٠١‏/٠٣‏/٢٠٠٧


زجاج الوقت
قراءة في رواية هدية حسين
بقلم محمد الأحمد

عندما تغيب الحقيقة عن مكان ما.. في زمن ما.. فإنها تفرض وجودها، جدلا كحقيقة مفترضة خيالا، بديلاً لتكون الرواية المتخيلة بكل حيثياتها مفتاحا حقيقيا يكشف ما غاب عن الوجود، لأنها ستكون الأكثر حضوراً في ذاكرة مبدعها، وتستحدث ذاتها بعنفوان لأجل أن يكون الافتراض مفتاحا يفتح أبوابا استعصت، وتصحيحا لما نزل من حيف، فيما قد نزل من ظلم، لان الرواية غالبا ما تكون إعادة نظر فيما يفترضه الراوي من فرض، وغالبا ما تختفي تلك الأماكن لتبرز بدلا عنها أماكنّاً تكون بشموليتها الأكثر اتساعا من المكان الذي ابتكره الروائي المبدع، (قبل أن أتوارى عنكم يمكنني قول ما أريد وإنا أتأرجح، وأميل قليلا داخل الوقت- ص 6).. فالرواية كمدونة بين دفتي كتاب وجدت لأجل أن تخترق عيوننا زجاج ساعة الوقت لتقرا اللوح الذي غالبا ما تصل إليه عقارب الساعة. وذلك اللوح هو مضمار عالم متفاعل، متواصل يعكس الذي يحدث فنراه عبر الوقت، ونقيس به عمق الحادثة، وفي الرواية غالبا ما يكون الوقت هو الزجاج الذي نرى عبره خرائط الأمكنة المتوارية خلف حوادثنا، ففي اغلب الأحايين يخترع الرواة مساحات لإبداعهم تجري عليها الأحداث، والشخوص، وتؤثث بسرد يصف مكانا جدليا يمضي الخيال به حيثما تفتتح الرواية بلسان راو امرأة اسمها (هداية)، وقبل أن تتواصل الشخصية الثانية في الرواية (حذام) بروايتها روايتها المتداخلة، تكشف مقدرة الكاتبة ومعرفيتها بقدرة الفن الروائي على التلاعب التقني الذي يفيد بان الأجيال تتبادل الأمكنة وتتوارثها. وقصص الحب تتواصل لتربط الأزمنة بأزماتها، ويكون الإنسان مدونا لذاكرة تتحدى النسيان أبدا... (يفاجئها الوقت ذات نهار نيساني برجلٍ يقف قبالتها في شرفة منزلها.. رجلٍ يقول لها بأنه غادر هذا الزمن قبل أن يشبع منه، وبأنه كان يحبها في بداية القرن الماضي.. إذاً.. الوقت يتساقط، ويتناثر زجاجاً من حولنا.. هل هو حلم أم كابوس.. ومتى ستستيقظ؟ وبعد أن تدعوه للجلوس يخبرها بأن اسمه (يونس) وبأنه وقف ذات يوم تحت نافذة غرفتها، فرآه أخوها.. أشبعه ضرباً.. واضطر إلى مغادرة القرية بناءً على قرار شيخ العشيرة التي ينتمي إليها. بدأت تتموج معه كأنها في حلم.. تتخيل ما يتحدث به إليها.. واستطاع أن يسحبها إلى عالمٍ لا يستقر على شيء. وتدعوه للنوم في غرفة أخيها الذي مات منذ سنوات، والتي كانت تسميها.. غرفة النهاية
[1])، وهكذا تتبادل الرواية المواقع بينها وبين رواتها بتقنية مدهشة تسجل كقيمة فنية حققتها (هدية حسين). فمنذ البداية تتلاعب فيها براوٍ يمهد مسرحا لحكاية ستكون متواصلة مع حكاية أخرى (يصفها لنا – مقدما – بأنها ضرب من الخيال.. ويعدنا برواية جزءٍ منها لأنه لا يملك مفاتيحها الكاملة، وسيترك لـِ(حذام) زمام الأمور بسرد الحكاية، فهي الوحيدة التي تعرف ما جرى).. لتلتحم بما ابنة أخيها (تتحدث بكل صدق عن عائلتها.. والدها، عمها، زوجة أبيها.. وأيضا عمتها مركز الحكاية، وعن معاملة والدها القاسية لها.. وعن زواجها وطلاقها ومثابرتها على الدراسة وتخرجها من كلية الآداب عام 1975.. وعن محاولات عمتها في كتابة القصة القصيرة وكيف إنها نشرت أغلبها في الصحف والمجلات وأثارت اهتمام النقاد في حينها[2])، تثير الأسئلة لتكون شخصية الكاتب هي التي تحتكم الأدوار المتبادلة بين فصول الرواية، (لم تكن هداية وحدها تروي الجزء الثالث، بل شاطرها (يونس).. عاد مرتدياً ثوب الخيال لينير أرق ليلتها المظلمة.. يروي لها بقية حكايته وكيفية خروجه من قريته- كانت تصغي له بإمعان- وكم سار ليلاً ونهاراً صحاري ووديان.. ولمدة خمسة أيام متتالية إلى أن وصل إلى بستان بعيد[3]).. لتعود (حذام) في الفصل الرابع تسرد بعين الكاتب انشغال الراوي بروايته (عمتها بمشروع روايتها التي تكتبها).. ونكتشف بأن ابنة أخيها اسمها (جنان)، و(حذام) شخصية من شخصيات الرواية، تظهر الحياة وكأنها المفترضة إلى الواقع، وكأنهما يتناوبان بديلا عن (هداية) و(يونس) في الفصل الخامس كرواة للحكاية الرئيسة، وهذا التداخل الفني قلما توافر في الرواية العربية، رغما من أن هذه، احتاجت أن تسجل فيها هويتها العراقية، ولم تسلط الضوء لما يجري في العراق من تاريخ تعمدت الرواية طمسه. فالعراقي عاش وطأة كوابيس ثقيلة، وتتواصل عليه بالأحقاد، (اكرر لكم أيها السادة، ليس خيالا ما تسمعون.. صحيح إني اسقط في لجة الأوهام، وأوهامي لا فكاك منها، إلا إني اعرف متى أضع لها حداً- الرواية ص 18)، مداواة جراح توغل فيها رواية (زجاج الوقت)، حلم يكمل حلما، توغل الذكريات والأحلام، لتنعطف على السطور، تحكي قصة الحب المفترض، الذي لم يفترض، (يبدو بأننا في البعد والغياب نكشف عواطفنا بشكل أدق- الرواية ص 129)، تكون الرواية ميداناً يتسعُ لأزمنة تمنيناها ان تكون حياتنا ونختار فيها الشخوص وفق ما نريدهم أن يكونوا به، فتكون الرواية التي نكتبها.. خيلا تركض بنا حيث الأحلام الوردية، لان الرواية المفترضة دائما ما تكون من ذهب, (وتوصف لنا (حذام) أول حب مر في حياتها.. وهذا السيل العرم من العواطف الجياشة والكلمات الشاعرية.. نبحر معها في أمواج متلاطمة من الدفء العذب يكاد يسري إلى قلوبنا من فرط حساسيته الرقيقة[4])، وأيضا يكون الوقت من زجاج، فيخرق لاستشراف المستقبل، ويكشف نهايات قصص الحب التي تمتلئ بها المرأة، لتؤرخ تاريخا تكون الرواية فيه من ذهب، (لقد ماتت أمها بحُمى النفاس، فاحتضنتها عمتها بمحبة فائضة إلى درجة أن تتوهم بأنها أنجبتها من رجلٍ مجهول.. وبأن الله عوضها بها عن كل ما مر في حياتها من خسارات. ربتها بعز ودلال.. وغمرتها بحنانها.. وكلما ازداد طولها كبرت عاطفتها نحوها ونمت أحلامها.. وكانت فعلاً الملاك الذي يحرس خطواتها[5]). اعتمدت الرواية قصة حب، وتبادلتها الشخوص المؤثثة للرواية، فأعطت صوتها العراقي الذي يستحق الإشادة والتأشير. جاءت الرواية بلغة شفيعة بحزن الحلم الروائي الذي صعب (ابتداع) ذاته بين قاموس العاشقين، ويعطي للقارئ شخصية لا يستطيع نسيانها عندما يغلق دفة الكتاب. ولم تكن الشخصيات في الرواية أن تثبت موقفا من الحياة، ولم تعطي ذاتها لعراقتها، وقد تثبت مزية لصالح الروائي في هذا العمل الجميل بان الأغلب تناوب على أداء دور الروائي العليم (العمة)، (حذام)، يونس) فضاع من الرواية عمودها الحكائي المشوق، ولكنها تبقى قصة حب وموهبة شفافة تستحق التأشير، والتحية.

‏الأربعاء‏، 21‏ شباط‏، 2007
[1] المادة المقوسة مأخوذة من قراءة نقدية كتبتها الكاتبة كٌليزار أنور..
[2] المصدر نفسه...
[3] المصدر نفسه...
[4] المصدر نفسه...
[5] المصدر نفسه...
 Posted by Picasa

٢٤‏/٠٢‏/٢٠٠٧

في البحث عنها
قصص: حسن حميد
قراءة: محمد الأحمد

لا يفضي كتاب قصص (في البحث عنها
[1]) إلى تفرعات الذاكرة المليئة بالحكايات، والذكريات، فحسب؛ بل يفضي أيضاً إلى أحلام يقظة، طرية، تنتهي إلى صدمات واقعية، تجعلها في مصاف القصص (التشيخوفية) الخالدة.. حيث يمسك القاص المقتدر قارئه بعناية لأجل أن يمرر عليه خطابه، يأخذهُ طوافا بسرد مقتدر، متمكن من هويته، فتكون القصص نصوصا شفافة تقول ببلاغة ما حجب من التاريخ، وما يسكت عنه، ففاعلية النص أن يكون شاهداً على عصره، ومخترقا لقلبية مقص الرقيب، فالقصة صرخة عالية تكشف معرفيتها بعصرها، كونها منحوتة بأزميل فنان متمرس، يعرف الإمساك جيدا، بمن يقرأ، في عالم تنوعت فيه الأدوات والقنوات، فيفترش قصصاً بليغة نابضة بحيوية ذكية، تحمل على الغواية، والاستمتاع معاً، وتحمل على الحسّ المرهف المفعم بنكهة على نهايات هادرة، ومقنعة، تحرص على شدّ قارئها في أن يزيد استغراقه، ليعيد القراءة للمرة المتكررة، (فان نقدم الفن باعتباره مضمنا أو شكلا ما هو إلا مسالة اختيار للاصطلاح المناسب، لكن بشرط أن ندرك أن المضمون يشكل، و إن الشكل يملأ، وان الإحساس إحساس مشكل وان الشكل شكل يحس- كروتشة[2])، ولان القصة عالم متكامل في صفحات محدودة، وهذا شرك أمين يوقع الكاتب الفنان به قارئه.. إذ يكتشف القارئ بأنه خارج المكان، وهو بداخل الذاكرة، أو العكس يكون بخارج الذاكرة، وهو بداخل المكان، ينساب الحدث فيها كما الماء في نهر، يرسم خطوته الواثقة على أديم مشحون بالجذب، مشحون بالحركة التي تراقبها الكلمة، بروية لتعطي اللغة ذاتها بسخاء زاخر بالصور الإنسانية المشوقة، فإبطال القصص (الأغلب) كمعدمين يعوضون الخسارة بالحلم، والحلم يتشكل بفرض راسخ على انه حياة حقيقية بديلة عن الخسارة. (اللغة ليست لغة، بل أصوات، إلا إذ عبرت عن معنى. كذلك يعتبر المحتوى بدون الشكل استخلاصا لشيء ليس له وجود ملموس، لأننا لو عبرنا عنه بلغة مختلفة لأصبح شيئا مختلفا- هارولد ازبون[3]). حيث يضعنا القاص (حسن حميد) خارج المكان.. داخل الذاكرة، فالزمن خطوات تسير بلا توقف، تتقدم حثيثا وتتخطى الأمكنة، متحدية للنسيان، والطمر خطوات لها إيقاعها المكتوب، الموثق، وبكل وقعه، بكل ثقله.. حتى وان خسر الإنسان أنشط خلاياه، فإن تلك الخلايا قد تركت بصماتها فوق الأمكنة، التي لن تموت أبداً؛ إذ هي كالنهر الذي يتكون أولا، وتلتفٌّ من حوله المدن، تحاذيه حتى ترتسم خرائط البلدان وتكون تلك البلدان مسيرة أزمنة هائلة الوقع بما أنتجت، وما خلفت من ظلال على الأرض.. لأنها مسيرة حافلة بالتحديات والنكوص، حافلة بالإمتدادت والتقلصات، فالذاكرة بمدوناتها كذلك هي المدن؛ بنموها تبقى علامة الإنسانية التي يقاس عبرها الزمن، وما احتل منها بقايا صور تتحدى الطمر، وتطوف فوق النسيان، وتحجبه، لان الزمن يفترش الأمكنة كلها ويحتلّها حتى تكون شاخصة تحمل علامته، فأغلب قصص المجموعة، تكاد تكون متواصلة، بضياع أبطالها، وبضياع أعمارهم في السجون، بسبب اختلاف الرأي، والايدولوجيا.. حالمون بالموسم الجميل، متواصلون وكأنهم أبطال قصة واحدة، يتخفى بها الكاتب، وكأنما فصول رواية تترى بالقصص، ففي (قصة تجوال).. قصة حادة، برغم رهافة لغة ساحرة، مقتدرة، تطوف بقارئها خيالا كالسحر، ولا تتركه إلا مأخوذا بالفن القصصي الجميل الذي لا يعطي سره من المدخل السطور الأولى، للعمل الفني، بل تلف قارئها بذكاء، وتنكشف له في لحظة حرجة، واقعية (لم ينكشفا على الخلق إلا صباحا، إلا جسداً واحداً طريا منطفئا فوق رصيف محبر بالبهجة الدامعة- ص 17)، تلفُّ الأمكنة جمل شعرية وراء امرأة، و تكون بعمر الأمكنة، لها ثباتها في المخيلة، ولها مكان في الواقع.. كما في قصة (في البحث عنها).. تلك المرأة ذاتها صاحبة الصوت الرخيم، المثيرة، المؤججة لأحلام تدفع بالإلهام إلى منطق الإبداع، وثمة موت يتشح من المساء القاتم الذي يتقاتل مع شلل أمها، وهو الذي يجعلها تقاسي الحياة فتغيب عن ناظريه كحبيب.. كذلك قصة (في البحث عنكَ).. فهي تروي قصة حب بين سجين وزوجه، وصراعهما مع من يغرر بها، الذي تسلمه كل أدلة الإدانة، بعدما يسجل لها شريطا (فيدوي) في ليلة ماجنة، تقحم القصة ذاتها وتترك قارئها يكملها خيالا، تعمل مع القارئ، تشغله، تمسك به ولن تتركه حتى تعطيه ما تريد مجددا، كقصة بليغة تتواصل في (القاووش)، التي يستمر الرد فيها لتكشف قصة سجين أوقعه لسانه عشرين عاما في (القاووش الرطب المعتم، الذي حفظ هيئته، وثقوبه، وعروق حيطانه، وحشراته، وطعامه، ومواعيد مرور الشمس عليه، كما حفظ وجوه ساكنيه، وقصصهم أيضا- ص65)، ويطلق بعد أن مات ألف مرة كمحكوم بالإعدام، ويشمل بالعفو حتى تعود عليه التهمة مرة أخرى (هناك في القاووش عرف أنهم اكتشفوا الأوراق التي خبأها تحت فراشه، تحت البلاطات الصغيرة، أوراقه التي كتب فيها مشاعره، وأفكاره كلها بوضوح شديد، وبالأسماء الصريحة، فقد باح بكل شيء، ووصف كل شيء، ولام أناساً كثيرين، ونعى مصير آخرين.. بعدما ظن انه ميت لا محالة، وقد نسي أن يأخذها معه حين أفرجوا عنه، بعدما أعمى قلبه فرح الخروج- ص76)، ونفس المصير يلقاه (الرجل العجوز).. كذلك قصة (السجان)، التي تستمر في أجواء السجن، وعفونة هواءه، حيث اللغة الجميلة تصل بالحدث إلى ذروته، وتعاوده في قصة تالية.. قد حققت النصوص تواصلها، بلغة مقتدرة على القص، مقتدرة على الإيغال في المخيلة، إلى العمق الفاعل، المؤثر (ولكن القراءة المتملية للنصوص هي التي تساعدنا على ضبط جنسها، أو نوعها، أو نمطها[4])، متن الكتاب المكون من (150 ص من القطع المتوسط)؛ تماسكت فيه الصور السردية برسالتها، وصارت تستحق القراءة، تستحق التمعن، لأكثر من غاية؛ أولاهما كما كان (محمد غنيمي هلال- أستاذ الأدب المقارن)؛ يؤكده (تقتصر القصة الواقعية والطبيعية على الوقوف عند حدود الوقائع الطبيعية وتحاشي الأحداث العجيبة والغريبة، بل أضافت إلى اهتمامها بالطبقات الدنيا والمتوسطة خاصة أخرى وهي كشف جوانب السوء والشر في النفس البشرية، فصورت المجتمعات والنفوس المترفة فريسة للفساد[5])، إذ جهرت هذه المجموعة عشق كاتبها للفن القصصي، وقد عرف علماً بين كتاب عصر يزدهي بالمبدعين، كما عرف متقدماً بلون يستحق الإشادة، وبالغ الاحترام.

‏الاثنين‏، 19‏ شباط‏، 2007
[1] في البحث عنها.. مجموعة قصص المؤلف (حسن حميد) صادرة عن دار نارة للنشر والتوزيع- (عمان 2006م)
[2] الاستطيقيا (1902م)
[3] Criticism (P.P 54-68).
[4] احمد الحذيري- من النص إلى الجنس الأدبي- الفكر العربي المعاصر العدد 54-55
[5] ص 515 النقد الأدبي الحديث.
 Posted by Picasa

١٥‏/٠٢‏/٢٠٠٧

انحني اجلالا للمبدعين الكبار
زكريا تامر
عبد الستار ناصر
دمشق
2007
 Posted by Picasa
محمد مظلوم Posted by Picasa
محمد الأحمد
عبد الرزاق عبد الواحد
حسن حميد
دمشق 2007
 Posted by Picasa

١٠‏/٠٢‏/٢٠٠٧