٠٢‏/٠٨‏/٢٠٠٧


مـأزق المثقفيـن العراقييـن
الأصوليون أكثر قدرة على التكيّف مع العصر
سعد محمد رحيم
أجهز انقلاب (ثورة) 14 تموز 1958 (العسكري) على التيار الليبرالي الناشئ في العراق، دفعة واحدة، فأطاح بالدستور الدائم والحياة البرلمانية والحزبية، وحرية التعبير والصحافة، وهذه كلها لم تكن بأحسن حال، فكانت لها ثغراتها وأمراضها المستعصية، وتستند إلى أرضية سياسية واجتماعية قلقة وهشة، وجاء انقلاب 17 تموز 1968 (العسكري) ليجهز على التيار اليساري على دفعات، لا بالفتك بالحزب الشيوعي العراقي فحسب، بل بتصفية الخط اليساري القومي، حتى داخل تنظيم حزب البعث، ممهداً من حيث احتسب القائمون به، أو لم يحتسبوا لصعود التيار الديني الأصولي بتشعباته الطائفية. وحين سقط نظام صدام حسين، ودخل العراق عهد الاحتلال ومرحلة إعادة بناء الدولة على أسس ديموقراطية، كما يشاع، استيقظ العراقيون، ولا سيما المثقفين منهم، على حقيقة الضعف المريع للتيارين (الليبرالي واليساري) في الساحة السياسية العراقية. وهكذا أصبحت شريحة المثقفين عزلاء ومكشوفة الظهر، وتكاد تكون بلا سند سياسي واجتماعي. وباستعارتنا الاصطلاح من القاموس العسكري يمكن القول ان هذه الشريحة فقدت عمقها الاستراتيجي، محلياً وعالمياً، هي التي كانت مدعومة، أو على الأقل تشعر بذلك، من قبل ثلاث قوى رئيسة تستمد نسغها منها، هي:
1ـ اليسار العالمي مجسداً بالكتلة الاشتراكية والحركة اليسارية في الغرب وحركات التحرر في العالم الثالث. وقد وهن هذا اليسار كثيراً بعد سقوط الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشيوعي وتراجع حركة اليسار، عموماً، في أوروبا الغربية، وفشل برامج التحديث والتنمية والبناء والإصلاح السياسي والاجتماعي التي بشرت بها حركات التحرر في معظم بقاع العالم الثالث.
2ـ الطبقة الوسطى، أو البرجوازية المحلية الناشئة، التي تحدرت منها نسبة واسعة من شريحة المثقفين، والتي أفرزت، في الغالب، التيارين الآنفي الذكر (الليبرالي واليساري). هذه الطبقة جرى التنكيل بها خلال العقدين الأخيرين فأُفقرت وهُمشت وهاجرت من أبنائها، إلى خارج البلاد، الملايين.
3ـ الأحزاب ذات التوجه اليساري والليبرالي. فبعد أن كان المثقفون يشتغلون تحت المظلة الحزبية، أو بدعم مباشر أو غير مباشر من أحزاب معينة، قومية وشيوعية، وإذا بهم، بعد شحوب بريق تلك الأحزاب وانكفائها، يجدون أنفسهم في عزلة وضيق، كما لو أن سفنهم التي وراءهم احترقت فيما هم أضاعوا دليلهم الذي يرشدهم في المفازات المظلمة.
في مناخ كهذا، وأمام وقائع دراماتيكية مأساوية، وبعضها مخزية، يعيشها العراق الآن، يتخلق المثقف الهلامي الحائر والمصدوم، وبعبارة الدكتور حيدر سعيد (المقهور) بديلاً عن المثقف الحزبي. هذا المثقف تشوش ذهنه وتثقل روحه أسئلة وخواطر شتى، لا يعثر على إجابات لها، فتزيده إحباطاً ويأساً وإحساساً بالعجز والهامشية. فما الذي يمكنه فعله عدا الاستمرار بالاستغراق في عالم المثل والأوهام، وصب اللعنات على هذا وذاك، والحنق على الواقع الذي لم يتحول على وفق ما كان يشتهي؟!
أسئلة:
هل المطلوب، الآن، من شريحة المثقفين، أداء وظيفة تتجاوز النطاق الثقافي والإبداعي؟ وبوضوح أكثر؛ هل على المثقفين، الدخول مباشرة إلى معترك السياسة بعدّة الثقافة؟ وإلى أي مدى؟ هل عليهم توسيع حدود تجربتهم بعدّهم أفراداً في المجتمع ومنتجين لمادة ثقافية في الوقت نفسه؟ أم أن المسألة تفرض شيئاً أكبر، تفرض مأسسة للفعل والإنتاج الثقافيين؟ أتراهم (هؤلاء المثقفين) يمتلكون الاستعداد والإرادة والقدرة والمستلزمات ليتفاعلوا ويؤثروا من خلال مؤسسة أو مؤسسات طابعها ثقافي ولها امتداد في الحقل السياسي؟ هل باستطاعتهم أن يتحولوا إلى جماعة ضغط (لوبي) يحسب السياسيون حسابها، ويمكن للمجتمع، أو فئات منه، التعويل عليهم؟ وكيف؟ وهل المناخ العام، السياسي والاجتماعي والأمني، يوفر لهم الشروط والأرضية اللازمتين لتحقيق مثل هذا الأمر؟ وإذا اتفقنا أن طرق المثقفين وأساليبهم التي استخدموها في المرحلة الكولونيالية وعهد الاستقلال والحكم الوطني وزمن الحرب الباردة لم تعد تجدي في ظرفنا الحالي العاج بتناقضاته وصراعاته المعقدة وتحولاته السريعة فهل بمقدورهم (أي المثقفين) اجتراح طرق وأساليب ووسائل وأفكار واستراتيجيات تتوافق مع المتغيرات الصادمة، وأحياناً اللامعقولة، في بلدهم، ومع معطيات عصر العولمة والقطبية الواحدة وما بعد الحداثة؟ والسؤال الأهم، في هذا السياق، ماذا يريد المثقفون على وجه التحديد؟
ثم؛ هل ثمة هواجس مشتركة وحس مشترك، ومعاناة مشتركة، ومصالح مشتركة، وأفكار وتصورات مشتركة بالحدود الدنيا تجعلهم نسيجاً واحداً، أم أنهم ليسوا سوى (أنوات) مبعثرة يخضعون لاعتبارات وانتماءات ومصالح متباينة، وأحياناً متضادة، ولا يجمعهم جامع سوى الاشتغال في الحقل الثقافي والإبداعي؟
هذه الأسئلة وغيرها تضغط على أذهان كثر من المثقفين الذين يتملكهم اليوم شعور بالإحباط والمرارة، إذ يرون مراتع طفولتهم والأمكنة التي أسست ذاكرتهم، فضلاً عن أحلامهم وآمالهم، وأكاد أقول أوهامهم، تنهار وتُخرَّب أمام أعينهم من غير أن يستطيعوا فعل شيء. فواحدة من مآزق المثقفين الكثيرة هي أنهم مهددون في ذاكرتهم التي هي الجزء الأهم من رأسمالهم.
مثقفو الداخل والخارج
ليس من السهل إلغاء ذلك التباين المركب داخل مجتمع المثقفين العراقيين وقد جرى تقسيمه على وفق معيار البقاء في البلاد أو مغادرتها لتشيع تسمية (مثقفو الداخل ومثقفو الخارج)، أي بين من عاشوا داخل العراق إبان عهد صدام حسين وبين من تشردوا في المنافي، وحيث يبدو الأمر مفتعلاً من زاوية ما يتكشف عن تمظهرات وإفرازات من زاوية أخرى. فذلك التباين الذي قد يطال طرق الرؤية والمعالجة الفنية والفكرية وأشكالها وزواياها، يتخطاه إلى المزاج والوضع النفسي وجانب من القناعات، حتى ليكاد يحدث شرخاً في خريطة ثقافتنا المعاصرة، وعند بعضهم يتعمق ذلك الشرخ إلى حد مريع. وإنْ كنت أعتقد أن أحد أسبابه الرئيسة، فضلاً عن أسباب موضوعية كثيرة، يعود إلى سوء الفهم بين الطرفين أكثر من أي شيء آخر. وتتصل بالمعضلة السابقة معضلة مستجدة تتمثل في خروج عدد آخر، غير قليل، من المثقفين الذين حسبوا على مثقفي الداخل لأسباب أمنية أو سياسية أو معيشية فيما عاد عدد قليل (جداً) من المثقفين المنفيين إلى بلادهم، وهذا ما يضفي على خريطتنا الثقافية تعقيداً جديداً، أو قل فراغاً جديداً. فمساحة أخرى من الساحة تُخلى، يوماً بعد آخر، نتيجة الهجرة والهرب والتصفيات الجسدية. مساحة أخرى سرعان ما يندفع لاحتلالها جيش من الديماغوجيين وأنصاف الأميين والشعاراتيين وأشباه المثقفين والانتهازيين ومن لف لفهم، ناهيك عن الأصوليين المتعصبين الذين يمعنون فتكاً بتاريخ ثقافتنا ورموزها ومنجزها.
أما إنكار حدوث مثل هذا الشرخ الذي يضاف إلى شروخ أخرى تسببت بها صراعات الأحزاب والتيارات السياسية منذ نصف قرن أو أكثر، فهو، كما أحسب، من الأخطاء المؤذية. وللأسف ليس من الموضوعية وصف الشروخ والصراعات التي تتخذ عند بعضهم بعداً طائفياً أو عرقياً أو إيديولوجياً متطرفاً، بالتنوع الذي هو سمة كل بيئة ثقافية صحية وحية ومنتجة، بل ان الأمر لا يتعدى كونه نوعاً من التشرذم والتمزق واللاانسجام داخل تكوين شريحة المثقفين. فانعكاس تداعيات وإفرازات الصراعات السياسية والاجتماعية وإعادة إنتاجها داخل ذلك التكوين يفصح عن هشاشة وضعف وأمراض متوطنة، وعدم نضج مؤس، وبطبيعة الحال هناك استثناءات، لكنها غير قادرة على تغيير الصورة غير السارة بشكل مؤثر وحقيقي.
وبعد خروج المثقف الذي عاش في الداخل من خانق العهد السابق حيث المحرّم السياسي إلى مناخ آخر كان طابعه الحرية الواسعة، وأكاد أقول المنفلتة في البدء، نراه يختنق، راهناً، بمحرمات أشد ضراوة، حرّاسها بعض المؤسسات الدينية والاجتماعية، وبعض الجماعات التي لا تتتقن غير صناعة الرعب والموت.
مفارقة ما بعد حداثية!
ثمة مفارقة غريبة نلمسها في علاقة المثقفين الذين يدّعون التقدمية ويبشرون بالتحديث وبعالم ما بعد الحداثة وأحياناً بالعولمة مع عصرهم وعالمهم الذي يدافعون عن قيمه ومنجزه التقني والعلمي والثقافي والإبداعي، سواء بقبوله على علاته أو بروح نقدية. ويقفون ضد أولئك الأصوليين الذين يعادون التحديث والتقدم ويبشرون بالعودة إلى شكل للمجتمع والدولة يعتقدون أنه كان فاعلاً قبل قرون طويلة وبالمقدور استعادته الآن. والمفارقة هذه تتجلى في شعور المثقفين بالاغتراب في مجتمعهم وعصرهم وعدم قدرتهم على استخدام وسائله وأساليبه وتقنياته بفاعلية في نشر قيمهم وأفكارهم، فيما ينجح الأصوليون في هذا الجانب مستخدمين منجزات ما بعد الحداثة من ميديا ووسائط اتصال واستراتيجيات مبتكرة لتسويق معتقداتهم وأفكارهم والتبشير بنمط الحياة الذي يبغونه. أي ان الأصوليين باتوا أكثر حذاقة ومرونة في التكيف مع متغيرات العصر بما يدعم أهدافهم فيما يخفق المثقفون (الحداثويون) في عملية التكيف هذه. ففي الوقت الذي يتواصل الأصوليون مع شبكة الإنترنت، في سبيل المثال، مؤسسين مواقع خاصة لهم، لا تعد ولا تحصى، ويظهرون بالعشرات على القنوات الفضائية يومياً، نجد أن كثراً من المثقفين ما زالوا لا يتقنون التعامل مع جهاز الكومبيوتر وشبكة الإنترنت، ونادراً من يظهر منهم على الفضائيات لطرح وجهة نظره وأفكاره. فضلاً عن عدم استثمار تلك التقنيات في التواصل في ما بينهم بالطريقة التي تجعل منهم قوة ثقافية لها سلطتها في الحقلين السياسي والاجتماعي. في الوقت الذي تتم عملية الدخول الفعّال إلى الحقل السياسي والثقافي، اليوم، في أرجاء العالم المختلفة، عبر بوابة ثورة المعلوماتية والميديا.
صحيح أن الأفكار الأصولية تجد مرتعاً لها وقبولاً وسط الفئات الأقل ثقافة وتعليماً في الغالب وأنها تستفيد من انتشار أمية القراءة والكتابة والأمية الثقافية والأمية المعلوماتية، إلاّ أن هذا لا يسوّغ بأي حال إخفاق المثقفين، (وهم رسل التقدم والتحديث مثلما يدّعون)، في أن يكون لهم صوتهم المؤثر في الوسط الاجتماعي والسياسي. ولهذا لا يأبه رجال السياسة بما يقوله ويكتبه المثقفون في ما يحسبون حساب رجال الدين والدعاة وشيوخ الطرق الصوفية ورؤساء القبائل الذين غدوا فاعلين اجتماعيين وسياسيين مؤثرين أكثر من غيرهم.
وصحيح أيضاً أن سياسات العهود السابقة قد وسّعت من مساحة الأمية والجهل، وهذه المساحة تجعل من الديماغوجيين والشعاراتيين وأصحاب الأصوات الجهورية أكثر جاذبية وتأثيراً بينما لا يجد صوت المثقف العقلاني/ النقدي الهادئ والعميق صدى واستجابة. وإذ ظهرت شخصيات أصولية وعشائرية لها بعض المواصفات الكارزمية، لم تفرز الشريحة المثقفة العراقية، خلال العقود الأخيرة، من بين أفرادها، مثل هذه الشخصيات التي تكون لها حضورها وسطوتها الإعلامية والاجتماعية. فمع غياب المؤسسة الثقافية النشيطة والشخصية الكارزمية التي يمكنها تقديم خطاب ثقافي حضاري جديد يعكس النزوع العام للشريحة نفسها، و(مشروعها). (مع وضع كلمة مشروعها بين قوسين، لما تثيره من التباس في الذهن يُحيل إلى تراث المشاريع الفاشلة التي تبناها المثقفون في القرن العشرين، وربما منذ منتصف القرن التاسع عشر). أقول؛ مع هذا الغياب المزدوج يستحوذ على المثقف العراقي، اليوم، شعور باليتم والقهر والضياع.
فوضى العالم والبلاد
المثقفون، الآن، في موقف الذهول، فالعالم حولهم يتغير بسرعة هائلة ومجنونة، ويبدو للوهلة الأولى وكأنه ينقاد إلى الفوضى ويصعب التحكم به وإدارته، فهو عالم يتحول إلى قرية كونية صغيرة بفضل وسائل الاتصالات والإعلام الحديثة ويحقق فتوحات جبارة في الميدان العلمي والتكنولوجي من جهة، فيما يطبعه العنف والصراعات المحلية والدولية والتعصب والفوارق الطبقية غير المسبوقة في سعتها وحدتها وظلمها البيّن، وانتشار الأمية والجهل من جهة ثانية. أما داخلياً (عراقياً) فيبدو المشهد أكثر تناقضاً وتعقيداً وقتامة حيث المعطيات والمتغيرات والصراعات تتلاحق وتتداخل حد الفوضى ليقترب المشهد في جانبه الدموي من حدود الكارثة إن لم يكن قد تجاوزها. وفي مشهد كهذا يمكن تخيل صورة المثقف كائناً حائراً وعاجزاً عن الفهم، ومن ثم عن الفعل، يضرب أخماساً بأسداس، ويحس أنْ لا حول له ولا قوة، مهمشاً، لا يكاد يعرف موضع قدمه، ويكاد يفقد الثقة بنفسه، وأحياناً، إنْ لم تأخذه العزة بالإثم، قد يعترف بهذا كله. هذا المثقف لم يستطع بعد إنتاج خطاب ثقافي يستجيب لمقتضيات العصر ويرتقي إلى مستوى التحديات التي تواجهه وتواجه بلده. والذريعة أن ما يجري لا يترك له فرصة لالتقاط أنفاسه، والتأمل بروية وعمق، بفرض أن شرط إنتاج خطاب حقيقي هو توفر مثل تلك الفرصة، وهنا يتجلى واحد آخر من مظاهر مأزقه. ومع غياب الخطاب تتعثر مبادرات التنظيم المؤسساتي والعمل المشترك، فيما تُقابل المبادرات من أية جهة كانت لجمع المثقفين المشتتين في إطار منظم بالشكوك حيث تتلبس القومَ، في كل مرة، شياطين نظرية المؤامرة.
وحتى هذه الساعة، أخفق المثقفون في إيجاد آليات وتقاليد ولغة حوار، بعضهم مع بعض، وكأن كلاً منهم ينفخ في قربته الفارغة ولا يأبه للآخرين، وهم بهذا إنما يعكسون حالة حوار الطرشان التي تسم علاقة القوى السياسية العراقية في ما بينها، فيما يُقتل العشرات في كل يوم، في طول البلاد وعرضها.
ولأن المثقفين يشعرون بالعجز والفشل يصب بعضهم جام غضبهم على القوى الخارجية الاستعمارية والإمبريالية، ويلتفت بعضهم الآخر إلى المجتمع الذي يصفونه بالأمي الجاهل والمتخلف الذي لم يفهم خطابهم، ويمارس بعضهم الثالث جلد الذات من خلال اتهام المثقفين أنفسهم بما أصاب البلاد والعباد وتقريعهم وتحميلهم المسؤولية، جزءاً أو كلاً. فيما يرمي بعض قليل إلى مراجعة التجربة السابقة برمتها برؤية نقدية تاريخية عميقة وصريحة، ومواجهة الذات بشجاعة ومن غير مواربة، أو بعبارة أخرى إخضاع هذه الذات (الفردية والجماعية) معتقدات وممارسات، أي مجمل التجربة الفكرية والسلوكية لها، إلى التحليل والتفكيك النقديين، قبل الإقدام، أو على الأقل مع ولوج معترك الفعل الثقافي والسياسي على أرض الواقع. وهؤلاء، كما أشرنا، للأسف، قلة قليلة، ولكنهم مصممون حيث يتسع نطاقهم ودائرة تأثيرهم يوماً بعد يوم، وإنْ كان ببطء. فهل لنا أن نتفاءل؟

غياب الزمن ومتن الحكاية في قصص زمن ما كان لي..
بلاســـم الضاحي

تمهـــــــــيد :
ساهمـــــل الظواهـــــــر المتمـــــيزة إبداعيـــــــا، بقصد، والموزعـــــــة بحضـــــــور مــــهم على مساحات، النصوص واشــــــتغل على ما أجــــده منخفضا فنيا، منطلقا من النص، مســــتفيدا مــن مفــــردة ( الزمن )، التي وردت في عتبـــة العنـــوان والتي تشـــظت إلى عناوين ثانوية فرضت هيمنتها كبؤرة دلالية تقود القارئ.. للدخول من خلالها نحو ماهيات النص .
الانعكاسات الذاتية على النص :
ربما لمزاملتي ومعرفتي الشخصية بتفاصيل حياة القاص المثابـــــــــر(محمد الأحمد) وجدت ما أنتجته تجربة (زمن ما كان لي) انعكاسات شخصانية والتقطات ذاتية في قص الواقع دون أن ينقله إلى ما هو متخيّـل يثير أسئلة جمالية ومعرفية تطرحها تقنيات القص وتوصلها لبلوغ غاية النص. فتعمد منذ بواكير كتاباته الأولى إلى جعل نصوصه حاضنة للسيرة الشخصية وظل بهذا الاتجاه معتمدا على إثارة ذاكرته لإنتاج نص (استرجاعي) يمرره إلى المتلقي عبر أفعال وحكايات تحركت في حيزه الشخصي، محاولا تأسيس علاقات افترضها على إنها تحمل مفارقات الواقع ، لم ينجح في تحويلها إلى علامات تؤشر بدائلها ، فظل متمسكا بـ (المرأة) على إنها بؤرة يتمركز فيها الواقع بكل مكوناته ، ليوجه سؤاله الذي يفترضه في متقعرات وهمية في حكاياته (المسطحة) خافيا إخفاقاته في هذا التقعر الوهمي الذي اختاره للعبور نحو تسويق نصوصه بنشرها منفردة سرعان ما تكتشف هذه اللعبة إذا ما اجتمعت هذه النصوص في مدونة واحدة. ففي معظم نصوصه نجده يفتتح عالمه بالمرأة وذلك بحشد الحكاية وتسطيرها مستفيدا مما احتفظت به ذاكرته التي تتحرك في دائرة مغلقة مركزها المرأة دون أن تنفتح إلى فضاءات أخري فظلت كتاباته (سيرة موضوعية، ذاتية) لكنها ليست سيرة مدونة بخط تأريخي تنقل تفاصيل سيرة شخصية منظمة مما أحالنا إلى تشابه وتكرار شخصياته في نمطية شخصية واحدة هي شخصية المؤلف عبر أفعالها وتجاربها أو طروحاتها التي تحوله إلى راوي للحدث دون أن يتدخل في تحريك خطوطها المستقيمة نحو رسم أشكال جديدة تطرح رؤاها داخل النص المحكوم بذاتية المؤلف ودون أن يسهم ـ المؤلف ـ في صياغة حيوية لدور الحدث فظلت شخصياته مطابقة لما تعكسه مرايا الذات نحو الورق ...... (كنت أقول لعصفورتي الوديعة/ عيناك ص22)، (كنت امشي طويلا وراءها/ خفة زمن ص28)، (شاخصا بعيني بقيت أتابع تدحرج السنين الثقيلة على وجهها/ زمن مضى ص31)، (بقي بين يدي شعر رأسها المنسدل بطراوة ندية / زمن الأبيض البرئ ص34)، (ما هكذا يا كريم دع المرأة/ ما آل إليه ص 64)، (اكتب إليك التماسا/ زمن بارز ص 72)، ( يرخي عليّ الزمن سدوله / فاصلة زمن ص 81)، (تترقرق ضحكتها على بياض التذكر/ روى بعض ما لم يرو بعض ص 89)، ( لم أكن أتخيله فحسب بل أراه / زمن علبة الحليب الفارغة ص 98)، (ما عليّ إلا أن أهول ما أتخيل، واجعلها مشوقة بما يجعلها تغريها ، ترغبها بالبقاء عندي / بقية زمن ص 113)، (كان الليل ممتدا عليّ بلا ملل / زمن الابن ص 120)، (يشدّ عليّ الهواء الساخن/ رئيس سابق لم اعرفه ص 125)، ( كنت قبل اليوم في زمن آخر/ زمن ما كان لي ص 135 )
العنـــــــــــــــوان :
تنطوي عتبة العنوان الموسومة (زمن ما كان لي) ـ والتي تشظت الى عناوين ثانوية بواقع (20) عنوانا من ضمن (24) عنوانا كل ما احتوته متون المجموعة ـ على تركيز مفردة (الزمن) الذي يتجه نحو دوائره الثلاث ـ الماضي، الحاضر، المستقبل ـوالتي انضوت تحت مديات المعنى الفيزياوي للزمن دون أن يحدث ـ العنوان ـ حضورا بصريا مهما يمكن تخيله ضمن المتون النصية التي انضوت تحت (زمن ما كان لي) وذلك ما غييب الإيقاع البصري الذي يشبع فضول المتلقي عند انزياحه نحو المتن الذي غييب مستقبلاته البصرية واشتغل على الإيقاع الذهني الغير سهل على آلية التخيل بإظهاره من خلال آليا القص العاجزة عن ابداع جملة قصصية مكتنزة تنتج إيحاءات تحيط بالحدث والفعل إحاطة شاملة تفعّل أدوات التصوير وتزيد من الفاعلية الذهنية المستقبلة بسبب الإحالة إلى ذاتية محطة (ما كان لي)، فحدد بذلك زمن الزمن بفعله الماضي الناقص (كان) فاوجد له زمنه المحصور في (الاسترجاع) الذي شكل المتون كلها وجعلها بؤرة محصورة في هذا الزمن وبذلك جاءت العناوين الثانوية في سياقات الزمن الماضي دون الإشارة للفعل الماضي في تكوينها الصوري ( المكتوب)، وثمة احتمال آخر، قد يكون - زمن ما قد كان لي - وهب انه يفتح نحو حرية مزوجة للقراءة، وبهذا قد كرر كمبدع للعبة ابداعية لن اتطرق اليها. لاستقطاب أو الجذب الذي يصنعه العنوان الرئيس والمنساب إلى تشجيراته الثانوية يأتي من حاجة الناص إلى تعميق الصلة بين الرئيسي والثانوي بمحاولة لشد أواصر المتلقي وجلب انتباهه باتجاه التنويعات التي تدور في فلك هيمنة مفردة (الزمن) المتشظية والتي غيبت مهمة التشظي بابتعاد العنوان عن دوائر الأحداث على اعتبار ـ العنوان ـ يرسم مسارا إلى المتلقي نحو المتون ويفسر ما يحكى له من خلال معرفة الهواجس التي تبثها النصوص باتجاه التلقي واستثمارها كبؤرة أو بوصلة استدلال يجوب بها جغرافية المتون والتي أراد لها القاص ـ عن وعي ـ أن تنزلق من الغلاف نحو المتن كعلامات فارقة تدعو القارئ للتوقف عندها قبل أن يدخل إلى النص. يصاب المتلقي بخيبة كبيرة حينما لا يجد ثمة علاقة تدعوه للوقوف عندها أثناء تجواله في مسارات النصوص. هذه ( اللعبة ) شكلت علامة سلبية ضد الكاتب لعدم وجود دلالة لأيقونة الزمن تجد مدلولها داخل النص استثني من هذا التعميم نص (زمن الأبيض البرئ) التي وظفت الزمن لصالح سير الحكاية و( زمن بحجم الأفق)ـ التي سأتخذ منها أنموذجا اسقط عليه افتراضاتي ـ التي مارس فيها (الأحمد) لعبة (شعرنة العنوان) من خلال تركيب ألفاظ توحي بغرائبية تقترب من غرائبية تراكيب الحداثة الشعرية وأراد لها أن تتحول إلى علامات ورموز تحمل دلالاتها المفترضة ( زمن فارغ للشمس، هل الشمس وحدة زمانية أم وحدة مكانية ؟ هي وحدة لقياس الزمن تتوالد منها الأيام وتتعاقب منها الفصول، زمن ضوئي مأهول بسيول ضوئية متواصلة منذ شروعها ، ليس فيها فجوة تؤشر حسابها الزمني التقليدي في السبق أو التأخير انما زمن افتراضي تخيلي يساوي وحدة ضوئية على افتراض الغاء زمنية الشروع والوصول والأعتماد على تواصل الأنبعاث الضوئي ، فهو يساوي صفر افتراضي على انه لايعي ذاته . وهي مكان يحسب بعده ضوئيا، مكان بمكوناته المادية ومقوماته الجويولوجية، مكان مأهول بأرواحنا وخيالاتنا حسب، مكان غير مكتشف فهو يساوي صفر افتراضي على انه لايعي ذاته . ومن العنوان الذي يوحي بتساوي الهيمنة الزمانية والمكانية كونهما يشتركان بمصدر مصنّع واحد هو ( الشمس ) نخلص من ذلك الى : زمن فارغ للشمس = زمن فارغ للنص ، مكان فارغ للشمس = مكان فارغ للنص .
ولأجراء تطبيقات تأويلية من المتن نقتطع الآتي :
1 – المروي عنه (مات) زمانه صفر ومكانه صفر لأنه غير مأهول وغير مكتشف حسبما افترضنا .
2 – ( اخترت احد المقعدين الفارغين ) / زمن المقعدين ومكانهما = صفر على وفق ما افترضناه
3 – ( قالوا : - بانه ترك مالا كثيرا ، قلت : - ما نفع ما تركه / الزمان صفر المكان صفر .
4 – ( قالوا : - ( أية سطوة كان يملك ؟ قلت : - جرده الموت منها / الزمان صفر ، المكان صفر .
5 – ( كانت الشمس استقرت في المقعد الفارغ ) / زمن فارغ للشمس ( العنوان ) = زمن فارغ للمقعد ( المتن ) .
بطولة العنوان = الشمس ، بطولة المتن = الموت . وكلاهما لا يعيان ذاتهما ، المتلقي هو الذي يعي هذه الكينونة ويقوننها اذن الشمس = الموت كلاهما فراغ خارج الزمن المحسوب وخارج المكان المأهول لذا صار المتن ( فراغ ) حالة ( ميتا زمانية ، ميتا مكانية ) . لقد استفاد القاص من الغاء الحدود مابين ( ظاهرية ) الواقع العيني المحسوس و ( شطحات ) الخيال حيث انتج نصا محاكا من نسج هذا الواقع الحسي مع الخيال ، نصا لا يعتمد على النسق الحكائي ولا على البلاغة اللغوية بقدر ما يستفيد من اللعب والمراوغة في كلاهما معا لأنتاج جملة شعرية تحتمل التأويل بعد ان تحقق غرائبيتها غير المتناسقة في التأليف للوهلة الأولى فتجد لها اكثر من موقع لأدهاش المتلقي واستقبال النص لفك هذه الرموز واعادة تركيبها من جديد بتأويلات مخلقة من لدن المتلقي قد لا يجدها غيره وهذا يؤشر نجاح النص الذي يزدهر وينفتح الى عدة مستويات للقراءة . لذا ارى القاص وفق جدا في الوجازة والتركيز والتدبير المرمز لصياغة نص يسري فيه نفس شعري ولغوي خاص لألتقاط الأزمة المنتجة للنص خارج مكونات النص بهدم الحواجز الزمانية والمكانية والحكائية بفعلها التقليدي لمكونات القص المعروفة في سياقات التاليف بعيدا عن السرد التقليدي المستهلك وهذه مشكلة القاص ( محمد الأحمد ) كونه يعتمد على ميكانزم التطور الداخلي للحدث وليس على الحدث نفسه وقوانين بناءه القصصي في المساحات النصيّة وهذه السمة لا تقتصر على هذا النص فقط وانما تمتد على عموم كتاباته لذلك تجد من يعارضها او يقف ضدّها. الصدمة أو الدهشة التي يحدثها هذا النص القصير ليس في نهاية الحدث كما هي خصيصة اساسية تسود معظم القصص القصيرة بل نجدها في (فعل) بنية النص، غير مكتوبة ولا تحقق تشخيصها المرئي، طافية في تخوم النص، لا تـفقد قوتها من العنوان حتى السطر الأخير وبذلك خرج من دائرة النهايات التقليدية واحالتها الى المتلقي ليضع افتراضاته من خلال تأثير عموم النص في توليد نهاياته بمعنى الغاء (المتوقع ) والأستسلام الى ( الواقع ) الذي يؤثر به سياق النص على المتلقي ، بمعنى آخر قدرة النص على الأنتقال من ( أناه ) الى ( أنا ) المتلقي ، من هذا كمتلقي اقترحت عدة نهايات منها وجدت روحي تقرأ الفاتحة على روحها بعد ان حضرت المراسيم واستمعت لأحاديث المعزين واجابت عنها كما في حوارات المتن ، اذن زماني صفر ومكاني صفر ، هذه النهاية اقترحها ( المسكوت عنه ) في النص . بقي ان اقول شيئا يحسب لصالح (زمن فارغ للشمس) كونه نصا قصصيا قصيرا جدا فنحن الآن في عصر الزمن المحسوب والمقنن والمحكوم بوحدات الوقت وتفاصيلها الدقيقة التي تفرض هيمنتها على يومنا بقوة امام هذا التدفق الكبير من آليات النشر المرئية والمسموعة والمقروءة والتي لم تترك لنا وقتا فائضا لقراءة المطولات من على شاشات الأنترنيت مثلا من هنا ارى ضرورة انتباه كتاب الأنترنيت الى عدم الأطناب والأطالة والأهتمام بالنص القصير المكثف الممتع والمفيد مراعاة لأستفادة القارئ من سيف الوقت.
الزمـــــن :
عند (الأحمد) ينحصر في استرجاعاته الماضوية ( ما كان لي ) بسبب إخفاقات هيمنت على تطلعاته فأغلقت نوافذه وتركته يتخبط ضمن مساحة ضيقة ، مظلمة لا يرى غير نفسه بها وظل مشغولا في كيفية الخروج منها فنجدة قد تمحور في شخصتين (هو) ـ القاص ـ الذي يعيش على هامش التذكر مع ( هي ) التي توّلد هذا الهامش فظل يدور في فلك ( توالد الذاكرة ) الذي اعتمده كـ (شاشة ) للانعكاسات الذاتية المكررة والتي ذهبت بنا إلى اعتبار هذه النصوص تعمل بمشترك واحد وكأنها عمل روائي غير اننا نجدها تبث إشعاعاتها إذا ما أفردنا كل نص لوحده . نثر مفردة ( الزمن) على عتبات العناوين الثانوية لعبة استفزازية ، تنشيطية مارسها المؤلف على المتلقي قسرا معتقد إنها بؤرة الانطلاق نحو فتح آفاق آخر لقراءة هذه النصوص على إنها نصوص زمنية صادقة مع زمنها الذي يتماها مع حكاية المتون مستفيدا من حضور الزمن في الذاكرة الإنسانية على النحو الذي يعمّق اهميتة في الموضوع الذي استغنى مؤلفه عن الأدوات البصرية في إيصاله إلى المتلقي وذلك بتكرار مفردة الزمن على نحو يثير الفضول والتشبث بها دون أن يجد أثرا لذلك فيما سطره فاتعب مفردة الزمن وضعفت في أن تؤدي دورها الاستفزازي التنشيطي الذي افترضه المؤلف بانزلاقها من الغلاف إلى المتن .
غاب عن ذهن ( الأحمد ) ان الزمن يوجد في وسطين :
1 ـ وسط فيزياوي/ فيزيقي/ محسوب/ كما يحياه الآخرون / ويحياه المبدع خارج زمنية الإبداع / تقني يمكنه أن ينتج معارف ...
2 ـ وسط متفاعل مع الخيال / ميتافيزيقي / غير محسوب / ينتج ابداع غير مألوف ، مذهل ، مفاجئ ، مدهش / لايحياه غير المبدع لحظة الإبداع ويساوي صفر .
الذي أجده إن الكاتب ظل يشتغل في زمنه الفيزياوي لذلك لم ينتج لنا سوى ما ينتجه هذا الزمن .
الثيـــــمة :
ربّ قائل يقول ( ان كل حكاية هي نسيج جامع بين الواقعي والمتخيل ) نقول نعم هذا صحيح ـ إلى حد ما ـ لكن لكي تتحول هذه الحكاية إلى أدب يفترض إضفاء خصائص فنية وفكرية على واقعها أثناء عبورها إلى النص وتجري عليها إسقاطات وإضافات كما يفعل رسام ( البورترية ) مقارنة مع ما يفعله ( الفوتوغرافي ) . ( الحكاية ) لازمة مهمة في القص شرط ان يحولها الكاتب إلى أدب ولا يبقي عليها للقص فقط والوسيلة لتحقيق ذلك هي تنشيط اللغة لتأخذ حيزها المهم في الأداء وعدم ( أسلبة ) اللغة داخل بنية القص كما حدث في ( زمن ما كان لي ) لعدم تدخل الكاتب في إحداث متغيرات في هذه البنية وممازجتها مع الخيال على اعتبار ان الأدب ابن الخيال . مثل هذا يجب ان ينحصر عند ( الأحمد) في تجاربه المبكرة وقبل ان يفترض انه يمتلك سطوته على آليات القص والذي لم نجده في مدونته السابعة ـ كما دونته ببلوغرافيا الغلاف لذلك عليه ان يبحث عن مخارج من شرنقة هذه الإشكالية وينتقل من مرحلة الناقل للحكي إلى مبدع ومكتشف ومخترع له وان يغادر ضواغطه الشخصانية التي مارست وحدانيتها وهيمنتها والتي جعلت الحكاية تقوم بمهامها لوحدها وشخوصها تصل إلى نهاياتها كما تشتهي دن ان يتدخل صانعها على اعتبار ان السرد وبكل أشكاله تتدخل فيه ( الصناعة ، الحرفوية ) .
الكفاءة الإنشائية / التأليف :
ان توظيف التقنيات السردية وتطعيمها بلغة شعرية تنهض بوظائف تعبيرية مهمة داخل النص (الحديث) والانتقال من المعنى القاموسي للمفردة إلى المعنى الأدبي الذي يستطيع منه المتلقي ان يستحضر المعنى الصوري المتوالي الذي يتبنى القاص إيصاله إلى المتلقي بتقنيات التأليف ويبقى للمتلقي ان يستقبله على نحو حسن للنظر إلى أهمية النص من خلال ما تراصف من مفردات على بياضات الورق ولنأخذ بعض نماذج تأليف الجملة السردية عند الأحمد ... ( ذات صباح ما وفي مكان ما نهض من فراشه الوثير ، إذ خنقه العرق المتصبب من جبهته بعد ان سالت قطرات وصارت في انفه ص20 )، ( كنت امشي طويلا وراءها في المدى كله انهج طريقها كله ص 28 )، (الصمت كان شاغلا كالجدار الأصم والليل يمتد من خلاله ص 50 )، (يقفون أمامك في متسع الوقت الضيق ص 53 )، (تأتيه صاحبة العينين الخضراء ص61 ) العينين الخضراء ؟؟؟؟، (وكأنه كان يتحدث إلى معه بقيت وحدي استمع إليه بكل تركيز ص 69 )، (وبعينيك الغائرين كعين تمثال ص73 )، (بطيبة قلب يقدم لهم ما لم يتمكنه الناكرين ص 77 )، ( أقمت في الزمان مكانا وفي المكان زمانا فلم أر أكثر خسة من الخيانة ص 79 )، (مرتجا كأنما نقيضا متصارع مع نقيضه ص81 )/ ( كلهم يحملون القصة إلى غير ما ينبغي عليه ان تكون عليه القصة ص 139 )، والقائمة تطول في إيراد تراكيب غريبة تنم عن ضعف الكاتب في صياغة جملة ناجحة لا سيما إذا ما عرفنا ان لكل جنس أدبي خصائصه وتراكيبه ومفرداته في الصياغة اللغوية لذلك اختلفت الأنماط والأجناس الأدبية وعليه ظل كل جنس يحتفظ بخصائصه ( البنائية ) حتى لو تداخل مع جنس آخر فالسرد مثلا له بنيته اللغوية المميزة ونكهته السردية التي تظل وحدة مميزة من وحدات تشكله البنائي .
هوامـــــــش :
ثمة إحساس (وهمي) أوّل عليه الأحمد في (زمن ما كان لي) ذهب فيه إلى ان منجزه قد استوفى شروط وجوده فلجأ إلى (التجريب) باتجاه اجتراح تجربة كتابية زعم انها (تجديد) كما أشار بيانه المدون على هامش قصته التي حملت عنوانها المجموعة (فينبغي علينا ككتاب .. ان نجدد بأدواتنا الكتابية لنلحق بالركب الحضاري المتوقع ص 135) واعتبر هذا النص دعوة تحليق وتجاوز لكتاباته السابقة نحو تأسيس سياقات يتعاطى معها من جديد لإثبات اسلوب جديد في استثمار معطيات الحداثة قبل ان يجهز أدواته بمنظومة وعي حدا ثوي وإيجاد مساحة مرنة قابلة للحياة والتوالد، مغايرة لمدوناته السابقة مقترحة سلطة جديدة توجه الخطاب الجديد بما يلاءم مخيلة الحداثة وآلياتها .. غير اننا لا نلمس في نصه المقترح نحو التجريب ما زعمه في تامين موجهات تؤمن لخطابه السير دون تعثر فظل حبيس نزعته الشخصية على مستوييها (السلوكي) و (الكتابي) ولم يستطع الإفلات من قبضة التقليد والمحاكاة مع الأسلاف وبقيت قوة الدفع تراوح بين المرئي والمرئي ، بين الموجود والموجود المختلف دون ان ينجح في تحويل ( الكم) إلى ( كيف) حتى لو كانت من داخل الـ ( أنا) بعد ان ينتزع أشكالها التقليدية فظل يعيد حرث ما حرثه غيره من قبل معتقدا ان الحداثة ( خربشة الذاكرة القديمة أو إعادة تنظيمها) متناسيا موجهاتها ودلالاتها الفكرية والجمالية التي غمرت الفكر الجديد وفعّلت فعله متجاوزة حدود واطر القوننة وأحكامها المتعسفة لذلك ظلت (تجريبيته) تكرر قديمها دون ان تبتكر أسئلة جديدة تجد معها أجوبتها المدهشة .... وفي عودة إلى نصه التجريبي المزعوم نجد بالإجابة عن سؤال ملح إجابة صريحة عن مصداقية زعمه السؤال هو: لو لم نجد الإشارة الهامشية التي أوردها بيان الدعوة نحو التجديد، هل نجد بهذا النص مغايرة واضحة عن اقرأنه المدونة ضمن المجموعة من تطورات فنية في عناصر تكوينه كالشكل، المضمون، التكنيك، المعمار، اللغة، السرد، الشخوص، الثيمة، الزمان، المكان، الاستفادة من الأجناس الأدبية الأخر؟؟؟ أجد ان البيانات والزعم بأنها تعد وسيلة لنقل كاتبها من موقعه الحقيقي إلى مواقع متقدمة في خارطة الإبداع الإنساني .
النهايـــــــات :
نجد ان شخصيات الأحمد القصصية تصل إلى نهاياتها الواقعية دون ان يفرض عليها شروطه الفنية ويتدخل في رسم سلوكياتها التي تقودها إلى مصيرها الفني وليس الواقعي على اعتبار ان النص الأدبي ليس هو الواقع إنما الواقع هو المادة التي يبنى منها النص لذلك أجده لا يمتلك ناصية النص وقيادته وموجهاته بسبب ضعف أدواته اللغوية المرتبكة الفاقدة لقدرة التوصيل المنقول مع مؤثراته إلى مخيلة المتلقي الذي يعيد تشكيله إلى صورة متخيلة، بمعنى آخر لم يستفد القاص من (الصناعة) اللفظية ومهام اللغة في بث متعة فنية تؤدي دورها المهم في بنية النص على اعتبار ان المرسل يولـّد وظيفة تعبيرية أو انفعالية مركزها نقطة الإرسال والمرسل إليه تتولد عنه الوظيفة الافهامية بما تقتضيه من فضاءات الدوال التي تحيل المُتخيل إلى الواقع .
الخاتمـــــــة :
إضافة إلى ما تقدم أضيف ان الأحمد أراد ان يؤكد حضوره ألذكوري فحاول توظيف موضوعة المرأة في السرد كوسيلة لفرض سلطة الذكور جسديا ليحول المرأة إلى خطاب أيدلوجي مقموع، ممنوع في الواقع مباح في فسحة الخيال دون ان يحيل المرأة إلى مفهوم ( شهوي) من خلال المرور بمفاتنها. مع كل ذلك تظل (زمن ما كان لي) مجموعة مهمة وجديرة بالقراءة والاهتمام بما أضافته إلى المشهد القصصي العراقي من نصوص تكاد تقترب من الاكتمال الفني فهي نصوص دافئة حميمة تعطي نفسها إلى القارئ من أول مطالعة لها، رغم اني جهرا تعمدت النيل منها، متغاضيا عن الكثير من جمالها الابداعي الذي اشار اليه غيري من المتذوقين.
إشارة :
1 ـ زمن ما كان لي/ قصص/ محمد الأحمد/ دار الشؤون الثقافية/ العراق/ بغداد/ الطبعة الأولى 2007

٢١‏/٠٧‏/٢٠٠٧


خرابٌّ ما بعده خراب
خراب متسلسل مدروس، متعمد، بسبق الإصرار
خراب متواصل بالخراب، خراب؛ هو تواصل الخراب بالخراب

١٦‏/٠٧‏/٢٠٠٧


أديب أبو نوّار: وداعا
فاضل عبود التميمي

برحيل الشاعر(أديب أبو نوار-1956/2007-) يكون الأدب العراقي الحديث قد فقد أديب الأمكنة، والبساتين الخضر، والمساحات الحافلة بالمحبة، والحياة، وشاعر الأحزان القزحية... ولأنه ولد في مدينة(بهرز) فقد اخذ منها نسغ المحبة، وسلطة الاخضرار، وغضاضة الماء، وسلاسة المودّة، ونقاء الهواء... من يعرف أديب أبو نوّار، واسمه الحقيقي (أديب شياع البكري العزاوي) يدرك تماما سرَّ تعلقه بالأرض التي ولد فيها، ولزومه الدائم أنهارها، ومنحدراتها بعد أن أحصى بخطواته المتعبة أزقتها، وأسطح المنازل فيها، ودكاكينها المشرعة على واجهات النهر، وسامقات النخل.
لم يكن أديب أبو نوار إنسانا طارئا على البساتين، ونجوم السماء، وزرقة الماء... كان عاشقا نهما في تحولاته المكانية يؤاخي بين بستان ونجمة، بين افياء ونسمة... وكان كلما أدرك أن للبساتين رائحة تكبر مع سر الحياة يمضي بتساوق عجيب مع حيطانها، وأكوام العوسج المغروس على صهواتها... كان يعرف من زاوية القرب منها أنه راحل لا محال ولهذا مارس العشق فيها رجما بالخيال مبدعا أجمل(التحقيقات) فيها، وعنها فكتاباته عن البساتين، والأرض، والوهدان، والأزقة، والمنحنيات، وأخلاقيات الناس تمثل نمطا من الاستحضار الشعري للمكان، وغناء يماميا لفضاءات الزمان... ولم يكتفي بالكتابة وحدها، فقد سجلت كاميرته الخاصة حوارا دافئا مع بوابات البساتين، ونواطيرها، وحيواتها المترامية، لقد حاور عبر عدسة تلك الآلة الصماء براءات القرى المتواشجة مع خرير الماء يوم كانت قرى مترعة بالبهاء، والمسرات العذبة، ثم زاد من تألق مدوناته الفوتغرافية حين عمد إلى نشرها مقرونة بتعليقاته المترفة.
لقد كان أديب أبو نوار مهووسا بالأمكنة، قانعا بمحبتها التي لا تزول فهو في كل نصوصه ينزع نحو المكان، يأخذ من تضاريسه تفاصيل كتابة تشعل هوس المسرات، وتخلطه بأحزان مؤطرة بالحب والحنين... هكذا وجدت أديبا: عينين صغيرتين تخترقان كتل الأرض، وصراخ الجغرافيا، ومجاهل الكثبان بحثا عن انساق الحياة القابعة في مكان لا يستثير أحدا، ولا يشكل ملمحا عند كثيرين، فالحياة التي يمسك بها أديب في تل اجرد، وقنطرة مهدمة، ونخلة بلا رأس، وكلب يعلن عن وثوبه في بوابة بستان، هي نفسها التي يعلن عنها في فضاء البساتين: فراديس الله على الأرض كما كان يسميها.
والمكان في كتابات (أديب أبو نوار) الشعرية عالم يمور بالحركة والألوان والنقاء الإنساني، وهو لا ينفصل قط عن عالم أديب نفسه، حيز جمالي يتحرك بلا منغصات، أو مكائد مفخخة ، يقتفي اثر الجمال، والدهشة وصولا إلى تأثيث(نص) تتشكل فيه حياة أليفة تنمو على عتباتها رغبات البوح، وكسر الألم، وفك مغاليق العزلة بمعناها الخانق.
ترك الفقيد قصائد كثيرة لم تنشر، وأخرى نشرت ولم يجمعها كتاب، فضلا عن رواية مخطوطة لا ادري أين الآن هي... ناهيك عن عشرات التحقيقات الخاصة بالأمكنة العراقية التي زارها في الانبار، والنجف، وبغداد، وكردستان وهي لوحدها تشكل مرجعا فريدا لجغرافية الأمكنة الآهلة بالشوق والمحبة، وله مجموعة شعرية واحدة صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 2001 عنوانها(المدهش من أحزان العندليب) كرس فيها ظاهرة الحزن في أعلى طبقاتها النبيلة، ترى أي حزن كان يعتلي ذلك الوالد البهرزي النحيل؟.
تنهض مجموعته على دال شعري ينبثق منه مدلول شعري يستّمد نسقه الأول من مخيـّلة الشاعر بدءاً من عنوان المجموعة الذي تفضي القراءة الدقيقة لمحموله الفكري إلى نتاج أحزان مركبة تتقدمها (( الدهشة )) بوصفها حيرة تتملك الشاعر لتشكل من آلامه نمطاً أعلى يميز مكابداته وهو يلج عتبات القرن الحادي والعشرين … فإذا ما غادرت العنوان تلقفتك أحزان أخرى ممهورة بوجع الشاعر وهو يتذكر أصدقاء اليوم والأمس ممن كان الحزن وسيبقى يتبوأ مساحات واسعة في سيمياء لغتهم : الشاعر إبراهيم البهرزي ،وعبد الأمير عبد الكاظم ، والشهيد محمود الزيدي و … و .. :
ترى أيمكن للحزن أن يكون عالماً شعريّـاً تكتمل فيه مدونات الشاعر وأحلامه ؟ .. ذلك ممكن فهو مدلول شعري تلبس (( الشعرية )) مذ أدرك الإنسان الأول أن الشعر قرين الوجود ، ولهذا تشابكت لغته مع كلّ لغات الشعر ، ومدارسه ، واتجاهاته ، وتياراته إذ ما من شعر إلا والحزن رفيقه … هاتوا لي ومضة شعر خالية من فيض الحزن ، من ألمه ، من فرحه … كان ذلك في الأزمنة الأولى فكيف هو الآن وقد كبرت أحزان الشعراء وصارت مدناً مسكونة بالموت ، والألم ، والحصارت المصنوعة.
لنعد إلى المجموعة ، نقرأ ما فيها من أحزان وحيوات نابضة فيها ، لعل القراءة تؤهلنا للامساك بمعاني الشعر القابعة في نظم الكلمات ، والتي في المجموعة كلها تنتظم في سياق قصائد مضافة إلى النثر لا بوصفه جنساً كتابياً معروفاً وإنما لأنه بدء الشعرية الذي خرجت من معطفه أفانين القول، أحزان تتلو أحزاناََ ، وبينهما يقف الشاعر يحتفي بسرد قصيدة النثر المفضي إلى أمنيات مصاغة من سخام كانت على مقربة من( بهرز) ، ما بهرز ؟ وكيف لهذه القرية اللصيقة لمدينة(بعقوبة) أن تستأثر بمداليل الشعراء بدءاً بالشاعر ياسين طه حافظ ، ومروراً بالشاعر كزار حنتوش و …. و….
إن الشاعر أديب أبا نوّار يظهر في مفردة ( بهرز) طيرا ذبيحاً في طبقات وجدها ، وأحتراقها اليومي :
حدقت فكانت بهرز ، أرتبكت فضْجّ البكاء ص20 .
وهل مازال البهرزيون يتعلقون بكهوف الذاكرة ص44 .
وتكاد ( بهرز ) بوصفها مكاناً أليفاً تستجمع أحزان الشاعر في المجموعة لتظهر مرات باسمها الصريح ، ومرات مغلفة بأحزان سرمدية مكنىّ بها… في (نعم …. هذا سؤال) تقوم رؤية أحزان الشعر على أسلوب تكرار لازمة العنوان في سلسلة طويلة من دالات التذكر الذهول : تذكر الأصدقاء ، وأيام الحرب، والأمكنة ، والأزمنة التي شغلت مخيّلة الشاعر في بوحها الشعري، فالشاعر يبدو مشدوداً إلى الماضي ، الماضي الذي يبدو اليوم زماناً مبهجاً ولهذا تراه : يريد الحديث عن فارق العملة عن ذكريات أجزاء الدينار ص13 .
ويحاور ذاته بلغة تميل إلى تقصي أساليب المفارقة:
فأنظري يا روح كيف تريدين لي الخراب
إلى أين أذهب عن هذا الجمع من الأوفياء !!
الذين يضعون الكرة الأرضية في جيوبهم ص14.
حتى ( ميراث) الشاعر وهو كلّ ما ملكت يداه في الدنيا لا يخلو من سمة الحزن :
البكاء الخصب
الهياج الهائل في أقاصي الروح.
وجفاف القمر
كل ذلك أحتفال لآخرة الليل ص15.
هذا ميراث الشاعر ، ولأنه شاعر فلا مهمة له إلا قول الشعر وكتابة القصيدة المدماة:
أريد أن أشكل القصيدة بماس الدموع
لأترك مجالاً للضوء في لغتي ص16.
تلك مهمة الشاعر سمها مهنته، فبها بانت لغته التي لم تغادر تضاريس أحزانها:
كنت أدثر أنثاي بالبنفسج
وأحرضها على الصمت ليلة العيد
وأعلمها البكاء تحت المطر ص19.
وها هو في كل مناسبة يدعونا ويدعو أنثاه إلى مزيد من الحزن لا لشيء إلا لمزيد من لوم الذاكرة :
فيا سيدتي لمي عليك حين نبدأ بالعويل ص26 .
عويل لا آخر له ، وبكاء يجر بكاء تزيد من حدته(الموسيقى) التي كانت سلطتها الشعرية والنفسية تتحشد في مفاصل المجموعة وصورها :
فلا بد أن ابكي مرة والى الأبد ص29
وهو القائل أيضا :
اعدي لي حزنا منيفا هذا المساء
الم اقل لك أن أمسيات الخريف تخترق الروح
ساعديني على صمت يطول
وانتظري مني بكاء أطول ص47
لقد أشار أحد النقاد في مناسبة تحدث فيها عن واحدة من أجمل قصائد المجموعة (رابسوديات أيلول) التي أحال فضاءاتها على حقول دلالية صوتية ، موسيقية مغلفة بالسرد في سياقات حزينة أدركها من قبل وهذا ما يمكن تشخيصه في مظان كثيرة :
لا حاجة لنا بذلك
فهذه الكمانات أكثر فصاحة
إذن حزنا أكثر.. حزنا أكثر
فأنا احبك مفجوعا ص48
إن أحزان أبي نوار لا تستمد نسغها من تجربة لغوية مجردة من حدودها الزمانية ، والمكانية ، ولا تأخذ شرعيتها من رومانسية حالمة بالتـجريد ولهــذا لا يمكــن وصفــه بـ الرومانسي الحالم إن أحزانه أحزان شاعر عذّبته تمظهرات الحياة في صيغها الأليمة فكان أن قاومها بالشعر والحكمة المعطلة .
رحم الله أديب أبو نوار الشاعر(الثمانيني) الذي غادرنا في يوم السبت 7/7//2007 فقد كان أنسانا مملوءا بالمحبة والحكايات المترعة بالحب والأحزان، وستظل مدينة(بعقوبة) بأهلها، وبرتقالها، وأدبائها يستذكرون أبا نوّار الذي أحب الجميع.



سعد محمد رحيم
أديب أبو نوار.. وداعاً
تحولت ذاكرة كل عراقي إلى مقبرة كبيرة موحشة.. لم نعد نتذكر أي حدث إلاّ ويكون طرفاً فيه واحد أو أكثر ممن هم موتى الآن. فلا شيء أسهل وأهون وأسرع من الموت في عراق اليوم، والأمس أيضاً.. يأتي الموت خفيفاً ويمضي خفيفاً كالهواء، أو تراه يسكن الهواء، يأخذ حصته بعدالة قاسية، بإفراط، من الجهات كلها والأماكن كلها والأعمار كلها، مبتدعاً في كل مرة طريقة مختلفة. ومخلفاً الأحياء في حالة من الذهول والضياع.
من الذاكرة:
بعبارة حذرة أعلمني صديق لي بموت أديب أبو نوار ، قال أنه قرأ الخبر في شريط أخبار قناة الشرقية.. وقفت واجماً، إذ كنا نتمشى حينها في سوق بلدتي، وللحظة تداعت في ذهني صور بعينها.. غير أن صورة واحدة استحوذت عليّ أكثر من غيرها.. أديب أبو نوار يسرع الخطى على رصيف خريسان في ليل بعقوبة وهو يحمل حقيبته المنتفخة بالأوراق والصحف والكتب، وماذا كان يملك غيرها؟ ليلحق بالجماعة ( أصدقاؤه ) في السفينة، والسفينة ليست سوى دار على نهر خريسان كان يتخذها رجل طيب من بعقوبة اسمه نوح مكتباً تجارياً في النهار وملتقى لأصدقائه، وجلّهم من المثقفين، في الليل، فسمي مكتبه هذا، عند هؤلاء، تحبباً بالسفينة. ولعبت السفينة دور مركز ثقافي غير رسمي، في زمن الحصار، ببعقوبة، إلى جانب مكتبة مؤيد سامي، ومكاتب ومحلات بعض الأدباء والمثقفين والتي غدت ملتقيات نُخب لتبادل الأخبار وقراءة النصوص ومناقشة القضايا المختلفة. ( وممن أذكر من رواد السفينة؛ كريم علو، المرحوم الدكتور قاسم، محمد، إبراهيم البهرزي، وآخرين. وكنت أزورهم أحياناً برفقة الفنان التشكيلي منير العبيدي أو الأديب الشهيد مؤيد سامي ). التقيت بأبي نوار للمرة الأولى في صيف العام 1992 وكان قد أنتخب تواً أميناً للشؤون الثقافية في اتحاد أدباء ديالى، يومها طلب مني تقديم أمسية في الاتحاد، وخيرني بين ثلاثة اقتراحات، أن أقرأ بعض نصوصي القصصية، أو أتحدث عن تجربتي في الكتابة، وكانت في حينها متواضعة لا تستحق الحديث عنها، أو أعرض كتاباً حديثاً، قلت له سأعرض كتاب ( البئر والعسل ) لحاتم الصكر الصادر في السنة ذاتها. ومنذ ذلك الوقت توطدت علاقتي به. سألته في أتعس سنوات الحصار، وكررت سؤالي عليه السنة الماضية حين بلغ تدهور الوضع الأمني ذروته في بعقوبة: ما الذي يمنعك من مغادرة العراق، أنت الذي لست متورطاً بزوجة وأولاد، ولا تملك أي شيء هنا، لا منصب، لا مال، لا وظيفة. قال؛ لا أستطيع. ثم هز رأسه وقال؛ أمي. وارتسمت على وجهه ابتسامة حزينة، ثم استطرد بعد صفنة صغيرة؛ لا أستطيع ترك بهرز. وضحك؛ وكيف أكون في مكان ليس فيه إبراهيم البهرزي. في أواخر التسعينيات، أعطاني مخطوطة رواية كتبها وقال لي اقرأها.. كانت الرواية على الرغم من بعض اعتراضاتي الفنية عليها ممتعة وصادقة، وهي لم تكن رواية بالمعنى التي تجعل منها عمل تخييل أولاً، وإنما سيرة ذاتية كتبت بضمير المتكلم، فيها مواقف من حياته ( طرائف ومصاعب وشجون عمل وكتابة وعلاقات صداقة وحب وجنس، الخ ) أما أكثر ما بقي عالقاً في ذهني من تلك الرواية هو قصة اعتقاله في منتصف الثمانينيات حيث أخبروه في وحدته العسكرية المرابطة في القاطع الجنوبي والحرب مع إيران حامية الوطيس، أنه مطلوب في مقر الاستخبارات العسكرية في الكاظمية.. وصل بغداد وهو في أشد حالات القلق والتوجس.. كانت الساعة هي الثامنة صباحاً لمّا دخل استعلامات الاستخبارات وسلّم كتابه الرسمي وأعلن عن اسمه، فطلب منه الموظف المعني أن يجلس قبل أن يبلّغ المسؤولين في الداخل، وبقي أديب ينتظر حتى الثالثة عصراً، عندها قال له موظف الاستعلامات أن الجماعة ربما نسوه واتصل مرة أخرى بهم .. تكلم الذي في الجانب الآخر من الخط مع أديب واعتذر منه بنبرة مهذبة، وقال إن كان بمقدوره أن يأتي غداً صباحاً.. خرج أديب وقد تلاشى بعض خوفه وقلقه، لكن ما جرى في اليوم الثاني هو بالضبط ما جرى في اليوم الأول، اتصال وانتظار وطلب مجيء في اليوم التالي، فتضاعف قلقه. وكذلك كان الأمر في الأيام الأربعة أو الخمسة التالية.. وظل أديب يذهب إلى نادي اتحاد الأدباء بعد مغادرته الاستعلامات ليقضي أمسيته وهو مملوء بالرعب.. في اليوم السابع قيل له بعبارة مشجعة أن يدلف إلى الداخل، وحالما تخطى الباب كان في انتظاره، هناك، عدد من الأشخاص، عصبوا عينيه وانهالوا عليه بالضرب.، قبل أن يودعوه في زنزانة مكث فيها ثمانية أشهر..هذا جزء ( حدث في الواقع فعلاً ) مما كتب في روايته التي نسيت عنوانها. ولا أدري إن كانت مخطوطتها موجودة حتى هذه الساعة.
موقف آخر:
ضييف أبو نوار في أواخر ربيع 1995 الشاعر خزعل الماجدي، لا في حديقة اتحاد الأدباء في السراي القديم ببعقوبة وإنما في بستان أهله في بهرز، أستذكر هذه الواقعة لأنها تحتشد ببعض المفارقات.. جاءنا خزعل من بغداد بعد الظهر، وقبيل الغروب رحنا نسير في مجموعة من سبعة أو ثمانية أشخاص، على الرصيف المحاذي للنهر قبل أن نستأجر سيارة إلى بهرز. وخزعل يحكي عن المثقفين العراقيين في الخارج الذين لا يعرفون ماذا يحصل في العراق الآن.. في هذه الأثناء أحاط بنا عدد من الانضباطية وطلبوا هوياتنا ( بطاقاتنا ) وهم يتفرسون في وجوهنا بارتياب.. حين ابتعدوا صاح خزعل؛ هذه صورة واحدة من آلاف لا يعرف عنها مثقف الخارج شيئاً. في البستان الصغير أستل خزعل دفتراً من حقيبته وسألنا إن كنا مستعدين لسماع قصيدته ( حية ودرج ) الطويلة؟ قلنا؛ نحن هنا لنستمع إلى جديده.. في الظلام الهابط، والهواء يقبل عذباً بارداً من جهة نهر ديالى شرع خزعل يقرأ.. استغرقت القراءة أربع أو خمس ساعات.. لم تكن قراءة مستمرة، بل كانت تُقطع بتعليقات وثرثرات وحكايات ونكات وضحكات ومماحكات وتناول شراب وطعام وبرتقال وليمون حامض وقزقزة حب عباد الشمس، وفي منتصف الجلسة دخل علينا إبراهيم البهرزي.. وأخيراً حين انتهت قراءة القصيدة قال أديب أبو نوار؛ ما فائدة الشعر، أي شعر، حتى الجيد منه إن لم يكن يغير أي شيء في هذا الزمن اللعين.. وأطلق عبارات ساخرة.. كان هذا استدراكاً استفزازياً سلب بعض نشوتنا. وحينها قلت: يا جماعة تأخرنا. كانت الثانية بعد منتصف الليل، وليست ثمة سيارات قطعاً في هذه الساعة. كان هناك اقتراح أن ننام في البستان، رفض بعضنا ( أنا أحدهم ) بحجة أن عوائلنا ستقلق علينا. وخرجنا جميعاً تاركين أبا نوار وحده في البستان، أو هو غفا قبل خروجنا.. من كان هناك؟ بحسب ما أتذكر( صلاح زنكنة، عمر الدليمي، أمير الحلاج، علي فرحان، بشار صبحي، فاضل عبد حامي، وربما مشتاق عبد الهادي وفراس الشيباني أيضاً ). إبراهيم اصطحب خزعل إلى بيته أما نحن البقية فرحنا نمشي في الشارع الفارغ، حتى إذا قطعنا بضع مئات من الأمتار توقفت ( يا للمصادفة السعيدة ) سيارة تاكسي، ولا أدري ما الذي أدخل عمر الدليمي في مشادة غير مبررة مع سائقها الذي سارع ليشتكينا لحرس بيت المحافظ القريب فوقف هؤلاء في منتصف الطريق في انتظارنا، أو هكذا خيل لنا، فانعطفت مع آخرين إلى طريق زراعي محاذاة مبزل مخنوق بأعواد القصب.. قلت لهم؛ لست مستعداً لقضاء الليل موقوفاً في مركز للشرطة، فأنا مدرس ولا أريد أن يشاع الخبر غداً بين طلبتي، ولاسيما أن مخيلاتهم الخبيثة ستلفق قصصاً عجيبة حول هذا. هكذا تشتتنا، وشخصياً لم أصل بيتي إلاّ في الرابعة فجراً.
أبو نوار والبهرزي:
بين إبراهيم وأديب علاقة صداقة غير اعتيادية، تجذرت بمرور الأزمان، وتلاحق النوائب، فقد ظلا صديقين ندّين، لدودين، يجمعهما حب الانتماء إلى المكان نفسه، والهيام بالشعر وقراءة الكتب، غير أنهما كانا يختلفان في أشياء كثيرة، لعل منها الرؤية السياسية، وأيضاً طبيعة الشخصية، والعلاقات الممتدة مع الآخرين، ووجهة نظر أحدهما بإبداع الآخر. وهذا لا يعني انتفاء الإعجاب بينهما.. كانا يتخاصمان في الصباح ويجلسان معاً للسهر في مساء اليوم ذاته، أو يفترقان عند منتصف الليل على خلاف هائل ليعودا في نهار اليوم التالي معاً وكأن شيئاً لم يكن. وما كان يشكو منه أصدقاؤهما أنهما كانا في خلواتهما المغرقة بالشعر والثرثرات والتهكمات يفضحان أسرار الآخرين بينهما، وأظن أسرارهما أيضاً.. لم يكن أحدهما يحفظ أي سر عن صاحبه. كانا أليفين ومتناقضين في الوقت نفسه، وتناقضهما كان يجذبهما إلى بعض أكثر مما يفرقهما.. كانا ضروريين لبعضهما، لا غنى لأحد هما عن الآخر. بعد سقوط نظام صدام حسين وواقعة احتلال العراق،غرق أديب في بحران القنوط. قال أنه ليس متفائلاً.. وعمله مراسلاً صحافياً جعله قريباً جداً من الأحداث، وعلى تماس مباشر معها.. كان في منطقة ساخنة تشهد عمليات قتل يومي، تأتيه الأخبار طازجة من مصادر خاصة فيعبّرها إلى قناة الشرقية.. قلت له؛ لماذا هذه الأخبار كلها، لماذا لا تكتفي ببعضها، إنها تصيب المرء بالدوار والإحباط.. قال؛ أليست مهمتنا أن نقول الحقيقة. قلت؛ لا أدري، أحياناً الإفراط في قول الحقيقة يدفعنا إلى اليأس. ويبدو أن تلك الأخبار المملوءة بمفردات ( العبوات الناسفة والسيارات المفخخة وهدم المنازل والقتل الطائفي وغير الطائفي والاعتقالات والمداهمات ودوريات الاحتلال وإغلاق الطرق والتهديدات والفساد الإداري والخطف والسلب والنهب، الخ ) كانت تأكل من جرفه كما يقول التعبير الدارج. وذات مرة، وكنت حاضراً معه في مكتب كريم الدهلكي لتوزيع الصحف، نقل خبراً عن اغتيال مدني.. سأله الشخص الذي يدون الأخبار في الشرقية لماذا أغتيل.. قال؛ والله أستحي أن أقول لك لماذا.. وحين ألح الشخص قال؛ لأنه من الطائفة الفلانية. أصيب أديب بانتكاسة أولى بعد أشهر من زلزال 9/4/2003، وأجريت له عملية في الرأس، الرأس الذي هو رأسمال المبدع الأول والأخير. ولم تمر سنة أخرى حتى كانت الانتكاسة الثانية، غير أن الثالثة لم تهمله.. يقول إبراهيم البهرزي في رسالة تقطر أسى ولوعة ويأساً، تسلمتها منه قبل أيام، أنه كان بصدد زيارة أديب عصراً.. قيل له أنه استعاد الوعي بعد إجراء العملية الجديدة في مستشفى السليمانية وأنه يرد بالإشارات.. لكنه ( أي البهرزي ) عرف من أخيه أن أديباً فارق الحياة وأنهم دفنوه في مقبرة بهرز قبل ساعات.
الممثل والصحافي والشاعر:
عُرف أديب، في مجتمع مدينة بعقوبة، في السبعينيات، ممثلاً مسرحياً، عضواً في فرقة مسرح بعقوبة، وأدى أدواراً عديدة في ضمن نشاطاتها، لكن الشعر والصحافة أخذاه من المسرح قبل أن يورطه صديقه الكاتب والفنان المسرحي صباح الأنباري، مرة أخرى، في تمثيل الدور الرئيس في مسرحيته ( الصرخة ) في العام 1994. وقد كان أداء أديب فيها معقولاً. برع أديب في كتابة التحقيق الصحافي، وكانت ريبورتاجاته عن المدن والأمكنة التي شغف بها من أجمل ما كتب. أذكر ما كتب عن بهرز ونهري ديالى وخريسان وجلولاء والسعدية وشارع الرشيد وساحة الميدان وكبيسة وراوة وأربيل وجبال كردستان ومدن وأمكنة عراقية أخرى كثيرة. كان يكتب برؤى شاعر وحميمية عاشق، كان ديدنه شعرية المكان، سحره وألقه ونوره الخفي، وتاريخه كما طبع على سحنات البشر وقلوبهم. أما شاعراً فقد عانى من شبه الإهمال على الرغم من بعض مسؤوليته عن هذا، فأديب الشاعر كان يستحق اهتماماً نقدياً أكبر، وكان يجب أن تصدر له أكثر من مجموعة شعرية بحلة أنيقة وليس بالشكل البائس الذي خرجت به مجموعته الوحيدة ( المدهش من أحزان العندليب ) في طبعة محدودة متواضعة، في ضمن إصدارات (ثقافة ضد الحصار ) في العام 2001... كتب أديب الشعر ونشره مبكراً، فأولى قصائده رأت النور في السبعينيات، إلا أنه باعتقادي، رؤيةً وحساسية وأسلوباً، ينتمي إلى الجيل الثمانيني. وقد نشر عشرات القصائد، هنا وهناك، وأظن أنه يستحق بعض الجهد لجمعها ونشرها في مجموعة أو أكثر، ومَن غير إبراهيم البهرزي أهل لهذا؟. موت آخر..صديق آخر يرحل.. وداع آخر.. تتزاحم الصور في الذاكرة.. صور أصدقاء لنا بقوا حتى اللحظة الأخيرة يحلمون بعراق أحلى. أي حلم كان ذاك الذي يخفق في أعطاف أديب غير أن يعشق بحرية ويكتب قصيدته في الهواء الطلق؟. يقول في إحدى قصائده "أريد أن أشكل القصيدة بماس الدموع لأترك مجالاً للضوء في لغتي". بم كان يحلم أديب وماذا كان يريد غير درب آمن من بهرز إلى مقر اتحاد الأدباء في السراي القديم ببعقوبة ليلتقي أقرانه الأدباء، وآخر إلى مكتب كريم الدهلكي أو بلاسم الضاحي أو ورشة حسين التميمي أو السفينة العائدة للسيد نوح أو إلى البستان ليتجاذب أطراف الحديث مع شقيق روحه إبراهيم البهرزي، ومن غير أن ينغص أحد عليهما سهرتهما، بخمر الشعر.
ياااااا لشساعة وبُعدِ، وأكاد أقول استحالة، هذا الحلم!!.

١٤‏/٠٧‏/٢٠٠٧


ينعى ادباء ديالى
فقيدهم الشاب الغزير العطاء الشاعر والصحفي
أديب أبو نوار
الذي وافاه الأجل اثر مرض عضال
بتاريخ 6-7-3007

١٣‏/٠٧‏/٢٠٠٧


رحيل الشاعر والصحفي اديب انو نوار ..

الله معك .....ايها الوفي النبيل
ابراهيم البهرزي

بعد ظهيرة هذا اليوم,السبت السابع من تموز ,انطلقت من قمقمها روحك الطهورة ايها الحبيب الذي ما اذى طوال اعوامه الخمسين جنح ذبابة, ومن بعد اذى مريردام لثلاث سنين خلت,واربع عمليات جراحية في الراس,بعد اذى كان يكابر عليه محتفظا حتى الشهرالاخير بطلعته السامقة البهية, هنا في غرفة الضيوف هذه قبل نحو شهر من يوم الرحيل هذا,كان ينظر من النافذة للحديقة المنزلية الصغيرة مداعبا ولعي بشجيرة الرمان,مستذكرا
ظلالها الوارفات لربع قرن مضى من المسامرات والغناء والجدل.......
بعد ظهيرة سبت ابن كلب في السابع من تموز من عام الرمادة هذا,حملت كل سماحتك واريحيتك وصراحتك الفريدة في زمان البغض والكابة والنفاق
لتهج من زمن لم يعد يليق بالنبلاء منفتحا على الحرية الوحيدة التي اتيحت لك ووجعي يقول في سري :
حسنا فعلت,لانك كنت تردد دوما ان الزمن لم يعد جديرا بالنبلاء..........
حسنا فعلت ايها النبيل, قلت في سري ايضا بعدجهشة عميقة من البكاء الذي ذكرتني به وكنت قد نسيته منذ ربع قرن ,ويزيد..
الله معك...ايها الرحب في زمن يضيق على الضمائر البيضاء
الله معك...ايها القديس المرح في زمن العهر المعمم
الله معك...ايها النبيل الذي ما غير جلده مذ عرفته طفلا فصبيا فيافعا فكهلا مكتمل الوسامة في الخمسين
الله معك ...يا ربيع ذكرياتنا ومغامراتنا واحزاننا واهة البلد الجريح
الله معك...ايها الجريء الواضح في زمن الجرذان المرائية
لقد كان عندك الكثير من الغناء الذي ضاع في ضجيج مهارشات الديكة المخصية
وكان عندك -حتى في حندس المرض -اقمارا من المزاح والسخرية التي تفرج عني الكروب...
ومازلت تحت ذهول الرحيل غير مصدق انك تسبقني اليه ايها اليافع الغض الذي ظل يسخر من عللي المبكرة لربع قرن مضى,وكنت تتسائل متحيرا باي شيء سترثيني انا الصموت الذي لا اترك خلفي اثرا للذكريات,وها انا حائرباثار ذكرياتك الجمةوباية شقفة منها سابتدا الرثاء,وقد انتبهت بعد ضهيرة التشييع، ان لا مكان لي بعد في هذا الزمن فحيثما خطوت ثمة الذكرى تسد علي الطريق منادية : يا لتلك الايام، الله معك... ومع الخمس والثلاثين عاما من رفقة السهر الطويل والصبر الجميل,ولقد عددت على ضربات قلبي من من كل الخليقة كان له نصيب الشمس والقمر في الخمسين عاما التي عشت فما زاد عليك احد من اهل ولاعشير..
الله معك ...يامن اتلف العمر بسبب اريحيته,فعاما في السجن رقم -1 - لاجل نكتة في اوائل الثمانينات واربعين يوما في جهنم -الرضوانية - لاجل قبلة
لفتاة, واخيرا اعتقال من قوات الاحتلال لاجل جلوسك في باب المنزل غير ابه لمرور المدرعات والمارينز....
اعرف ان الناس قد يسجنون لاجل سرقة او جرم , الا انك الوحيد الذي سجن لاجل نكتة وقبلة وجلوس امام باب الدار
مرة كانت حياتك ايها العسل المكتوم ,مرة في جبهات القتال, مرة في السجون ,مرة في شظف العيش ووحدته,حيث لا وظيفة ثابتة ولا امراة حنون,
ومرة كانت حتى بعد رحيلك عنها حيث تهاوت حولنا قنابر الهاونات ونحن في اول ساعة بمجلس العزاء,فرفع السرادق واضيف الى لائحة النعي المعلقة في
سوق البلدة عبارة - وبسبب الظروف الامنية تعذر اقامة مجلس الفاتحة وعذرا للمعزين -
حتى في موتك لم ترد ان تؤذي احدا هكذا عشت وهكذا رحلت كنسمة رهيفة في زمن العواصف الهوج
الله معك ..الله معك .. ايها الحبيب يا ابانوار ..لقد تركت لي الزمن الموحش والعزلة الخانقة مع مطر من الذكريات الندية ممتزجا بالدمع,
اقول الله معك..وقلبي يقول حسنا فعلت..فهذا الزمان لم يعد جديرا بالبقاء...فالبلاد التي حلمنا بها وحملنا لاجلها الكثير من الندوب في القلب ها هي تتهاوى
امام انظارنا,وما رايناه كفيل باجتراح الموت قبلما ان ...تكون المنايا امانيا
الله معك ياشقيق العمر المقتول
باي سارثيك وقد كسدت المراثي...فعذرا؛ لقد اورثتني من جميل الذكريات ما اخشى ان لا اطيق معايشته والداب عليه لشدة الوهن.. الله معك الله معك الله معك .....كل انفاس البساتين في بهرز تشهق اليلة مستذكرة شموعنا ومواقد النار في زمن فرولن يعود لحضرتها ابدا ..ابدا يا ابا نوار
لقد كنت يوم تسالني عن حالي في السنين العجاف الاواخرلا تسمع مني الا قول الشاعر:
رب يوم بكيت منه فلما صرت في غيره بكيت عليه
والان لم املك وانا عائد العشية عبر الحقول التي اوت مسااتنا غير ان اردد مختنق العبرة :
قال لي من احب والبين قد جد والتظت في الفؤاد نار الحريق
قال ما في الطريق تفعل بعدي قلت ابكي عليك طول الطريق
adeeb.memori@Gmail.com