء !
" – لقد تواطأ الأدب والحياة ، ليهديا إلينا قصة الحب التي هي من الجمال بحيث لم يحلم بها قارئ وكاتبة قبل اليوم . أنتِ نفسك كروائية تجاوزتكِ قصتنا لأنها أغرب من أن تجرؤي على تصورها في كتاب .
- أعترف بأني ما كنتُ تصورت أمراً كهذا . برغم كوني حلمت دائماً بقارئ يأتي ليقاصصني بكتاباتي . " ص325 .
ويالسخرية القدر أو سخرية الكتابة ، فمن التقت به في قاعة السينما هو ليس هذا الرجل الذي أحبته ، بل صديقه عبد الحق – وهو صحفي أيضاً – والشقة هي ليست له ،بل لعبد الحق .. والكتاب الذي أخذته من المكتبة لتهتدي به إليه من خلال التأشيرات ليس له ، بل لعبد الحق !
وبالصدفة .. تقرأ في جريدة الصباح " وداعاً .. عبد الحق " ! فقد اغتالوه ! وتذهب للمقبرة لتشيّعه .. تلبس نفس الثوب الأسود الذي كانت ترتديه يوم التقيا في قاعة السينما وفي قهوة "الموعد " . لم يكن معها سوى دفترها الأسود الذي كتبت فيه هذه الرواية الغريبة ، الجميلة .. حد السحر !
لم تبكِ .. غادر الجميع .. وبقيت وحدها .. وضعت الدفتر الأسود على كومة التراب .. ومضت دون أن تلتفت إلى الوراء !
" أكانت تتحرش بالحياة ؟ وإذا بالحياة تعيد إصدار كتابها ، في طبعة واقعية ، وإذا بها القارئة الوحيدة لنسخة مزورة تكفّل القدر بنقلها طبق الأصل عن روايتها ، بعد أن أدخل عليها بعض التغييرات الطفيفة في الأسماء ، أو في تسلسل الأحداث ، كما في كل السرقات الأدبية ! " ص 364 .
وبالبداية نفسها تنتهي الرواية ، فها هي تذهب لمحل لبيع القرطاسية – كما فعلت قبل عام – وربما يثير انتباهها دفتر له غلاف أسود أو أحمر أو أصفر . وتترك الرواية مفتوحة لبداية رواية اخرى !
رواية " فوضى الحواس " ملأت أعماقنا بالحزن واللوعة والدهشة . ونكتشف ونحن ننتهي منها إننا كنا أسرى هذه الكاتبة المبدعة التي علّقت أجراساً للأحداث ووضعت القوافي لعباراتها ، فكانت أشبه بقصيدة !

* " فوضى الحواس " . رواية للكاتبة أحلام مستغانمي . صدرت عن دار الآداب / بيروت / الطبعة الثامنة / 1999 .
www.postpoems.com/members/gulizaranwar




 Posted by Picasa
مع زياد من جريدة الصباح Posted by Picasa

٢٢‏/٠٤‏/٢٠٠٦


عبقرية ماريو بارغوس يوسا
mu29@hotmail.com
يعتبر الروائي الأكثر دهاء المولود في (البيرو) عام 1936م، في ولاية (اريكيبا)، والذي حقق حضوراً لافتاً بعد نشر روايته الأولى (المدينة والكلاب 1963) التي ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة بعد أن فازت بجوائز عدة، وأيضا كاتب مسرحي، مواضيعه تَركز على حقيقة الحياة في (بيرو)، ويَعْكسُ قلقَه للتغير الاجتماعي، ويناصر المعارك ضدّ الفسادِ. كتب رواية (وقت البطلِ 1967)، وكشف فيها كيفية تجنيد بعض الضباط للعمل في المؤسسات الاستعمارية السرية، للقيام بانقلابات عسكرية لصالح القوى العظمى، وكان يقرّ بان الرؤساء هم أول من يخونون البلد كلما استشرى الفساد الإداري في المرافق الحكومية.. ثم جاءت رواية (حديث في الكاتدرائيةِ 1975) المثيرة للجدل، والتي فضح فيها بعض رجال الدين عندما تكون مصالحهم فوق مصلحة من يناشدون باسمه، فكلما توغل القارئ، ينجذب إليه، ويرغب ببقية كتبه، فكتابه غزير المعلومة، دقيق التحديد، شامل التخصص، حصل (يوسا) في العام 1994م (جائزة سرفانتس للآداب) وهي أهم جائزة تمنح للآداب الناطقة بالاسبانية، وكتب مجموعة روايات مهمة أشهرها رواية (حفلة التيس)، رواية (من قتل بالومينو موليرو)، وحظيت روايته (البيت الأخضر) بالنجاح نفسه، ثم تتالت أعماله الروائية ومن أهمها: رواية (بانتاليون والزائرات)، ورواية (حرب نهاية العالم)، ورواية (قصة مايتا)، ورواية (امتداح الخالة)، ورواية (دفاتر دون ريغوبيرتو)، كما كتب عدداً من الدراسات النقدية منها (ماركيز: قصة محطم الآلــهــة) و(المجــون الأبــدي: فلوبير ومدام بوفاري)، وسواها من الدراسات المهمة التي جلبت له الشهرة الواســعة ومنحته مكانة رفيعة في عالم الإبداع والنقد. وله أيضا مجموعة من المسرحيات التي لم تقل شهرة عن بقية انجازاته، مثل؛ مسرحية (العمّة جوليا وكاتب النصوص، 1982)، ومسرحية (الزوّار 1988)، و كتابه الأخير (يوميات من العراق) وهو رحلة قام بها مع ابنته المصورة الصحافية (مورجانا) استمرت اثني عشر يوماً فقط، قام بها إلى العراق، بدأت في 25 حزيران وانتهت في السادس من تموز 2003م، ورغم أن هذه اليوميات التي جمعها (يوسا) وصدرت في الأسبانية أواخر العام الماضي، لاقت اهتمام العديد من وسائل الإعلام العالمية. ولكن الكتاب الأكثر شهرة من بين كتبه هو (رسائل إلى روائي شاب)، والذي يعد اليوم من أهم كتب النقد الأدبي، وقد افترض فيه بان كاتبا شابا يريد النصيحة، يراسله ويرد عليه (يوسا) بشكل رسائل مليئة بالتشويق، وزاخرة حتى يصبح الشاب كاتبا ناجحا في المستقبل، فكان عليه أن يتعلم جيدا، من اكبر أساتذة عصره، وأكثرهم معرفة وتواضعا، وتأكيداَ بأن (من يدخل الأدب، بحماسة من يعتنق دينا، ويكون مستعدا لأن يكرس لهذا الميل، وقته وطاقته وجهده، هو وحده من سيكون في وضع يمكنه من أن يصير كاتبا حقا، وأن يكتب عملا يعيش بعده)، فلا عجب من شخص، بحضوره، وبما أنجز من روايات لن تنسى، يمضي بتواضع العارف مهيمنا على قارئه، لا يتركه إلا بعد أن أعطاه أمثلة حياتية، في غاية التبسيط، لأجل أن يفحم قارئه، ويجعله مستوعبا الدرس البليغ، وهو أهم ما تمتلك الرواية من أسرار، ويحوي كشفا كبيرا على روايات بديعة لا يمكن لأي قارئ إلا وان تعرف على مبدعيها، فالكتاب يدخل في مفاصل الإعمال الروائية العظمية، تلك الروايات العظمية التي وصلت إلى مختلف اللغات بلا استثناء، وكتاب (يوسا) يحوى فصولا نقدية في غاية العبقرية، وبالغة الثراء، (أن الكاتب الذي يخدم أي حقيقة أخرى، غير التي يجب اكتشافها، هو كاتب غير ناجح)، كأنه وجد للكتاب الذين يريدون معرفة مستوى ما أنجزوه بين الراويات التي تملا الرفوف. فبوبَّ تلك الرسائل بأهم ما يهم به الروائي تجاه قارئه. امتدت تلك النصائح إلى اثنتي عشر رسالة، يغلب عليها العطاء المتواصل في الأدب الروائي وغوامضه، وكأنه يرشده معوضا عليه ما فقده الروائي في الرحلة المضنية، حيث لم يجد الروائي من يرشده، وقد بقي لوحده سنينا مضنيا في القراءة والدرس ليكتشف كل تلك الاضاءات وحده. يقول (يوسا) في كتابه (رسائل إلى روائي شاب): (إن الأدب هو أفضل ما تم اختراعه للوقاية من التعاسة)، فظل (يوسا) يكتب عن الرواية باختلاف بين كتبه كل النقاد. على شكل رسائل، مختلقا فيها الأسئلة المتتابعة، وملتقطا الزوايا الخفية في روايات أكثرها وصلتنا الى العربية بأيدي مترجمين محترفين، وأخرى ربما لا نعرفها. (النصيحة التي تصيره كاتبا، محاولا التأكيد في الأساس، على شرط وجود –الميل- الأدبي لدى الروائي الشاب طالب النصيحة، وهو ميل أقل أبهة وغيبية عما يقدمه التفسير في أيامنا، كما انه استعداد فطري ذو أصول غامضة يدفع إلى الانخراط فيه، وكتابة القصص أملا في تحقيق الذات والانسجام مع النفس، وتقديم الأفضل، دون الإحساس بتبديد الحياة، إن منشأ الاستعداد المبكر لاختلاق كائنات وحكايات، والذي يشكل نقطة الانطلاق في ميل الكاتب، هو التمرد ورفض الحياة كما هي، والتمرد عليها، واستبدالها بما تصطنعه المخيلة والرغبة)، فالمعروف بان (يوسا) كان احد ساسة بلده، خلف نظام (مانويل) كرئيس لبلده (1948-1958م) ولكنه خسر كرسي الرئاسة في بلاده (1973م)، وكسب جمهورا غفيرا من القراء في كل أنحاء العالم، وكان من أهم الرسائل التي تناولها ما يلي: (قطع مكافئ للدودة الوحيدة، الكاتوبليباس)، (القدرة على الإقناع)، (الأسلوب)، (الراوي- المكان)، (الزمن- مستوى الواقع)، (النقلات والقفزات النوعية)، (العلبة الصينية)، (المعلومة المخبأة)، (الأواني المستطرقة- على سبيل الوداع). (يسأل القارئ يوسا في الخوف من أن ينذر الكاتب نفسه لخدمة الحقائق المعروفة فيكتبها وهي مكشوفة أمامه) يُرسل بعقل منفتح ما يؤرقه ككاتب له تجربة فذة في الكتابة تحمل سجالا، مُنيرا زوايا الرواية الخفية، ليختار أمثلة، من روايات لا تخلو مكتبة بيت منها، في روايات نعرفها وأخرى لا نعرفها، وهي بلغت اثنتي عشرة رسالة تحت عناوين مختلفة تدور بكلها حول الشكل الروائي بهيئته التي تبقى خالدة في الذهن، متمنيا على قارئه في الرسالة الأخيرة نسيان كل ما قرأه في رسائله إليه، والبدء، دفعة واحدة، بكتابة رواية ويجرب بها ما يريد تجربته، كون كل عقل خلاق يعرض تجربته، لأجل أن يضيء الطريق المظلم وسط أحراش الكتابة الشائكة. كتاب (يوسا) يحمل أفكارا تفتق الإبداع إلى منتهاه، لأنه يسير بثقة العارف الواثق في الطريق الحق، مستكشفا، و متحسسا طريقه بجهد ليكشف بعض الجوانب المجهولة للرواية المهمة، أفكاره سلسة، أسلوبه فريد، صاغها كأدب رسائل، فأدرج باقتداره الخارطة الإبداعية لوطنه والبشرية جمعاء، القارئ يسأل، و (يوسا) يقرا أفكاره فيجيب عن السؤال تلو السؤال، وكلما توغل الكاتب القدير في إثبات براهينه، يثبت لنا صورة (يوسا) الشجاعة والمؤثرة والمفيدة، المثيرة للجدل، عن صنعة الرواية في متاهاتها المستعصية الضبط. فكلما دققنا في الرسائل باهتمام اكبر، تكون الإجابة مستحيلة، فالرواية فن مفتوح التجارب، صار اليوم يحوي العلوم المليئة بالدرس الخصيب، و تكون الرواية معطية معلومات متواصلة في المكان الذي تركز الضوء فيه، فالرواية الحق غير محجوبة الحقيقة، مؤكدة، وثابتة المفاهيم، (قابلة للتأكيد سوى في بعض السلوكيات الشكلانية الكتابية التي يكاد يجمع عليها الكتّاب، وتسمح بإزالة كل الأوهام المسبقة في كتابة ذات أسس واضحة). أتمّ مؤكدا في معظم فصوله؛ على الإحاطة بملامح الأسلوب، (علينا استبعاد فكرة السلامة اللغوية. فليس مهما في شيء، أن يكون الأسلوب سليماً أو غير سليم، وإنما المهم هو أن يكون فعالا، ومناسبا لمهمته، وهي نفخ وهم بحياة، بالحقيقة، في القصص التي يرويها. هو تعريف يقارب في حضوره، قطف لحظة شعرية أكثر منها روائية)، وكذلك (بدلا من البحث عن الرواية المختفية في وراء ما، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل). وبتواضع المقتدر لم يضرب مثلا تطبيقيا (يوسا) واحد من النماذج التي كتبها، فمثل شخصية النحيل عازف الكيتار القتيل، (بالومينو موليرو)، كانت مرسومة بدقة سردية مدهشة، وصارت حية اكتست لحما ودما من خلال حركة شخصيات أخرى في الرواية كـ(ليتوما) مرافق (الملازم سيلفا) الذي عشق (دونيا ادرينا) وتحديه لها، لكشف جريمة قتل قامت بها (الأسماك الكبيرة- المتحكمة بمصير البلد) بحق الكولونيل (مندريا)، وابنته (اليسا)، لقد استدرج قارئه إلى نتائج جهنمية، لتبقى أسئلة الكاتب غير قلقة، وغير مرتابة. كلها تشير بثقة إلى الفعل ونتائجه، و تحمل قارئها رغبة بالتواصل؛ تلك الاضاءات من (يوسا) فرضها ميل علاقة الكاتب ومهنته، بكل كيانه، وما يفعله.

‏الاثنين‏، 17‏ نيسان‏، 2006

٢١‏/٠٤‏/٢٠٠٦



قصة قصيرة
المفتاح الذهبي
بقلم : كُليزار أنور

كاتبة عراقية
لم أسعد بشيء مثلَ سعادتي بهدية جدتي التي أهدتني إياها يوم تخرجي . نادتني في غرفتها .. وأخرجت من صندوقها القديم ، المزخرف سلسلة ذهبية يتدلى منها مفتاح صغير .. كانت رائعة ، فنطقت مندهشة :
_ الله .. ما أجملها !
_ استعمليها .. كتعويذة .
طلبت مني أن أستدير .. طوقت عنقي بها ، فركضت نحو المرآة .. وضعتُ يدي على المفتاح الذهبي لأتحسس جمالهُ على صدري .. قلت مُمازحة :
_ هل بإمكانهِ أن يفتح شيئاً ؟!
_ ربما ! فقد تحتاجينهُ يوماً .
* * *
سنون مضت على تخرجي . جدتي ماتت ، ولحقها أبي . وبعدها تزوجتُ من رَجلٍ يحبني وأُحبه .. جمعنا تخصصنا بادئ الأمر . وبينما كُنا منهمكين بالعمل ذات صباح .. وجدتهُ يحدق في صدري .. استغربت تصرفهُ ، لأنهُ من النوع الملتزم .. لم يفعلها لا معي ولا مع غيري من الزميلات ، فقلت :
_ ماذا هناك ؟!
رد بنبرة متعجبة :
_ المفتاح !
_ أي مفتاح ؟
_ منذ أول يوم رأيتكِ فيه ورأيتُ مفتاحكِ هذا وأنا لا أتمالك نفسي أمامك .
ضحكتُ من كلامهِ وتذكرتُ ممازحتي مع جدتي ، فها هو يفتح لي قلباً ظننتهُ مغلقاً ! لا يمكن أن أتصور ولو للحظة بأن المفتاح هو السبب في ارتباطي ، فمن الطبيعي ، والطبيعي جداً _ ويحصل كثيراً ومعَ غيري أيضاً _ أن أعمل في مكانٍ ما ويحبني زميلي ويقرر الارتباط بي .. وللزمالة _ دوماً _ الدور الكبير في جمع اثنين تحت سقفٍ واحد !
جمعنا النصيب رغم اننا كُنا طرفيّ نقيض .. غربٌ وشرق ، شمالٌ وجنوب ، موجـبٌ
وسالب .. نختلف في آرائنا ومبادئنا وأفكارنا ، ونتفق في محبتنا واحترامنا ووفائنا لبعضنا . وفي كثير من الأحيان .. إن أردتُ شيئاً معيناً فأني أقول عكس ما أُريد لأني متأكدة بأنهُ سيناقضني بالرأي ، وهذا التناقض ما كنتُ أُريدهُ بالأصل !
لو نظرنا إلى أي نهر سنجد أنَ الضفة اليمنى مختلفة عن الضفة اليسرى ، وبكل شيء .. هكذا كُنا أنا وهو .. ضفتان مختلفتان ، لكن .. لنهرٍ واحد !
* * *
أرى من بعيد قصراً كبيراً ذا أسوارٍ عالية .. أسير نحوه انهُ أشبه بقصور بغداد في ( ألف ليلةٍ وليلة ) . حينَ وصلت ، مشيت حول السور بحثاً عن البوابة .. وحينَ وصلتها وجدتها مغلقة. فتشت بنظري كل جوانبها ، ولم ألمح سوى باب صغير في الزاوية اليسرى ، وفي هذا الباب ثقبٌ صغير . تذكرت كلام جدتي : " ربما تحتاجينهُ يوماً ! " .
فتحتُ سلسلتي من رقبتي وأخذت المفتاح ووضعتهُ في ثقب الباب الصغير .. دخل .. أدرتهُ يميناً .. وفتح .. دفعتهُ ، فانفتحت البوابة الكبيرة .. ودخلت .
امتدت أمام ناظري حدائق غَناء متناسقة بألوانها وأشجارها وثمارها .. أشبه بحدائق ( قصر فرساي ) . مشيت .. مشيت ودون أي خوف أو رهبةٍ من المكان . دروب تقودني إلى دروب أجمل . كنتُ أسير وحدي .. لا يجرح صمت المكان سوى تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمام .
وتظهر القبب الحجرية والسقوف المزخرفة بالقرميد الأخضر والأحمر . تهب نسمة خفيفة ، فأسمع حفيف أوراق الشجر . أُتابع الدرب لأصعد ممراً مرصوفاً بالأحجار الملساء .. أمشي بهدوء وحذر ، مثل مَنْ تسير حافية .. وتستقبلني ساحة حجرية يحيط بها أشجار اللوز الأخضر المثقلة بأحمالها .. في وسطها نافورة تنثر دموعها حكايا زمنٍ مضى ! تعبت قليلاً ، فجلست على مقعدٍ حجري تحت ظلال شجرة البنفسج التي تبعث بشذاً يعبق المكان بطيبه .. أتنفس بعمق ليتغلغل إلى أعماق الروح . أضع يدي على المفتاح وأتذكرهُ .. يا ليتك معي الآن . قلت مع نفسي بصمت : أينَ أنت يا .. .. .. ، وقبل أن أهمس باسمهِ غمرتني موجة فرحٍ وأمان وأنا ألمحهُ قادماً نحوي . واستغربت وجوده . ولم يسألني ما الذي أتى بي إلى هنا . مضينا معاً نتجول في القصر الخالي . لا شيء سوى صوت السكينة وجدران صامتة تخفي وراءها حكايا صعب علينا أن نفهمها ! وجدنا الأبواب مفتوحة ، فدخلناها .. قاعة تقودنا إلى أُخرى .. ثرياتها عناقيد ضوءٍ متدلية .. تُزين جدرانها العالية لوحات فنية كبيرة وثمينة .. رأيتُ الموناليزا لدافنشي وبورتريه لسلفادور دالي وتحتها بالضبط لوحة لفائق حسن . أدهشني ذلك الأثاث الفاخر وتلك الشمعدانات الضخمة المضيئة .. وتساءلت : ليسَ من أحدٍ هنا . إذنْ .. مَنْ الذي أوقد شموعها؟!
القصر الصامت يتحدث عن حياة عامرة ، مترفة كانت هنا ! وكأنهُ كانَ مسكوناً وغادره أهله قبل أن نصل بثوان !
ومثل ظل يظهر إنساناً .. نمشي نحوه .. يخرج من الباب .. نتبعه .. لا أحد هناك ! استقبلنا موكباً من الفراشات الملونة .. جريت نحو أكبرها غير مصدقة وقلت : ياه .. ما أجملها . ولم أنتبه للغصن النافر من شجرة التفاح ، فاصطدمت به .. ولم أنتبه بأن السلسلة انقطعت من عنقي وانجرحت يدي . أخرج منديلاً من جيبه ليربط به معصمي .. وحين رأيتُ منظر الدم شعرت بالإغماء .
أسمعهُ يناديني :
_ شيلان .. شيلان .
لكني لا أقوى على الرد .. وسمعتهُ مرة أُخرى :
_ شيلان .. شيلان .
فتحتُ عينيّ بصعوبة .. وجدتهُ أمامي :
_ ما بكِ .. استيقظي .. تأخرنا على الدوام .
أينَ أنا .. هل كانَ حُلماً ما رأيت ؟؟ تحسست السلسلة في رقبتي .. لم أجدها .. وانتبهت بأن معصمي مربوط بمنديلٍ أبيض . ناديته ، فأجاب من المطبخ :
_ إني أُهيئ الفطور .
نهضت من السرير وقصدتهُ مسرعة .. رفعتُ يدي إلى جيبِ قميصهِ .. قال باستغراب :
_ ما بها يدكِ ؟ ومتى ربطتها بمنديلي ؟ كم بحثتُ عنه !
لم أرد .. أدخلتُ أصابعي في جيب القميص الذي غسلتهُ وكويتهُ بالأمس قبل أن أنام .. تلمستْ رؤوس أناملي السلسلة .. سحبتها .. كلانا ينظر إليها بذهول .. واندهشت أنا ، فلم يكن معها المفتاح !
www.postpoems.com/members/gulizaranwar