١٧‏/١٠‏/٢٠٠٦

اورهان باموك ونوبل 2006
محمد الأحمد

يُعد الروائي التركي (اورهان باموك) المولود في اسطنبول عام 1952 الفائز بجائزة نوبل للآداب لعام 2006. من أكثر الروائيين الذين اثأروا جدلا في بلدانهم، كونه خرج عن سلطة رقيبها، وبقي متعرضاً إلى ضغوطات ومحاكم قضائية في بلده، بسبب مناصرته لما يراه حقائق وقعت، ولا يمكن التغاضي عنها؛ وهو من كافح كثيرا حتى أعطى نموذجاً حقيقيا واعيا في كشف حركة التاريخ، ولم ينزل عند رغبة المنتصر الذي لا يرى بداً إلا أن يُكتب التاريخ وفق هواه، فالكتابة الإبداعية تكسر الأكاذيب المغلفة بالزهو، ولا تعترف بالحدود والخطوط المرسومة سلفاً، ودائما تقف لوحدها مواجهة للسلطة، بثبات، ترفض الطمس. وقد لخص تقرير الأكاديمية السويدية أسباب فوزه: (قد اكتشف رموز جديدة لتصادم وترابط الحضارات خلال بحثه عن روح بلدته (اسطنبول)، ومضى التقرير إلى القول (إنه انتقل بمرور الزمن من الجو العائلي العثماني التقليدي إلى نمط حياة متأثراً بالغرب)، كانت نـشأته في مدينة اسطنبول، من عائلة برجوازية اغلب رموزها تتلمذت في فرنسا، وتابع دراساته في الهندسة قبل أن ينتقل من الرسم المعماري إلى الصحافة، ومنها إلى التخصص في كتابة الرواية، وقد حاز على جوائز أدبية عديدة في تركيا وخارجها. وقد ترجمت أعماله إلى ما يزيد عن 30 لغة، من بينها العربية: في العام 1979 كتب روايته (العتمة والنور)، ونال بها على جائزة صحيفة (ميللييت) للرواية. في العام 1982 كتب روايته الشهيرة (جودت بك وأبناؤه) التي تروي قصة ثلاثة أجيال من عائلة اسطنبولية غنية وتعيش في نشان طاش. بعدها رواية (المنزل الصامت) ونال عليها بعد أن ترجمتها إلى الفرنسية جائزة (الاكتشاف الأوروبي) الفرنسية عام 1991، ومن أعماله رواية (أسمي أحمر)، ورواية (الكتاب الأسود)، ورواية (القلعة البيضاء)، واعتبرت رواية (ثلج) كأفضل مطبوع غير أمريكي في عام 2004. وسبق له أن حصل على جائزة السلام الألمانية بسب (موقف (اورهان باموك) الشجاع من الماضي التركي وصفحاته المظلمة)، كحال الفيلسوف (يورغن هابرماس) والروائي (مارتين فالزر) والكاتبة الجزائرية (آسيا جبار) والأمريكية (سوزان سونتاج) والروائي البيروني (ماريو بارغاس يوسا). كما انه حاصل أيضا على جائزة (ميديكس) للأدب الأجنبي في فرنسا، الجائزة الرفيعة التي تعطى لمن يتناولون في أدبهم قضايا التلاقح الثقافي. في العام 1994 نشر واحدا من أكثر الكتب قراءة في الأدب التركي الحديث: (الحياة الجديدة) عن حياة الشبان الجامعيين. وجائزة (grinzane Cavour) الإيطالية عام 2002 وأخرى ايرلندية عام 2003. لقد كتب (اورهان باموك) العديد من المقالات التي ناصرت حقوق الإنسان، وشغفت بالحضارة والعقل الغربي، وبناء وأسلوب الرواية الغربية يوازي شغفه بالتراث الشرقي، وهو بمثابة الابن البار لانصهار واندماج وتمام الحضارات والثقافات حيث سطوع القيم الرفيعة، لتتربع على قمة المبادئ الحضارية، التسامح، والرقي بالإنسانية، والاستنارة بالرأي الآخر. وقد ناصر (اورهان باموك) عدم إباحة دم الكاتب الهندي الأصل (سلمان رشدي) بعد صدور روايته الذائعة الشهرة (آيات شيطانية)، والى جانب مواطنه الكاتب الأشهر (يشار كمال) عندما رفعت ضده دعوى قضائية عام 1995م (كشف الوجه غير المقبول لرمز تركيا كمال أتاتورك)، وبقي يقول بأن الأدب وحده هو الذي يستطيع أن يقدم صورة صادقة عن المجتمع، ودائما تمتلك الأمم خزين فني بقدر تحضرها، وتواصل حضاراتها؛ كما الفرق بين الشرق والغرب عبر مسيرة الفن التشكيلي، ففي (رواية اسمي احمر) نجد فناني المنمنمات العثمانية التقليديين يرفضون رسم وجوه الرموز الدينية، كما كان هناك رسامو مدرسة البندقية الإيطالية الذين وقفوا إلى الجانب الآخر من هذه الفكرة. وقد حظي بشهرة عالمية كبيرة، وباتت أعماله الروائية تحصد نسبة مبيعات هائلة في تركيا، وتتجاوز ربع مليون نسخة، وعلى الرغم من انه لم يكن بشهرة مواطنيه العظام (ناظم حكمت) أو شيخ الرواية التركية (يشار كمال) ولا (عزيز نسين)، ولا (فاضل داغلرجه)، عميد الشعر التركي المعاصر، ولكن تطرفه بالرأي رفعه إلى واجهة الصدارة؛ حدّ انه أعلن ذات يوم من منبر شهير: -(بان العلاقات التركية الأرمينية ترجع في جذورها إلى مطلع القرن السادس عشر، عندما نجح الأتراك العثمانيون في ضم بلاد ما بين النهرين، و أرمينيا ومعظم المناطق العربية في آسيا، وأفريقيا إلى إمبراطوريتهم. ورغم طول الفترة التي عاشها الأرمن تحت سيادة الدولة العثمانية، إلا أن الحديث عن أزمة الأرمن مع النظام الحاكم بدأت مع أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهى الفترة التي شهدت تنامي الحركات القومية في أوروبا و تسابق الدول الاستعمارية على تركه، رجل أوروبا المريض - تركيا- وعندما تفجرت شرارة الحرب العالمية الأولى في العام 1914م اختارت تركيا الانضمام للمعسكر الألماني، فيما انضمت روسيا للمعسكر الأنجلو فرنسي، الأمر الذي جعل تركيا وجهاً لوجه مع روسيا. ونظراً لأن منطقة الأناضول التي تسكنها أعداد كبيرة من الأرمن، كانت إحدى الجبهات التي كانت مسرحاً للحرب بين الدولتين، فأمنت تركيا بتهجير أعداد كبيرة من الأرمن إلى سوريا، ولبنان، والموصل، خشية انضمام الأرمن إلى الروس في الحرب. إلا أن عمليات التهجير هذه صاحبها مقتل أعداد كبيرة من الأرمن، بعضهم على يد الأهالي والآخر على يد الجيوش العثمانية، وبعضهم الآخر بسبب الجوع والعطش. ولا يتركز خلاف الأتراك مع الأرمن حول حدوث عمليات القتل، ولكنه يتعدى ذلك إلى تحديد عدد الأرمن الذين لقوا حتفهم، هل هم مليون ونصف كما يقول الأرمن، أو أقل من ذلك بكثير كما يقول الأتراك، وهل هو عملية تطهير عرقي، أو ضحايا صراع طائفي، ونفت تركيا هذه المزاعم وحدوث مذبحة، لذا فإن تركيا ترى أن الاعتراف بحدوث مذبحة للأرمن- كما يطالب الإتحاد الأوروبي كشرط من شروط انضمام تركيا للإتحاد - من شأنه أن تترتب عليه تبعات مادية كبيرة، حيث يعزر مطالب أرمينيا لصرف تعويضات مالية، وإرجاع أقاليم منحت لأرمينيا العام 1919م، وأعيد الاستيلاء عليها عندما وقعت أرمينيا في أيدي القوات السوفيتية). وانه أضاف في مقابلة مع صحيفة (تاغيس أنتسايغر) السويسرية قال (أنه تم قتل 30 ألف كردي في تركيا، ومليون من الأرمن. ولكن ليس لدى أحد الجرأة على ذكر ذلك)، وقد كلفته شجاعة القول بسبب هذه التصريحات حيث أقامت الدنيا، ولم تقعدها في تركيا، وأثارت حفيظة (القومويين) الذين مارسوا ضغطاً كبيراً على الرأي العام، فاستجابت له النيابة العامة ورفعت قضية ضد الكاتب بتهمة (تحقير الأمة التركية) و(الإساءة إلى هويتها)، وهي تهمة تصل عقوبتها إلى السجن مدة ثلاثة أعوام. ولم يثن الضغط عزمه، بل بقي يحاجج بـ(أن مفهوم صراع الحضارات ترسيخ لصدام الجهالات)، وان المثقف غير الصاغر لقوالب الرقابة يمثل نموذجا حيا لما تعانيه الثقافة في العالم من اضطهاد، وعدم إيمان من قبل حكوماتهم بحرية الرأي والكلمة، وأدتْ تصريحاته إلى حالة من الغضب العارم اجتاحت الأصوليين الأتراك والعسكريين والعلمانيين بسبب ما ورد في أحدث رواياته (ثلج)، و(اورهان باموك) مولع بإعادة كتابة التاريخ، ونبش الماضي مهما كانت درجة كثافته، فمن مذابح الأرمن المروعة إلى كشف عورات المسكوت عنه في بلاده، فبقي يوغل في تعرية المجتمع الذي نهشه الفقر، والبؤس والازدواجية:-(وطن يعيش مأساة التناقض السافر بين الرغبة في اللحاق بالحضارة الأوروبية والانضمام إليها وبين الخوف من فقدان الهوية الشرقية). لقد كتب بواقعية كل ما طالتهُ يديه، وقد قالوا عنه كبار النقاد بان (اورهان باموك)، الكاتب الجديد الذي جاء ليعلمنا فن كتابة الرواية الحقيقية.



‏12‏ تشرين الأول‏، 2006
 Posted by Picasa

٠١‏/١٠‏/٢٠٠٦


من رسائل نجيب محفوظ
عيد عبد الحليم



إذا كانت الأمم تقاس بأيامها المجيدة فإن كل لحظة من عمر
نجيب محفوظ تساوى طاقة نور للوطن، وكل لحظة تقع عين القارئ فيها على عالمه الروائى تعد تكريما لنا قبل ان تكون تكريما له. واذا كان حصوله على جائزة نوبل فى الآداب عام 8891 يعد الحدث الاكبر فى الثقافة المصرية المعاصرة، فان ذلك يدعونا للتساؤل عن كيفية الاحتفال بهذه القامة التى طالت سماء التأليف. هل نفعل معه مثلما فعلت فرنسا مع فيكتور هوجو عند بلوغه الثمانين حيث احتفلت بعيد ميلاده كأنه عيد من اعيادها القومية فاقيمت اقواس النصر فى شارع "إيليو" بباريس ــ وهو نفس الشارع الذى عاش فيه هوجو، والغيت الدراسة ــ يومها ــ فى المدارس والجامعات. وفى اليوم التالى دخل هوجو المجلس التشريعى الفرنسي، فوقف اعضاؤه تقديرا واحتراما له، واكد رئىس المجلس ــ حينذاك ــ ليوتس القيمة الابداعية لهوجو قائلا: " لنقف جميعا فالعبقرى هوى بيننا.. وهذا يكفي< ثم اعلنت الحكومة الفرنسية تغيير اسم الشارع الذى يسكن فيه هوجو من شارع "إيليو" الى شارع "هوجو". هكذا تحتفل الامم بمبدعيها الذين يمثلون ضميرها الحى ومخيلتها الوثابة ويشاركون ــ بفعالية ــ فى حراكها الاجتماعى والعقلى فى إنتاج نصوص تواكب التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، حيث تتحول الكتابة الى فعل وجودى يتسم بخلق عوالم جديدة قدر وقوفها الراصد للمتغيرات الواقعية.وقد كان محفوظ من هذا النوع الذى أهلته الظروف لأن يقف فى منطقة ابداعية يمكن ان اسميها بـ "فلسفة الوجود ودراما الشخصية" حيث تتحول الذات المبدعة الى مرآة عاكسة لبنية المجتمع تغوص فى تفاصيله المكانية والزمانية لتعيد صياغة أبعاده الدرامية عبر لغة تمتح من الأبعاد الشعبية لهذا المجتمع، فتصبح لغة السرد فعلاً موازيا للغة الشارع، ومن هنا ينفتح فضاء الدلالة، ومن هنا تجىء رحابة المعنى.محفوظ ليس مجرد روائى أضاف الى بنية السرد العربى ونقل هذا الفن الحكائى من مرحلة الرواية التاريخية التى كتبها امثال جورجى زيدان، ومحمد المويلحى وغيرهما من الرواية الواقعية فقط، بل هو ابن حقيقى لتراث الشعب المصرى وحضارته العريقة، استطاع فى ابداعاته أن يعبر عن كل القيم الأصيلة والجوهرية فى الشخصية المصرية. هو "رجل الساعة" على حد تعبير صديقه الراحل محمد عفيفى الذى واجه الزمن بتقلباته العاصفة بـ "نظام زمانى ومكانى صارم" حسب لكل لحظة قيمتها، وعرف متى يكتب ومتى يتوقف، ومتى يتأمل، يقول عفيفي: "كان على الدوام يثير غيظي، وكان فى بعض الأحيان يثير رثائي، ولكن لم يعد فى النهاية يثير شيئا سوى حسدي! إذ رأيت مؤلفات الرجل ترتفع وترتفع حتى توشك ان تنطح السقف، فادركت قيمة النظام والمثابرة بالنسبة للرجل الذى يريد ان يكون كاتبا كبيرا". صفتان أساسيتان واعتقد ان نجيب محفوظ تميز بصفتين اساسيتين تمكنتا من شخصيته وهما الاولى انه صادق فيما يكتب، لانه لا يكتب إلا عما يعرف فجاءت كتابته عن الحارة المصرية مستوعبة لعناصرها التاريخية والاجتماعية، تماما مثلما فعل ماركيز مع حوارى وشارع امريكا الجنوبية. اما الصفة الثانية فهى ذات بعد انسانى تتعلق بذاته وهى كونه اديبا بلا خصومات، ربما جاءت الخصومة من البعض لكنه لم يحمل ضغينة لأحد، بل كرس كل همه وجهده للكتابة والابداع فقط فلم نره يشغل نفسه بالكتابة ضد هذا او عن هذا.. وتلك طبيعة الكبار. وهذا ما يقول عنه الناقد الكبير رجاء النقاش: "لقد كان التعامل مع نجيب محفوظ يكشف لى دائما عن فضائله الكثيرة ومنها الأمانة والصدق مع النفس ومع الآخرين، والتواضع والتسامح وسعة الصدر وعدم اللهفة على اى مكسب من أى نوع، والرفض الكامل لأن يربط بين ما يكتبه وبين عملية النشر.. اى انه منذ بدايته لا يكتب بناء على طلب من الخارج بل يكتب ما يحس به وما يعبر عن تجربته فان لم يجد توقف عن الكتابة". وأرى ان هذه الصفات التى تلازمت وتوافقت جعلت من شخصية محفوظ شخصية ناجحة اجتماعيا وثقافيا، جعلت منه "هرما" على حد تعبير يحيى حقي. وهذا ما يؤكده نجيب محفوظ فى احد حواراته مع عبد العال الحمامصى عام 1982حيث يقول: "أفضل ما يستفيد منه الكاتب بالطبع هى التجارب التى عايشها بنفسه.. لأنها تتيح له ميزة الصدق مع نفسه ومع تجربته الفنية.. ولكن الكاتب لا يمكن ان يقتصر عالمه الفنى على مجرد ما عاشه هو.. اذ لا بد ان يثرى رؤيته بتجارب الآخرين ومعايشتها.. وبالخيال.. ولكنه الخيال الذى يعتمد على شيء من الحقيقة.. والا من الافضل ان يتجنب الكاتب الخوض فى موضوع يجهله.. لهذا أفضل الا اكتب عن الحرب مثلاً.. عن ان اكتب عنها من مجرد الخيال.. وما قلته هنا يمكن ان ينطبق على اعمالى الروائية". وفى رسائل نجيب محفوظ التى وجهت اليه او وجهها هو إلى الآخرين من الكتاب والساسة ما يدل على تلك المعانى والصفات والقيم المهمة. هى جزء أصيل من ابداعه ــ وان لم يلتفت اليها الكثيرون وقديما كان هناك فن ادبى ابتكره العرب القدامى يسمى بـ "الاخوانية" وهو فن اندثر مع تلاطم امواج الحياة وتقلبات الازمنة، هنا نستعيد ــ بعض ما كتبه "عميد الرواية العربية" الى أصدقائه وبعض ما كُتب اليه، فى محاولة لتوثيق هذا الجانب الخفى فى ابداعه، بما تثيره تلك الرسائل التى حاولت جمعها من هنا وهناك ومن بعض المصادر الخاصة حتى تكتمل الرؤية. وهى رسائل بعضها ذو طابع برقى سريع، وبعضها أشبه بالحوار الادبى والثقافي، لكنها ــ بكل تأكيد ــ تحمل فى طياتها أسئلة جوهرية حول التجربة الإبداعية والإنسانية وموقف المثقف من القضايا العامة والحريات. حكاية "نوبل" لم تكن علاقة نجيب محفوظ بجائزة "نوبل" هى فوزه بها عام 1988 بل سبقتها إرهاصات مصرية رشحت الرجل للحصول على الجائزة وان جاءت فى شكل مقالات نقدية وتنبؤات فنية كما حدث مع عميد الادب العربى د. طه حسين حين قرأ له رواية "بين القصرين" فأكد ان محفوظ اقدر الادباء العرب للحصول على الجائزة، وبعد نبوءة طه حسين بما يقرب من ثلاثين عاما وتحديدا فى عام 1891 ترددت الشائعات عن ترشيح أديبنا للجائزة، وحوارات محفوظ فى هذه السنة تدل على ذلك، رغم انه نفى علمه بهذا الامر، فنراه يقول فى احد حواراته لمجلة اكتوبر فى يوليو 1982:"ان الخبر لا اساس له من الصحة، لقد اخبرنى استاذنا توفيق الحكيم أمام عدم علمى بأى شىء يتعلق بهذا الترشيح، بأنه عندما يرشح اديب لجائزة نوبل، فإنهم يطلبون من سفارة بلده فى عاصمة السويد ان تخطره بذلك وان تطلب منه ان يقدم بعض المعلومات عن شخصه وإنتاجه، وانا لم يتصل بى احد فى هذا الشأن لا من سفارتنا ولا من اى جهة اخرى.. وليس من المعقول ان يرشح اديب لجائزة مثل هذه بغير علمه وبهذا يمكن القول مرة اخرى بأن الخبر الذى قرأناه كان غير صحيح". وأرجع محفوظ فى هذا الحوار مع الكاتب عبد العال الحمامصى السبب فى تأخر حصول احد من الادباء العرب على مثل هذه الجائزة العالمية الى ضعف حركة الترجمة فى الوطن العربي، رغم وجود مؤسسات كبرى للنشر الا انها ــ للاسف الشديد ــ لم تقم بدورها المنوط بها امثال هيئة الكتاب، رغم وجود قامات ابداعية كبرى كتوفيق الحكيم ويحيى حقى ويوسف ادريس. وظل محفوظ على قوائم الترشيح او قريبا منها لسنوات طويلة هو والحكيم، ويوسف ادريس الذى كان الاقرب للحصول عليها عام 5891 لولا ان اللجنة اختارت الروائى الفرنسى كلود سيمون بحجة ان الجائزة لم يحصل عليها فرنسى منذ عشرين عاما بعد رفض جون بول سارتر لها عام 1964 وجاء هذا فى لعبة سياسية واضحة المعالم، رغم ان كل المؤشرات ــ فى ذلك الوقت ــ كانت تؤكد ان إدريس هو الاقدر على الحصول عليها، لكن اثبتت التجربة ان القيمة الادبية ليست هى الفيصل فى نمط الاختيار. وهنا لنا ان نتساءل كيف تم ترشيح نجيب محفوظ للجائزة فى عام 1988؟ وللإجابة عن هذا السؤال لا بد ان نشير الى ان بعض المستشرقين الاجانب، كان منهم بعض المنصفين الذين اهتموا بترجمة النذر اليسير من الأدب العربي، فترجمت بعض اعمال يحيى حقى ويوسف ادريس اما توفيق الحكيم فقد اهتم بترجمة كتبه بنفسه، وعرفت مؤلفاته طريقها للقارئ الغربى منذ العشرينيات من القرن الماضى بالاضافة الى ترجمة بعض اعماله على يد هؤلاء المستشرقين الذين ترجموها بغرض الدرس الاكاديمى فى الجامعات الاوروبية، ومن هؤلاء الذين اهتموا بالرواية العربية وبأدب نجيب محفوظ ــ تحديدا ــ المستشرق شيفتيل ــ رئىس قسم الدراسات العربية بجامعة ليدز البريطانية ــ والذى كان ضلع اساسى فى ترشيحه للجائزة على اعتبار انه اول أديب عربى من الممكن ان يحصل عليها، وبالفعل كتب شيفتيل خطابا الى الاكاديمية السويدية فى 10 فبراير 1988 يرشح فيها محفوظ، وبعدها باسبوع ارسل شيفتيل خطابا لمحفوظ فى يوم 17 فبراير 1988 يخبره فيه بنبأ الترشيح.. وهذا نصه: الاستاذ نجيب محفوظ المحترم، تحية طيبة وبعد، أتشرف بارسال هذه السطور القليلة مقدما نفسى لسيادتكم وإخباركم بأن الاكاديمية السويدية لجائزة نوبل ارسلت الى اخيراً خطابا طلبت فيه ان اوافيهم باسم أديب يرشح للجائزة المذكورة اعلاه للسنة الجارية. فقد سررت جداً بهذه الفرصة الذهبية لإلفات نظرالاكاديمية الى أعمالكم الادبية التى يشار اليها بالبنان لأننى لم آلف أحداً أجدر وأحق من سيادتكم بهذه الجائزة. فلهذا هرعت الى ارسال توصيتى المتواضعة مؤكدا ان منح سيادتكم جائزة نوبل يعنى إعطاء القوس باريها نظراً لما وضعتموه من مؤلفات تعتبر من أرسخ دعائم وركائز الادب العربى المعاصر. فلا تؤاخذنى على عدم الاستشارة بسيادتكم قبل إرسال التوصية وذلكم لقصر الوقت، فأتمنى لسيادتكم ان تفوزوا بهذه الجائزة الرفيعة كى تحظى ثروتكم الادبية بالاعتراف الدولى الذى تستحقه. واخيراً فاقبلوا تمنياتنا القلبية مبتهلين من الله تعالى ان يعطيكم الحول والقوة والعافية للمضى فى إجزال العطاء الادبى لكل الناطقين بالضاد. المخلص أ. د. شيفتيل رئيس قسم الدراسات العربية الحديثة جامعة ليدز ـ بريطانيا وبتاريخ 22 فبراير 1988 نجد خطاباً يرد فيه محفوظ على رسالة شيفتيل هذا نصه: الأستاذ الدكتور شيفتيل تحية طيبة وبعد فقد تلقيت رسالتك الكريمة التى تنبئنى فيها بتفضلكم بتزكيتى لدى لجنة نوبل بالسعادة والشكر والتقدير، ومهما تكن النتيجة النهائية لمسعاكم الحميد فحسبى أننى فزت بتقدير أستاذ كبير فاضل مثلكم وهذا تقدير من ناحيته الادبية لا يقل عن الجائزة بحال. أكرر الشكر يا سيدى ولك منى أطيب تحية المخلص نجيب محفوظ
 Posted by Picasa

٣٠‏/٠٩‏/٢٠٠٦


شارع المتنبي
.. من جورج أورويل إلى الاعتراف بالفشل
محمد عبد العزيز


عبد الستار ناصر كاتب وروائى عراقى مقيم فى عمان، أحد الكتاب البارزين فى الثقافة العراقية، حافظ على صموده ونجاحه، لأكثر من ربع قرن ينطوى على جرأة وشجاعة فى كتابة القصة القصيرة، وهو يشاغب داخل مسروده القصص. سطع نجمه رغم تعرضه للسلطة الحاكمة، وهو الأديب العراقى الوحيد الذى ظهر على شاشة التليفزيون وصافح صدام حسين الرئيس العراقى السابق، ثم سرعان ما سافر إلى عمان ليعلن قطيعته مع نظام صدام، ويكتب عن مكبوتاته. فى قصص عبد الستار ناصر، تجد لذة عراقية تشابه طعم القيمر العراقى المخلوط بدبس التمر، وتشعر أنه فعلاً يقدم لك خبز التنور، أو صمون المخابز الحار. تتميز القصص التى يسردها بلغته الجميلة والحميمة، والتى تقوم على تنوع الحدث والانتقال فى الأمكنة والغوص بعيدًا فى تلافيف الروح، واقتناص حكاياتها من العمق، ونستطيع أن نتلمس حالة القمع والكبت الإنسانى الذى يغمر شخوص قصصه ورواياته، وأكثر ما يوظفه القاص عبد الستار هو التجارب الحقيقية الإنسانية، التى يوظفها لصالح النص القصصي، فهو لا يقف عند مشارف النص، أو مدخل القصة، بل يكون دليلاً أمينـًا، وقائدًا متميزًا فى الرسم القصصى المشترك. بدأ ناصر مشواره القصصى عام 1968 مع "الرغبة فى وقت متأخر" ثم "تلك الشمس كنت أحبها" عام 1971 و"طائرة الحقيقة" عام 1974، و"موجز حياة شريف نادر" و"لا تسرق الوردة رجاء" عام 1978 ثم "الحب رميـًا بالرصاص" عام 1985، و"مطر تحت الشمس" 1986، و"الشمس عراقية" 1986، "الكواشي" 2000، و"نصف الأحزان" عام 2000 و"بعد خراب البصرة" عام 2000. يقول ناصر فى مقدمة كتابه "شارع المتنبي" " إنه على الرغم من أن كتابة النقد ليست مهنته، فإنه أنجز ثلاثة كتب فى هذا المضمار الصعب.. ويقول: " والحكاية كما أراها الآن، هى أننى بعد قراءة أى كتاب ممتع أو مفيد يستهويني، أجد أصابعي، وهى تكتب الهوامش حول مستطيل الكلمات المطبوعة فى ذاك الكتاب الممتع المفيد، وإذا ما انتهيت من قراءته أعود إلى جمع هوامشى وأعمل على ترتيب مفرداتها، وإعادة كتابتها، فإذا بها كما العروس وهى تزف إلى مبدعها فى ليلة ماطرة لذيذة. شارع المتنبى هو الجزء الثالث بعد "سوق السراي" و"باب القشلة" الذى يتناول فيه ناصر خروج المبدع العراقى عبد الرحمن مجيد الربيعى من بيت الطاعة، وحكاية الكاتب المصرى خالد محمد غازى مع "نساء نوبل" وعن معاناة القاص الأردنى خليل قنديل وهو يكتب القصص القصيرة تحت حرارة يوليه .. كما أبحر فى صهيل أسئلة المبدعة التونسية رشيدة الشارني. يتناول ناصر فى القسم الأول من كتابه نقدًا لعدد من الإبداعات، فيبدأ بأول أعمال جورج أورويل "أيام بورمية" التى صدرت طبعتها الأولى عام 1934 وهى سيرة حياة أقرب ما تكون شبهـًا بحياة مؤلفها، وشخصية "فلوري" أيام كانت السيادة البريطانية طاغية بقوة على مساحات شاسعة من شرق آسيا بل تراه يعمد إلى أن حياة "فلوري" هى نفسها المحطات التى مر بها أورويل منذ عمل ضابط شرطة فى بورما قبل أن يصل إلى الشيخوخة، دون أن يدرى أنه سيموت أيضـًا قبل أن يكمل الخمسين من عمره. ويلفت ناصر إلى أن كل شيء فى "أيام بورمية" مزحوم بالسواد والغبار والحرارة، والبيوت، والشوارع الفرعية، والأسواق، والسجون، وثلاثة أرباع زمانها صيف لاهب يشوى النفوس ويزهق الأرواح حتى تشعر - أنت القارئ - بكثير من التعب. ومن أورويل يطوف بنا ناصر إلى القاص والروائى العراقى عبد الرحمن مجيد الربيعي، لا سيما مع كتابه "الخروج من بيت الطاعة" وما له من نكهة مختلفة ومتميزة عن بقية نتاجاته، إذ يحكى فيه عن تجربته فى كتابة القصة والرواية، كما يتطرق إلى المحظور والمسموح فى الابداع العربي، مع أفكار يناقشها حول العالمية والمحلية فى القصة والرواية، زائدًا بعض إشاراته فى طريق سيرته الشخصية، دون أن يغفل الحديث عن الحرية فى الإبداع والحياة. المحطة الثالثة فى معالجات ناصر النقدية، مع المؤلف خالد غازى فى كتابه "نساء نوبل" واصفـًا إياه بأنه من الكتب التى نحتاجها لتسخين الذاكرة، فهو يحكى عن كوكبة من النساء دخلن التاريخ من أجمل أبوابه، وكان حضورهن فى العالم خدمة حقيقية للقيم العظيمة، وخدمة أصيلة للعدل والمساواة والسلام. ومن غازى إلى لنا عبد الرحمن مع أوهامها الشرقية يعترف ناصر أن ما روته لنا قد أوجعه وأرغمه على التساؤل: ترى هل تعلم الدنيا بما يعانيه البشر فى هذه الرقعة من الأرض، والتى يسمونها الوطن العربي؟ ذلك أن ما تكتبه عن الروح يكشف ما يعانيه الجسد من خسائر وحروب يومية وتركات ورثناها من سالف العصر والزمان، ونطوق بها أعناقنا حتى نوشك أن نموت خنقـًا دون شفيع نستجير به. إن قصص لنا عبد الرحمن - بحسب ناصر - هذا شأنها الأول، والتالى أنها توقظ الدم ثانية فى الجسد المصلوب الذى امتدت إليه المسامير، عساها، وربما ترجو - هى - ذلك، لو أنها تتمكن من رفع مسمار واحد عن أصابع قتلاها، لكنها تكتشف بعد كل قصة تكتبها أن الوهم لا يزال أكبر منها، وأنها لن تحصد فى نهاية المطاف غير البقاء على أطلال قصر كان شامخـًا ذات يوم فى تأريخ النقاء، ونكران الذات والمروءة. وتحت عنوان: "جريمة قتل كتاب" يحدثنا أننا قد نسمع بالتطورات العلمية، ونزداد سعادة بما وصل إليه الإنسان من علو فى مضمار الفضاء، بينما الفوائد فى عالم الأدب والكتابة عمومـًا لا سلبيات ولا حروب فيها، إنه فى خدمة الإنسان، وزيادة وعيه ومعلوماته وثقافته، وهو البناء التحتى لهذا الكائن الذى لا يزال بحاجة إلى الأمان والسلام والطمأنينة والفرح، وهو ما لا تحققه العلوم عادة، إذا ما تذكرنا حالة الفوضى فى عالمنا المعاصر، حتى يبدو الناس فى الشوارع كما المجانين مع هواتفهم النقالة، وهو كذلك أيضـًا أمام شاشات الإنترنت التى يطول المقام أمامها أكثر من عشر ساعات فى اليوم الواحد أحيانـًا. وفى اعتراف جريء - لا نتفق معه - يقول ناصر: بعد أربعين عامـًا من زمن الكتابة، وأربعين كتابـًا حملت اسمي، رأيت فى ساعة صحو أن المسافة بينى وبين القصة القصيرة والرواية لم تزل بعيدة. أنا كاتب فاشل تجاوز الخمسين. ولم أحقق نصف ما حققه ماركيز، أو سارتر. مخيف جدًا أن يكون المبدع أصغر شأنـًا من بقية المبدعين. ويضيف: لن أتردد وأنا أعترف بالفشل الذى أحس به، أين مكانى فى هذا العالم فى موازاة هنرى ترويا الذى كتب "الميت الحي" والتى لن أتمكن من إبداعها حتى لو وصلت الستين من عمري؟ لم أسكت عن الكتابة، ولم أشعر بالعيب مما قرأت عنى وعن قصصي. وأكبر دليل على فشلى أننى أمضيت من عمرى أربعين عامـًا وأنا أقرأ وأكتب واقرأ وأكتب، وعلى الرغم من ذلك لا أعرف ما يدور حولى من أسئلة وتناقضات وألغاز وأسرار ومقومات وأساليب الكتابة، ولم أحقق نصف ما حققه سارتر وماركيز وبونزاتي، وما زلت أشعر بالخجل وأنا أقرأ استيفان تسفايج، وديرك والكوت، وأرى أنه قد أزف الوقت حتى أقول: كفى. وأخيرًا .. أقول يكفى أن تقرأ أعمال عبد الستار ناصر.. وكفى.
 Posted by Picasa