٢٦‏/٠٩‏/٢٠٠٦


الشعر الآن في أبهى أزمنته
هاشم شفيق


هل الشعر في أزمة، كما يتردد بين حين وآخر؟ هل الشعر في حال يرثى لها؟ أصحيح ليس لدى الشعر جمهور؟ وهل الكتاب الشعري في كساد والشعر نفسه آيل الى موات؟ كما قال المفكر اليوناني كوستاس أكسيلوس بموت الشعر، جريا على قول، موت المؤلف وموت التاريخ وموت الذات الإلهية؟ من جهتي، لقد راقبت الشعر أكثر من ثلاثين عاما، متجولا في أنسقته الجمالية وحقوله التعبيرية، مستكشفا من خلال هذه المسيرة عماراته الفنية وطرزه النفيسة المطروحة في الأشكال والمحتويات، محدقا في الصنيع والتجارب، في النماذج والأساليب، متتبعا الرؤى والأحلام والخيالات التي تتشظى من نسيجه الداخلي، وسرتُ في طرقه الصعبة والوعرة وتوغلت في البعيد، في الأغوار والمجاهل، لأرى وألمس وأحس بما يخلفه الشعر من صبوات وحرائق وأفكار، فلم ألمس من وراء هذه الرحلة، رغم مشاقها وخطورتها وتعبها، لم أحس سوى أن الشعر هو حياة ثانية للمبدع، ولم ألحظ من مظاهر للشعر منذ أمرئ قيس حتى أصغر شاعر من عام الفين سوى أنه في تطور متواتر، وأنه يعيش أبهى مراحله الزمنية، وأفاد على نحو جمالي من كل تحولات عصره. جمهور الشعر كان مزيجا متنوعا، ومن مختلف المستويات العلمية والثقافية، ومن شتى الشرائح والطبقات الاجتماعية، وبقيت صلة الشعر بالجمهور مستمرة حتى مطلع الثمانينيات، حيث أخذت تتراجع إبان ظهور الانفجار الكبيرفي الثورة العلمية، وخصوصا على صعيد الاتصالات وما حصل من تطور تقني في الوسائل المسموعة والمرئية وما لحق وسائط وشبكات الاتصال الالكترونية من ابتكار وكشف وابتداع. داخل هذا الصخب الآلي، اكتشف الشعر أيضا نفسه، فعاد الى داخله، الى عالم الأحلام واليوتوبيات والتأملات، ليكون فن القلة الذي يشتغل على عالم الجوانيات والدواخل، هدفه المجاهل والأباعد والماورائيات، فضلا عن مهمته الأساسية في اكتشاف الحياة والعالم، أي ان مهمته أصبحت جمالية بحتة، ترنو الى صقل اللغة عبر الإيجاز والكثافة والصفاء، ثم الاشتغال على فض الرؤى واختراع الحكايا الرؤيوية، وإضاءة الزمان الجديد والمتخيل من خلال لغة نبوئية، قادرة على الاختراق والتخطي، مؤثرة في الوقت عينه نقل الأحاسيس والمشاعر الإنسانية وفضح الباطن لدى الكائن وغزو أعماقه من أجل تعريضها للأشعة والإشراق الشعري، ابتغاءً في الوصول الى المشاركة والتفاعل واقتسام ما تنطوي عليه روح الآخر من مشكلات وجودية. وفق هذا المساق يمكن القول ان وظيفة الشعر قد تغيرت كثيرا، وطرأت عليها تحولات دلالية مست الجوهر فيها، أي ان الشعر غدا إشاريا، ميالا الى الانزياح نحو فن الصمت والإيحاء والإيماءة، وابتعد ان يكون وسيلة وغاية، نأى عن الهتاف ليتبصر في جوهره كونه فنا موحى به، يخضع للرؤى ونداء الداخل، وكف أنْ يكون داعية سياسية وواسطة يملى عليها لتغدو حمالة للطارئ والعابر والآني. تحت هذا المظور نجد ان القارئ أيضا تطور، وحصلت نقلة في سيرورة ذائقته نحو مناخ متقدم فيه تطلع الى الجديد والخاص والفاتن في الشعر العربي، أضحت لدى القارئ الجديد معرفة ورؤية لمواكبة جديد الشعر العربي ومتابعة الأساليب والتغييرات التي مست أدوات ولغة الشاعر العربي الجديد الباحث عن أفق مغاير للمعهود والمقرر والمكتوب تحت وطأة التكرار، والحماسة لقضية ما، بغية إرضاء الذائقة السطحية، إذاً القارئ أيضا مسته عدوى التجديد والنفور من الزعيق والنظم والحشو التعبيري والمطولات والملاحم الباكية على الماضي النضير، وإلا لما لاقينا من يقتني ويحب ويشير الى <شناشيل ابنة الجلبي> للسياب و<قصائد حب على بوابات العالم السبع> للبياتي و<الفرح ليس مهنتي> للماغوط و<ورد أقل> لمحمود درويش و<الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع> لأنسي الحاج و<جنة المنسيات> لسعدي يوسف و<زيارة السيدة السومرية> لحسب الشيخ جعفر و<كائنات مملكة الليل> لحجازي و<أغاني مهيار الدمشقي> لأدونيس. حركة الكتاب الشعري لو عدنا الى خواتيم الأربعينيات، ونظرنا الى حركة الكتاب الشعري، إبان تفجر حركة الشعر الحديث، لوجدنا حركة الكتاب لا تتعدى القطر العربي المطبوع فيه، وإذا طبع في العاصمة، نجد من الصعب وصوله الى المحافظات والنواحي والقرى، فيظل أسير الموضع الذي طبع فيه، فديوان نزار قباني الأول <قالت لي السمراء> طبع منه ثلاثمئة نسخة، وتكاليف الطبع كانت على نفقة الشاعر، وكذلك هو حال السياب في البدايات والبياتي، وكان رواد الشعر العراقي يطبعون في مطابع بغدادية مغمورة ومحدودة الانتشار، بحيث انسحب هذا الوضع على مرحلتي الخمسينيات والستينيات، فعلى سبيل المثال مطبعة <شفيق> ورافئيل بطي الصحافي والناقد في بغداد وغيرها كانت تطبع على نفقة الشاعر أو الكاتب نفسه، وكذلك هوالأمر مع مطابع البصرة والموصل، والديوان المطبوع لا يتعدى الخمسمئة نسخة في كل الأحوال وهكذا كان حال <حفار القبور> للسياب و<خفقة الطين> لبلند الحيدري و<ملائكة وشياطين> للبياتي، والحال ينطبق على <القرصان> لسعدي يوسف في البصرة، والديوان المشترك ليوسف الصائغ وهاشم الطعان في الموصل، وهنا يظل تداول الكتاب مرهونا بنسبة المتعلمين وعدد النخبة. بينما الكتاب الشعري الآن يسافر الى جميع أنحاء العالم، يقطع مسافات ويعبر قارات وينفذ عبر الحدود والأسلاك بألف وسيلة ووسيلة، فالمعارض التي تقام حاليا في العالم العربي، عددها بات لا يحصى، فبلدان الخليج العربي كمثال، باتت لها معارضها الخاصة بالكتاب، وهي دول صغيرة، ولكنهت أصبحت تنافس المعارض العالمية، لما تقدمه من خدمات ومستلزمات فنية وتعبوية، لإعلاء شأن معارضها ولفت النظر وجلب الزوار، أي المهمة غدت حضارية، مقرونة بعوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية، زائدا انها اكتسبت خبرات ومهارات السوق العالمية للكتاب، حتى غدت على هذه الدرجة من المستوى والتنفيذ والتنويع في المحتوي والمطروح، من التشكيلات الطباعية، هذا فضلا عن اشتمال المعرض على ندوات أدبية وفكرية وفنية، وحفلات توقيع تدعم وتساند المعروض، فالشاعر الحديث، مثلا، لم يعد معزولا، مثل السابق ومهمشا ومقصيا في أقصى قرية من بلاده، مثل السياب وجيكور والبريكان والزبير، بل رأينا الشاعر المعاصر، يوقع في مصر ودمشق وبيروت وعمان والرباط وتونس، ثم يستقل الطائرة، ليحضر حفل توقيع ترجماته في دور فرنسية وألمانية وانكليزية وأسبانية وإيطالية، كما حصل مع أدونيس ومحمود درويش وسعدي يوسف، أي رأيناه حاضرا في مكان مختلف ولغة مختلفة وجمهور مختلف، ومهما كانت الدواعي والوسائط والأساليب لهذا الحضور، يبقى انه يشكل إضافة هامة لثقافتنا العربية، ويؤدي الى انتشار الصوت الثقافي اللامع والمتنور والمغاير لصوت ثقافة العنف والتخلف والتكفير والإرهاب الذي لطالما اتهمنا به، فالشاعر هنا هو بمثابة السفير الحقيقي للامة، هو الصوت المتجول الذي يحمل الرؤى والصور والنبوءات. أما بخصوص مبيع المجاميع والدواوين الشعرية، فهنا الكل يبيع، خذ على سبيل المثال لا الحصر، دار <صادر> و<المعرفة> وهما داران بيروتيتان عريقتان، تطبعان للشعراء الكلاسيكيين القدامى، هاتان الداران تتفننان بالرونق والشكل ونوعية الورق والغلاف، رغم انهم قد غادروا الى مثواهم منذ أكثر من الف عام. إذاً الكل يطبع ويبيع، فالشعراء الرواد المحدثون والمعاصرون، أغلبهم صدرت أعمالهم الشعرية في أكثر من طبعة، محمود درويش، طبعتْ أعماله الشعرية في البدء دار <العودة> في أكثر من طبعة، ثم <المؤسسة العربية> وأخيرا وليس آخرا دار <رياض الريس> أدونيس، طبعتان دار <العودة> ثم <المدى> في دمشق، سعدي يوسف، طبعة الأعمال الشعرية الأولى كانت في دار <الأديب> البغدادية، ثم <العودة> ومؤخرا صدرت طبعته الثالثة في <المدى> البياتي والماغوط وامل دنقل وممدوح عدوان، صدرت طبعتان من أعمالهم الشعرية، بذا يكون الشعر معمرا ومقروءا على مدى طويل، وهو سيبقى سيد الفنون وديوان العرب بامتياز وحتى في الغرب هو ايضا ينظر له كونه أعلى مرتبة من بقية ما يكتب بصفته فن الكثافة والإيحاء والتقطير، ففي زمن الشاعر الفرنسي جاك بريفير، اختفى روائيون كثيرون وبقي هو الأكثر مبيعا منذ نصف قرن، الشاعر الأميركي والت ويتمان، لا يزال يتصدر قوائم المبيعات بديوان وحيد هو <أوراق العشب> وما بقي مطلوبا من بين روائيين عديدين كانوا يكتبون في زمنه هو الروائي هرمن ملفيل كاتب رائعة <موبي ديك> لأنه كاتب استثنائي، والأمر ذاته ينطبق على ت س إليوت الذي يتصدر الواجهات دائما ومعه ييتس وكيتس ومكنيس وأودن وآر س توماس وتيد هيوز وسيلفيا بلاث وأميلي ديكينسن، عراقيا هناك السياب هو الأبرز وربما هو الأبقى قياسا الى أقرانه من الروائيين والقصاصين، سوريا نجد أدونيس، فهو العلم الأشهر قياسا بالذين بدأوا معه من القصاصين والروائيين، وإذا قيل ان هؤلاء رواد ومطلوبون ومن هنا تكررت طبعاتهم، لكن الواقع الشعري العربي يقول عكس هذا، فثمة شعراء عرب من أجيال لاحقة طبعت مجاميعهم أكثر من طبعة كشوقي بزيع، عز الدين المناصرة، محمد علي شمس الدين، فاضل العزاوي، جودت فخر الدين، محمد بنيس، حسن طلب، قاسم حداد، بول شاؤول، ويحيى جابر، والأخير هو من جيل احدث، ونصف هذه الدزينة تكتب قصيدة النثر، لا بل هناك شعراء من جيل أجد، يطلق عليهم <جيل الفين> في بيروت، نشروا قصائد نثر، ودعوا الى توقيع مجاميعهم وباع كل شاعر في حفل التوقيع قرابة الثلاثمئة نسخة، كناظم السيد وغسان جواد، وكانت كلفة طباعة هذه المجاميع على دار <مختارات> التي رأت في نتاجهم ما يستحق المغامرة، ومثل هذا يحدث في دمشق وفي القاهرة. هذا عدا أن هناك شبيبة شعرية تسعى الى المخرج ذاته في كل من المغرب العربي والخليج العربي . أما شكوى بعض دور النشر من قلة مبيعات الشعر، فهي شكوى دائمة، لأن أصحاب دور النشر العربية يريدون من الكتاب الشعري أن يكون <البيست سيلير> أي الكتاب الأكثر مبيعا، والشعر بالطبع لا يرتضي أن ينزل من مرتبته الجمالية والفنية، ليبيع مثل كتب الطبخ والريجيم والرياضة وكتب الأحزاب الدينية المتطرفة، أو مثل كتب الروايات الإيروتيكية التي تنقل في متونها عوالم فضائحية، أو كتب المذكرات ذات اللمسة الآنية، صفوة القول هو ان الشعر ليس آنيا، لأنه نتاج الرؤية، وزمانه يكمن في البعيد، لذا نراه قليل التداول، بطيء البيع، ويباع على مديات، تمتد لسنوات، ولكنه، وهنا يكمن بيت القصيد كما يقولون، سيبقى متداولا ومطلوبا ويعاد طبعه لقرون، وإلا ما الذي يدفع داراً مثل دار <العودة> أن تلجأ لطبع شاعر مثل الياس ابي شبكة، سوى انه مطلوب وباق بقوة ما كتبه وقدمه من أشعار مبدعة، لتقدمه في حلة جديدة وفي أعمال شعرية كاملة، بعد أن كانت أعماله متناثرة بين دار <المكشوف> وغيرها، لقد قضى أبو شبكة وهو في مطلع الخمسين من عمره، منعزلا، وبعيدا في قريته بسكنتا، تاركا وراءه إرثا خلاقا ولافتا، بحيث جاء من يجمع ما أبدعه من صنيع ليعيد اليه ألق الاستمرارية من إبداع شعري كامن فيه قادر أن يتحول عبر ضوء الديمومة باتجاه السرمدية. حال الشاعر الآن قضى السياب في أواخر الستينيات من القرن الماضي، بعيدا ومنعزلا وعليلا، كان يقايض ديوان شعر بقنينة دواء، ويستجدي حبات منه بمكافأة لقصيدة، فشاعر مثل السياب، لم يسافر طيلة حياته من أجل الشعر، سوى مرتين، وكانت هاتان السفرتان من تدبير يوسف الخال، الأولى دعاه ليقرأ قصائده في بيروت، ضمن خميس مجلة شعر، والثانية كانت الى روما، يوم انعقاد مهرجان الشعر العالمي، والمرة الأولى التي حصل فيها على جائزة كانت أيضا بدافع من يوسف الخال، حين منح ديوانه <أنشودة المطر> جائزة مجلة شعر، كاستحقاق أولا على صنيعه، وثانيا كمساعدة له في تخفيف أعباء محنته الشخصية. بينما ظرف الشعراء العرب اليوم، على صعيد المهرجانات والجوائز، فإنه لا يمكن مقارنته بالسابق، فالشاعر اليوم، نجم يلمع هنا وهناك، يدعى الى مهرجانات أدبية وثقافية لا تحصى، محلية وعربية وعالمية، يوطد من خلالها صلته بالآخرين، وينقل لهم ثقافة بلده أولا، عبر ما يصلهم من نتاجه الإبداعي، ثم يترك انطباعا معرفيا ووهجا كارزميا في المحل الذي يحل فيه، فهنا ثمة اتصال بالآخر، ثمة علاقة جمالية، تربطه به، فهو ليس معزولا في قريته، يكتب الشعر ويعاني أمراض الجسد والسياسة والمجتمع، بل هو على تماس مع الواقع والوقائع، يتنقل في كل مكان، ويرى كل شيء، ويتحدث ويساجل ويدلي برأيه عبر الوسائل الإعلامية، في بلده أو هذا البلد أو ذاك، ينتقد ويشير ويصرح ويكتب عن زياراته في الصحف والمجلات التي يعمل أو يتصل بها، كما يرشح الشاعر نفسه، أو ترشحه نقابة معينة لنيل إحدى الجوائز العربية الكثيرة، وقد يفوز بأكثر من واحدة، وربما يكون من بينها جوائز عالمية، ناهيك عن المنح التي تمنح للشاعر والتي تكلل دائما بالانتجاع والاستجمام والإقامة لغرض الكتابة، كل هذه الإمكانات هي الآن معروضة أمام الشعر، ثم يأتي من يقول لك: ان الشعر يموت، ويعيش في غرفة الإنعاش ، وإنه زمن الرواية! التلقي مسؤولية الشاعر أزعم من زاويتي الخاصة وأظن، أن مسألة الإيصال والتلقي، تقع بالدرجة الأساسية على الشاعر نفسه، بالتأكيد نحن باستطاعتنا التقييم والاحتكام الى الذائقة في التفضيل، كون هذا القميص جيداً وتلك السيارة رديئة وسيئة الصنع، الشاعر مثل هؤلاء الصانعين ينتج ولا أحد يشاركه صناعته سوى مقدرته وتمكنه ومدى طاقة الخلق الكامنة فيه، أي كم هو موهوب ومثقف وعارف بأسرار صناعته، فالشعر <صناعة وضرب من النسج> كما قال الجاحظ، يوما، وهو المسؤول الأوحد أمام هذه المهمة الجمالية التي أنيطت به، والشاعر المبدع هو من يفرض صوته وصنيعه وهو من يتجشم عناء هذه المسيرة عبر الإخلاص لها والتفرغ روحيا وعمليا لكل ما يحيط بهذا الفن من معارف وأسرار وخبرات وصولا الى حسن أداء الرسالة. لو عدنا قليلا الى ستينيات القرن المنصرم، وتابعنا سيرة النشر ونشاط الشعراء البارزين آنذاك عبر المجلات التي كانت تتبنى نشر نتاج المبدعين من الشعراء الرواد في تلك الأيام مثل مجلة <شعر> و<الآداب> و<حوار> و<الأديب> يوم كان السياب ينشر الى جانب توفيق صايغ في <حوار> وهو صاحب المجلة، سنجد قصيدة السياب، كانت تصل الى القارئ أكثر، وتنتشر وتحفظ، وفي الوقت ذاته، تحمل نواة ديمومتها، وكانت مجلة <شعر> تنشر لجبرا إبراهيم جبرا وأنسي الحاج، فكانت قصائد جبرا تظل طريقها الى القارئ، وقصائد أنسي تلقى قبولا وتعطى مكانة من لدن القارئ، وتنشر المجلة أيضا قصائد ليوسف الخال وهو صاحب المجلة الى جانب قصائد لأدونيس، فنجد قصائد الأخير تجد صدى مختلفا ولافتا، غير الصدى الذي توفرت عليه قصائد الخال، وتنشر <الآداب> قصائد للويس عوض وعبد الصبور، فنلقى الأخير قصيدته قد أثارت لغطا، والأول تداركه الصمت وربما الإهمال، وتنشر المجلة ذاتها قصائد للشعراء محمود درويش وتوفيق زياد، فتحصد قصيدة محمود درويش إعجابا ودويا لدى النخبة والعامة، بينما قصيدة توفيق زياد رغم مباشرتها ووضوح مضامينها تؤول الى حالة أخرى، وتنشر المجلة كذلك لخليل حاوي وفؤاد الخشن، فنجد الشعر يستبقي الأول ويلفظ الثاني، و<الأديب> تنشر للبياتي وكاظم جواد مشاكسه ومنافسه، فترينا الأيام بقاء البياتي وغياب تام لكاظم جواد ليس عن الساحة الشعرية العربية، بل حتى العراقية.
 Posted by Picasa

٢٣‏/٠٩‏/٢٠٠٦


يوخنا دانيال
الدخول الى عالم الـ "ماتريكس"!

تطرح سلسلة أفلام The Matrix ( المصفوفة او الرحم )، مسألة الآفاق البعيدة في علوم وتقنيات الاتصالات والمعلوماتية ونظم السيطرة والمحاكاة، وصولا إلى موضوع الذكاء الاصطناعي بأوسع معانيه وتطبيقاته، وإمكانية خلق نظم محاكاة متقدمة جدا وواسعة، تماثل وتتضمن كل أجزاء وتفاصيل حياتنا اليومية او الاعتيادية .... أي إمكانية إقامة أو خلق عالم افتراضي متكامل ومترابط بواسطة برامج المحاكاة، بحيث لا يختلف عن العالم الواقعي بل يكون بديلا عنه، في سبيل السيطرة على البشر. وعندما يخسر البشر المعركة النهائية مع مكائن وآلات الذكاء الاصطناعي - ( التي اخترعوها أصلا لخدمة الإنسان، او بالأحرى لشن الحروب على بعضهم البعض ) .... فانهم يلجأون إلى الحل "النهائي"، وهو حل شمشوني بامتياز : إذ يدمرون البيئة والمناخ ويعزلون الكوكب عن الشمس لكي يحرموا الآلات الذكية من مصادر الطاقة اللازمة لها، مسببين بذلك دمارا كبيرا للمدنية والحضارة ومظاهر العمران والتقدم في الكوكب الأرضي؛ مما يؤدي إلى انحسار الوجود البشري على سطح الكوكب، واقتصاره على مدينة واحدة في باطن الأرض، هي الملجأ الأخير للإنسانية. كل هذه الأحداث تجري تقريباً في النصف الأول من القرن الثاني والعشرين او في نهايته ... هنا نهاية التاريخ (الحقيقي) الذي يصنعه البشر. وبالنسبة لأي "مراقب" مستقل في الفضاء، فانه سوف يلاحظ ان الأرض قد تبدل مناخها وغلافها الجوي تماما بحيث لا تصلح لسكنى البشر، وان مظاهر الحياة والفعاليات الانسانية قد اختفت منها كلياً. لكن كل هذه الحقائق والتفاصيل سنعرفها لاحقا في الفلم، فعلى الشاشة نرى العالم يعيش قريبا جدا من نهاية القرن العشرين، إلا أن تفاصيل الحياة تختلف عن حياتنا الى حد بعيد. كل شيء يبدو أكثر تنظيما ودقة، أكثر انضباطا، بلا مشاكل كبيرة أو حتى من دون صعوبات للوصول إلى ما نريد أو نحلم به. أنها تشبه الحلم المستمر أحيانا، نريد الاستيقاظ منه لكن من دون جدوى. وكل من تساوره الشكوك في حقيقة حياته ومسيرتها الهادئة، يصبح خطرا على النظام العام، وأية فعاليات أو حتى تساؤلات بسيطة عن حقيقة الحياة تجعله تحت المراقبة والمتابعة الدقيقة من قبل حراس النظام. في هذا الفلم ، تختلف الأحداث عن فلم1984 ) ) ، ففي الأخير يدرك البطل ويفهم كل ما يجري من قمع واضطهاد وتزييف مستمر للحقائق والوقائع والتاريخ، ويحاول أن يثور على ذلك. أما في الماتريكس، فان كل شيء منظم، لا صراعات، لا كفاح من أجل أي شيء، كل شيء في متناول اليد .... عصر ذهبي للإنسانية، تستطيع أن تحقق كل ما تطمح إليه وتحلم به. الخطر الوحيد أن تحارب هذا التنظيم، أن تتمرد على مسيرة هذه الحياة، أن تتحول إلى البدائية أو الوحشية، أن ترفض الامتثال لشروط الحياة المثالية التي يوفرها النظام العام والمجتمع. وكالعادة في مثل هذه الأفلام، فان هناك حفنة من الثوار - أصلهم من مدينة في باطن الأرض - يكشفون لنا وللبطل؛ أن العالم الواقعي هو فعلا غير موجود، بل أنه يعمينا تماما أو يقتلع عيوننا لكي لا نرى العالم الحقيقي، عالم العبودية والخراب. أن ما نعيشه فعلاً : هو برنامج ضخم جدا للمحاكاة الحياتية في مدن مختلفة، وبطريقة الواقع الافتراضي، لذلك فان كل شيء ممكن ومنظم وهادئ 100%. أما حقيقة العالم الفعلية، فان البشر يعيشون منذ الولادة وحتى الموت، في حاضنات عملاقة، أشبه بالموتى او الأجنّة.... عقولهم فقط أو بالأحرى أدمغتهم هي التي تعمل، لأنها مربوطة ببرامج المحاكاة الضخمة. وعندما نتساءل.... لماذا ؟ لأن الدماغ الإنساني، والجهاز العصبي المرتبط به، يولّدان كميات من التيار الكهربائي والسعرات الحرارية. وفي غياب الطاقة الشمسية وغيرها من أشكال الطاقة، فان الآلات الذكية التي تحكم الأرض، تزرع وتكاثر البشر ( بتقنيات الاستنساخ وغيرها) وتحفظهم كمصادر للطاقة، أي (بطاريات) ذكية، حية او عضوية. وكي يحيا النوع الإنساني فعلا ويولّد الطاقة باستمرار، فان الدماغ يجب أن يعمل باستمرار أيضا، إذ يتم خداع العقل الانساني وايهامه بأنه يحيا حياة طبيعية واجتماعية، وذلك بواسطة البرنامج الجبار المسمى الـ MATRIX ، الذي يظهر على شاشة المراقبة عند الثوار : بشكل صفوف مستمرة لا تتوقف من الأرقام او المصفوفات الرقمية التي تسيطر وتنظم كل أمور "المجتمع السيبري" الذي ترتبط به عقول أو أدمغة جميع البشر.
إذن، ما نراه على الشاشة البيضاء أشبه ما يكون بلعبة فيديو "عضوية" هائلة، والثوار هم الوحيدون الذين يعيشون حياة حقيقية او فعلية، خارج هذه اللعبة. انهم يتصلون بالبطل ( نيو - الممثل كيانو ريفز) عن طريق إرسال الأحلام أولا في ساعات النوم – او تحت تأثير المخدرات - عندما لا يكون تحت سيطرة برنامج الـ Matrix ، ثم يتعاملون معه - ويكسبونه إلى صفوفهم - داخل برنامج الـ Matrix في ساعات اليقظة بفضل جرأتهم وتقنياتهم المتقدمة. والمرحلة الثالثة تتمثل بإخراج عقل البطل من سيطرة او هيمنة برنامج الـ Matrix. وأخيرا، يحررونه جسدياً من الحاضنات ويخرجوه من السبات الاصطناعي الطويل المفروض على جميع البشر .... ونعيش مع البطل نيو "صدمة" الاستيقاظ على العالم الحقيقي .... الظلام واضطرابات المناخ تسود جميع أركان الأرض، لا عمران ولا مدن مستقبلية "زاهية" كما في افلام الخيال العلمي عادة ... بل سلسلة أبراج كئيبة، ضخمة جدا، تتألف من طوابق كثيرة ممتلئة بالحاضنات "البشرية" المرعبة، تنتج الطاقة الكهربائية اللازمة لاستمرار أنظمة وآلات الذكاء الاصطناعي. يصحو البطل - الذي تختلف ملامحه الحقيقية وقابلياته الجسدية عن ما شاهدناه فيما مضى من الفلم، وتبدأ بالانفصال عن جسده جميع الأسلاك والأنابيب الكثيرة التي تربطه في قوقعته، لتنتشله لاحقاً أجهزة الثوار وتجلبه إلى عالمهم الحقيقي، حيث يعيشون في سفينة هوائية. وربما يكون مشهد استيقاظ البطل، وإدراكه – او إدراكنا - للعالم الحقيقي والشروط التي يعيش ويحيا فيها النوع الإنساني، من المشاهد التي لن تنسى في تاريخ السينما؛ مشهد سريالي بمعنى الكلمة، مشتق من أكثر الكوابيس رعبا، الإنسان المخلوق على صورة الله، الكائن الاجتماعي العاقل ، ما هو إلا خلية لتفاعلات كيمياوية تولّد الطاقة للعالم المشوّه الخرب .... لقد انتهى الزمان وكذلك المكان والاجتماع الانساني.
معارك "ذهنية" مميتة!
هذه هي جرأة التصور والخيال الجامح لمن صنعوا هذه الأفلام : ( الأخوين أندي ولاري واتشوفسكي ). أما المغامرات البطولية والمعارك الخارقة في الفلم، فانها تحدث في معظمها ضمن الكون "السيبري"، وهي تتبع نفس الشروط التي نعرفها في ألعاب الفديو، إذ تتطور قدرات الأبطال بسرعة فائقة، ويتسارع منحنى تعلم القابليات بمرور الوقت وازدياد التجربة. ولأن المعارك تحدث في الواقع الافتراضي أو على الصعيد العقلي فقط ... فان كل شيء يصبح ممكنا تماماً. لكن هناك ثمن باهظ يجب أن يُدفع في هذه المعارك ... عندما نموت في المعركة، لاتوجد هناك فرصة ثانية او حياة اضافية كما في ألعاب الفديو. ان الموت "السيبري" يعني بالضرورة الموت الجسدي والواقعي أيضاً، لذا فان هذه المعارك مهمة جدا وحاسمة، ولا يمكن الاستخفاف بها في السياق السردي والفني ... وهذا يذكرنا بالهند القديمة، عندما كان يخسر أحد المتناظرين في موضوع ما او مسألة جدلية، كان عليه ان يصبح عبدا للمتناظر الفائز او يُقتل ... وربما نحتاج لمثل هذه "العقوبات" في وقتنا الحاضر، لكبح جماح المتناظرين والمتحدثين المجانيين في كل مجال وحقل. وبالطبع، فانه من الناحية الفنية البحتة، لا يمكن تجاهل مشاهد المعارك والفنون القتالية الفذّة في هذه السلسلة من الافلام، وتصويرها الرائع والمتفوّق، او النظر اليها باستخفاف وعرضية. انها إحدى المعالم البارزة في الفن السينمائي المعاصر عامة، والملايين من المشاهدين في العالم أسرى لهذه المشاهد المذهلة، ولا يريدون البحث او الخوض في باقي عناصر ومكونات الفلم. ان ما يسمى بـ "التأثير او المؤثر الآسيوي" في هوليوود، ويقصد به تسلل الفنون القتالية الشرقية والممثلين والمخرجين الآسيويين، يتجلّى في أبهى صوره في سلسلة أفلام الـ ماتريكس، إذ تمكن صنّاع الفلم من دمج الفنون القتالية الشرقية، وعناصر عديدة من سينما الأكشن من هونغ كونغ، بسلاسة وجمالية عالية في فلم ذي طابع غربي تماما، بفضل الاستعانة بأفضل المواهب والخبرات الآسيوية في هذا المجال.
رموز واشارات أسطورية و"دينية"!
في الفلم ايضا، هناك إسقاطات وأبعاد روحية وأسطورية من مصادر متعددة؛ إذ ان الثوار يؤمنون بوجود "مخلِّص" يبحثون عنه باستمرار، بالأحرى يبحثون عن عقله داخل برنامج الـ Matrix ، وهم مؤمنون بأن عقله المتفوّق وبمساعدة تقنياتهم المتقدمة وتضامنهم، سيكون أقوى من أنظمة وآلات الذكاء الاصطناعي، وانهم سوف ينتصرون في المواجهة الأخيرة مع حراس وجنود الـ Matrix ، لتبدأ عملية التحرير العقلي والجسدي للمحتجزين في خلايا توليد الطاقة. وإذا كان البطل في رواية 1984 ينهار ويفشل في النهاية، ويستسلم إلى الدكتاتورية الممثلة بالأخ الأكبر، فان المنطلقات "الإيمانية" بحتمية انتصار العقل الإنساني على أي شكل من أشكال الذكاء الاصطناعي في سلسلة افلام الـ ماتريكس، تؤدي إلى إمكانية الانتصار فعلا برغم كل التضحيات الكبيرة وذات الطابع الشخصي أيضا بالنسبة لأبطال السلسلة. كما يجب ان لا ننسى الرموز الواضحة جدا في الفلم : فالبطل أسمه (نيو)، هو الإنسان الجديد، وهو رمز مسيحاني واضح. كما ان الفتاة التي تحبه اسمها ( ترينيتي او الثالوث الأقدس)، وهي رمز للحب الإلهي الذي يقيم البطل من الموت في ساحة المعركة. أما زعيم الثوار الذي لعب دوره الممثل المبدع "لورنس فيشبورن"، فانه يحمل اسم شخصية أسطورية هي "مورفيوس"، إله الأحلام عند الإغريق، الذي يبحث عن العقول ويتحرش بها أثناء النوم، ليزرع فيها بذرة الشك والتمرد والوعي. ولا يكتفي صنّاع الفلم بهذه المجموعة من الرموز والاسقاطات المشتقة من الكتاب المقدس والحضارة الاغريقية، إذ يطلقون اسم الملك البابلي الشهير "نبوخذ نصّر" على سفينة الأبطال الهوائية، ربما لمعادلة التأثير الناتج عن إطلاق اسم "صهيون" – وهو رمز ديني يهودي/مسيحي واضح – على المدينة الأخيرة التي يسكنها البشر، من كافة الأعراق، في باطن الأرض. ان الاسم الأخير أثار الكثير من المشاكل أمام إمكانية عرض هذه الأفلام في بعض البلدان العربية وخصوصاً في مصر، لكن الفلم اخترق كل الرقابات ونجح بشكل خيالي في كل مكان، وفي مختلف الوسائط ومنصات العرض. وفي الترجمة العربية تحوّل اسم صهيون الى "زيون" كما يلفظ بالانكليزية، للتخلص من اعتراضات الرقابة الضيقة النظر ... وقد نجحت هذه "الحيلة" حتى في تلفزيون الشباب (العراقي) – الذي كان يملكه عدي صدام حسين في أيام النظام العراقي السابق. ونقدياً، ربما يمكن اعتبار لجوء صنّاع الفلم الى هذه الرموز "المباشرة" و"التقليدية" كنوع من ضيق الأفق وضيق الخيال أيضا، بينما هم يبحثون في موضوع مستقبلي وثوري، هو "الصراع" الأزلي بين الانسان والآلة. كما ان الاستخدام المتكرر والمكثف لهذه الرموز والاشارات، ربما يبعث رسالة "تقليدية" خاطئة للمشاهدين، وخصوصا في الفلم الأول من السلسلة. لكنهم يعالجون مشكلة "الشطح" الرمزي والروحي هذه في الافلام اللاحقة، كي تستعيد الفكرة الآساسية الوحدة والتماسك والانسجام في إطارها الحداثوي والعلمي والانساني المحض.
لكنْ ... منْ هو "نيو"؟
وهنا لا بد من بعض التفسير الضروري للوصول الى فهم أكثر دقة ومعقولية لفكرة الفلم وأحداثه : ان الشذوذ Anomaly في أي نظام دقيق ومتقن هو إحصائي بطبيعته، بمعنى ان واحد زائد واحد يساوي اثنان في معظم الحالات، أي انها حقيقة إحصائية وليست حقيقة مطلقة – لا نتحدث هنا عن نسبية الحقيقة. لكن الشذوذ غير ظاهر او غير محسوس تقريبا على هذا المستوى. لكن لنفكر بالعمليات التي تحدث على مستوى الذرة ونواتها ... هناك أشياء تبدو مستحيلة الحدوث، مثل : هروب بعض الجسيمات الأساسية الدقيقة من النواة، مرور الالكترونات (السالبة الشحنة) عبر النواة (الموجبة الشحنة) في مدارات شبه مستحيلة طاقياً. ان مثل هذه الحالات قد تحصل مرة واحدة في عشرات الملايين من المرات ... لكن في هذه المستويات الدقيقة جدا، فان مثل هذه الاحتمالات الضئيلة تصبح مهمة جدا Significant .إذن ... "نيو" ليس المسيح او المهدي المنتظر، او البطل الشعري او الرومانسي، او البطل الاسطوري او الشعبي.... بالأحرى، انه "الشذوذ" الملازم لأي نظام دقيق، محكم، ومتقن. انه الشذوذ الاحصائي الذي يخرق النظام العام، وربما يؤدي الى القضاء عليه، وبهذا المعنى فان "نيو" هو الوحيد او الواحد في أي نظام، لكنه ليس الأول او الأخير. إذ ان كل نظام يحاول التخلّص من هذا الشذوذ المصاحب - او استيعابه على الأقل، وبالتالي فهو يبحث عنه بجدية واخلاص. ان "العرّافة" و"المعماري" و"صانع المفاتيح" والآخرين، هم برامج من صنع النظام – وقد يبدو انهم يتخذون مواقف قد تبدو متعارضة او متصارعة – من أجل الوصول الى "الشذوذ" المهدد لكمال النظام. وبالطبع، فان "المعماري" ... هو البرنامج الأكبر، والأساسي، الذي يبحث عن الشذوذ الذي نعرفه باسم "نيو"، وهو الذي يبني الطبعات المختلفة من برنامج الماتريكس الضخم، انه بمثابة "الخالق" هنا.
وعندما ينجح أي نظام في تدمير الشذوذ الملازم له، أي ينجح في ترقية نفسه، فانه يفتح الفرصة لولادة شذوذ جديد Neo Anomaly . وفي سلسلة أفلام الماتريكس، يقتنع النظام "الآلاتي" والشذوذ "الانساني" في النهاية بعقد هدنة، للقضاء على برنامج التدمير "العدمي" الشامل المسمى "سميث" : الذي يستنسخ نفسه الى ما لا نهاية ويسيطر على كل البرامج والعقول الأخرى، سميث ... الذي يبغي تدمير كل شيء، البشر والآلات أيضا. "سميث" ... الذي هو إرادة صافية وفاعلة للتدمير الشامل والعام. وفي النهاية، بعد المعارك الدموية الملحمية، نحصل على حلّ توافقي او تصالحي، ولا بد من تعايش البشر والآلات الذكية ... إذ لا أحد يتصوّر امكانات أخرى او نهايات اخرى لهذا الصراع او لهذه العلاقة "المعقدة" بين البشر والآلات. مخرجون مبدعون آخرون بحثوا في هذا الموضوع، ستانلي كوبريك في "أوذيسة الفضاء"، ستيفن سبيلبرغ في فلمه "المشترك" مع كوبريك، "الذكاء الاصطناعي"، ريدلي سكوت في فلمه "الراكض على حدّ النصل" ... وآخرون تافهون أيضاً. لكن ثلاثية الـ ماتريكس، كانت أكثر مباشرة واقترابا من عقلية وأذواق الجماهير في تناولها لهذا الموضوع، بالاستفادة من التراث والانجاز السينمائي السابق والراهن برمته، للوصول الى تحفة فنية، ممتعة معرفياً.
 Posted by Picasa

٢٢‏/٠٩‏/٢٠٠٦

;كليزار أنور:
القصة الناجحة لا يعرف فيها الواقع من الخيال


محمد القذافي
ليبيا


ولدت الكاتبة العراقية كليزار أنور عزيز عام 1965، وهي كردية الأصل .. موصلية النشأة. بدأت الكتابة والنشر عام 1995، وقد صدر لها "بئر البنفسج " مجموعة قصصية/ 1999 عن دار الشؤون الثقافية/ بغداد، و" عجلة النار " رواية/ 2003 عن دار الشؤون الثقافية/ بغداد، و "عنقود الكهرمان" مجموعة قصصية/2006 عن دار الشؤون الثقافية العامة/بغداد. ولها عدة مخطوطات قصصية وروائية تنتظر من يخرجها الى النور ....

تأخر مفيد

* يبدو لي ان بدايتك جاءت متأخرة بعض الشيء..لهذا تدفق نهر السرد لديك بقوة كي يصل إلى الأراضي الجافة ويرويها فبدت أعمالك شجيرات مزهرة متوزعة مكانيا وإنسانيا... يستطيع المتلقي تلمس وجودها أينما وجدت.

- نعم .. لأني لم أُفكر ذات يوم أن أكون قاصة.. كنتُ قارئة جيدة .. ومتابعة للحركة الثقافية.. هذه القراءة والمتابعة الجادة خدمتني في تراكم بعض هذا الخزين المعرفي في داخلي.. وعندما كتبت اتخذ هذا الحزين شكل القصة وتدفق علي الورق سرداً هادئاً، فنمت قصصاً أخذت لها حيزاً في الوجود وُُثبت اسمي بمسمار قوي على جدار السرد القصصي العراقي.

* هذا التأخر ان صحت تسميته هكذا.. هل جعلك تكتفين بقراءاتك الإبداعية والنقدية ..؟

- ولكوني قارئة جيدة، فقد قرأت عناوين ممتازة ولأني أُعجبت بها .. لا إرادياً وجدتُ نفسي أكتب عنها بكل حب وإعجاب، وأنا لا أعتبرها دراسات نقدية، وإنما هي نقد انطباعي، إنها - مجرد - قراءات .. هدفي منها خدمة القارئ لتكون بين يديه. وأكثر من مرة وصلتني ايميلات من القراء يقولون لي فيها .. كتابتي عن هذه الرواية أو تلك المجموعة جعلهم يبحثون عنها لقراءتها.

دور التراث

* ماذا أخذت من التراث ؟

- التراث.. هو الأرض التي مددنا جذورنا في أعماقها، وبدون أرض وبدون جذور لن تصمد أشجارنا علي الورق.
* هل استطعت الإفصاح عما تريدين قوله أيام النظام السابق دون الاصطدام بالرقابة وقمع أجهزة السلطة ...؟

- الكاتب الذكي يستطيع أن يقول كل شيء بمجرد اللجوء إلى "الرمز" .. ولستُ وحدي مَن فعل هذا .. أغلبنا لجأ إلي الرمز لإيصال ما يريد أن يقوله.

* المرأة في العالم العربي ... أليست مساهمة فيما تعيش من حالة تهميش وقهر....؟

- بالتأكيد لها بعض الدور في التهميش.. وإن لم تنقذ نفسها من هذا الغرق الذي وجدت نفسها ــ وأوجدها مجتمعها ــ فيه.

الواقع والنص

* بأي درجة من المفترض ان يكون الواقع منعكسا في النص؟

- لا يوجد قاص ذكي وحقيقي لا يعكس الواقع في أغلب نصوصه.. هو يوجد الصورة ويؤطّرها بالخيال لتكون قصة فنية متميزة.. أما الدرجة الافتراضية - برأيي - أن لا يعرف القارئ أين الواقع فيها من الخيال .. عندها سيكتب قصة ناجحة .. لن تموت !

ثورة ثقافية

* يقول عبدالله العروي إذا أردنا ان نعطي فعالية لعملنا الجماعي وإبداعية حقيقية لممارستنا السياسية والثقافية. فلا بد من ثورة ثقافية تعم المجتمع بجميع فئاته وتغلب المنهج الحديث في الصورة التي ظهر بها في بقعة معينة من العالم، لا في ثوب مستعار من الماضي ما رأيك أنت ؟

- يا أخي العزيز .. ما أن فتحنا عيوننا علي هذه الأرض حتي وجدنا الثورة تلو الثورة تعصف بطبيعة مجتمعنا العربي "القبلي" المتخلف. والإبداع.. عمل فردي بحت إن جازت التسمية .. وهذا يبدو بشكل واضح لكل متابع للحركة الثقافية .. وكل مبدع حقيقي يأخذ من تجربة الماضي دروساً تجعله يتجاوز كل الأخطاء نحو ما يراه مناسباً، فمَن يحلم بمستقبل ناجح عليه أن يأخذ بتجربة الماضي والحاضر أيضاً.

* ما الذي يدفعك للتحدي ؟

- سأرد عليك بحكمةٍ تقول: لا مجد بلا تحدي !

* كونك أنثى ...ماذا يعني لك ...او يضيف ...؟

- لم أتضايق يوماً من كوني أنثى .. لا أدري أنا راضية أن خلقني الله هكذا .. ودائماً أحاول جاهدة أن أكون أنثى حقيقية تعرف ما لها وما عليها. وأنا - بالأساس - أُؤمن بالإنسان "ذكراً كان أم أنثى" وما يترسخ في داخله من مبادئ وقيم وأخلاق .. وحتى إبداع !

[1] نشر في جريدة العرب العالمية بتاريخ 31/07/2006
 Posted by Picasa
مسارات الإبداع
محمد الأحمد
تُغلبني الفكرة دائماً، وتنثرني تعباً على موج المعنى، إذ تتلبسني تماما في كل خطوة، وكل شهقة او تنهدة. تطاردني عبر الاثير حيثما احل، اجدها امامي شاخصة، فارضة نفسها علي عنوة، كانها تتسلط علي أكثر من احتياجاتي الفسلجية. تتلبسني وكاني اريد ان اتحدث بها مع اي كان، وغالبا ما تجعلني متعبا بين كمٍّ من الكلمات التي انتظمت في الذهن، وتزاحمت مكتظة تريد النزول الى السطر، فثمة خيط واحد يجمعها؛ ما ان امسك برأسه واسحبه مرة واحدة، فكأن الافكار تريد الاندلاق مرة واحدة، فاعرف بانها اوشكت ان تنطلق على معان تحتويها، احسها تتفرع من باكثر من فرع، ككائن حي بعروق تنبض، وغالبا ما يجعلني أشعر بلذة نشية، خفية، تجتاحني. فاتمنى ساعتها ان احررها من مكمنها. تلك الكتابة بعد حين اعهدها متناثرة من فضاء الذهن، حيث تعند، تحرن، تريد ان تهطل دفق مطرها على يباب الورقة مسطرة على فضائها الأبيض، غيثها المسود لذلك المتناه؛ كغيمة ملبدة. ولكنها تشبه فرسا تعافر الارض بيمينها الرشيقة، قبل الانطلاق. تبغي التباهي برشاقتها، وسحرها. فأي ارض سوف تغير فوقها واي فراغ هذا الذي يتشعب كثيراً قبل أن امسكه، أو أفكر به بشكل نهائي لأجل أن اسطره من ذهني وخيالي وأخطه على الورقة، فما أن امسكه حتى أجدني قد أمسكت غيره و شبيهه إن لم يك قرينه. فالافكار متوالدة من الافكار ورحم الذهن يتسع أبدا للاحتضان حتى الولادة. لكنني أحس بنشوة من اقترب مناه. كلما وصلت إلى فكرة اقتربت من الفكرة التي فكرت، ولكني بعد أن اقرأ ما خططته يدي بقلمها، أحسني مرة أخرى قد تهت عما أريد قوله. تغلبني لأني أردت القول الفصل فيما يؤرقني، ورغم كل ذلك التلظي المهيب؛ أجدني باني ما استطعت أن أقول ما أردت أن أقوله، أحسني قد ابتعدت هنا في هذا المقطع المتعجل، و قد اسرفت الجهد والوقت في ذلك المقطع المبطئ. ولكني امشي حيث المعنى، الذي سيصل بي إلى تحقيق ذاتي. فكل خلاياي مستفزة، ومستنفرة؛ ولكن القول قد مسَّ وجيباً آخرا من غير ان يقول كل قوله، فقد فتح لي افقاً جديدا أخذني كموج بحر عات، أفقا فيه لذة نشيه تهطل بتتابع مكتسية لحما ودما، وقد وجدت فيه حلاوة اكتشاف آخر لم اك قد خططت به أو حلمت به. ترى هل لي ان أصل إلى ما بإمكاني الوصول إليه، بمثل ما وصل إليه الكتاب اللذين علموني كيفية الإعجاب بجملهم الذهبية التي ما زالت تبدو لي عصية على أن أجد فيها ثغرة أو أن أضف إليها إضافة ما.. كلما قرأتها وجدتها تأخذني إلى المعنى الآخر، وكأني اكتشف بأنها تشير إلى معان اشمل مما استطعت أن احصل عليه من قراءتي الأولى. أية أسرار يحملها النتاج العظيم، الذي قطع كل تلك المساحات، وعبر الأزمنة المتراكبة. دائما الاعمل الابداعي تتناقله اللغات، لايفرق بين لغة حية او لغة متية، بين لهجة محكية، اوعمومية، ولايعترف بجغرافيا محددة، يصل من الشرق او الغرب، وكانه مكتوب بلغة المكان الذي وصل اليه، وربما يحمل هويته، وعطره.. اي سحر يمتلك، واي خلود يلفه، كونه في كل مرة يتخذ معنى جديدا، ويكون حاضرا إلى أي عصر يقرأ فيه. انظر إليه بجلال مهيب، وهو يمسك بيدي قبل أن يمسك بخزيني الذهني، يصبح مسيطرا مدة طويلة لا يعبر عليها النسيان. يأخذني العمل الابداعي إلى الارتجاف من سطوته العفية، لا استطيع ان اتنكر له، ولأني قرأته احسسته جزء مني وكانه صوتي الذي لم يخرج بعد. يغمرني شعور من يدخل مكانا لم يسبق ان دخله، وعلى الرغم من ذلك يكون المكان ليس غريبا، ومعرفا بكل حيثياته على الرغم من كل الظروف. كمن أعطاني أفكارا جدية في الكتابة الناضجة، أعطاني كيفية التذوق، والاستدلال إلى خارطة الإبداع الحق. أكون قد وعيت أنني في زمن يجب أن تكون الإضافة فيه شاخصة، ويشار إليها لأننا في عام ازدحم فيه المبدعون، وتعددت فيه القنوات والمواقع، فلكل مثلي هاجس حقيقي يدفعه إلى ان يكون بصوت فريد جهور، فلكل الم صرخة، ولكل قلم فسحة فضية تجعله أن يأخذ بالقارئ الذي تزدحم أمامه الأصوات وتختلط الحروف بالمصالح والمطالح، فهو أما أن يبقى يقرا المعروض أمامه إلى النهاية، أو يبحث عن شيء يمسه في صميمه، فما عاد قراء اليوم يلتهمون المنشور من الفه الى يائه، فكل منهم في عالم التعددية الثقافية صار يبحث عمن يغني عن ليلياه. أو يكون ذلك الصوت جزء من صوته، بذلك المكتوب فيستدر التأيد، وتلك القضية شبيهة قضيته، وتغرز فيه؛ يكون الصوت مُعَبِرا أو مُعَبراً (تارة بكسر الباء، واخرى بفتحها) حسب غايات المخاطب والمخطوب، المعبر اليه، او المعبر عليه.. حيث ما من خطاب يحمل وجها واحدا، او معنى واحدا ينتهي عند الحالة المقصودة، فالأفكار النيرة تتوالد من قرائنها، او نقائضها، ويكون عطائها وفيرا بلا انتهاء.. فالبصمة هي البصمة، لانها تترك اثرها، فلن يهملها احد لانها قرينةُ واقعة، والصوت هو الصوت، لانه قرينةُ احتياج، فتتشكل قرائن الانسان المدونة مدلة عليه ومنها تشع الأفكار المتوالية، فالفاعل بفعله، والمعمول بعامله، والخالق بخلقه. فكم فكرة ولدت من فكرة، وكم إبداعا خلف إبداع، وغالبا ما يبقى مثلي غير راض عن نفسه لأنه متعامل مع إبداع حي متوالد، لا ينته.. فيرى نفسه قاصرا امام المبدعين، يرى نفسه معترفا بابداعهم، معترفا بصنعهم الراق، معترفا في مثابرتهم في اكتسابهم المعرفة، والتعبير عن وجوههم، ووجودهم، ورؤياهم. فلم يرض عن إبداعه لأنه يعطي حق الإبداع كاملا، ويرى بانه كان من الممكن ان يقدم الاداء الافضل، والافضل مبغياً في كل زمان ومكان.

‏10‏ أيلول‏، 2006
 Posted by Picasa
ادونيس
ضريبة الهواء


-1-
لا أملك إلا حياتي. مع ذلك، أحتاج دائماً الى ما يطمئنني أنني أملكها حقاً.
-2-
«الوطن»؟
ربما سنصل قريباً في هذا العالم العربي الذي يضم أوطاناً كثيرة الى مرحلة يُطلب فيها من المواطن أن يدفع ضريبة جديدة، اسمها «ضريبة الهواء».
-3-
تقودنا الرقابة السياسية والدينية في البلدان العربية الى مأزق أصوغه كما يلي: «مَن يتكلم لا يعرف ومن يعرف لا يتكلم».
-4-
«الشيطان مختبئ» في التفاصيل»، يقول دافيد هيوم. كيف نقرأ الدم الذي يسيل في فلسطين، على نحو متواصل، منذ خمسين سنة، وكيف نقرأ الدم الذي يسيل في العراق، وكيف نقرأ «تفاصيل» العرب إجمالاً في ضوء «شيطان التفاصيل»؟.
-5-
في الأصولية الدينية، اليوم، نزعة للتوحيد بين «الانفعال» و «المعتقد» أو بتعبير آخر، الى «تذويب» المعتقد في «الذات». وفي هذا ما يؤدي ببعضهم لكي يحولوا الدين الى «ملك شخصي»، ويحولوا مَن لا يرى رأيهم الى «كافر» - «عدو»، لا بد من «محوه».
وفيه كذلك، ما يدفع بعضهم الى أن يغضبوا لـ «معتقدهم» أكثر مما يغضبون لـ «الخالق» نفسه.
والسؤال، في هذا الصدد، هو: كيف يمكن هؤلاء أن يعتقدوا بأن مثل هذه الممارسة دفاع عن الدين، أو خدمة له؟
-6-
عند العرب، يولد الابن أباً.
بعبارة ثانية: الابن، عند العرب، أب بالولادة. المجتمع العربي مجتمع آباء.
لبنان (المتقدم بين العرب) مثل حي.
-7-
تكلم مع الهواء،
لكي تعرف كيف تصغي الى الشجر.
-8-
المثلث في الجنس دائرة. والدائرة خط مستقيم.
الجنس سحر الطبع ذائباً في الطبيعة.
-9-
هناك بشر في العالم كله، لا يهمهم في التحليل الأخير، أن يفهموا.
يهمهم أن يُصلّوا،
وان يصوتوا،
وأن يصفّقوا،
طوبى لحرف الصاد.
-10-
من الخطأ القول إن الوطن لا يخطئ.
لكي تكون وطنياً حقاً، عليك أن تضع الوطن باستمرار، موضع تساؤل ونقد.
-11-
شهوة الغيب مرض لا يشفى. «حكاك» لا في الدماغ وحده، بل في العظم كذلك. لا في الجسد وحده، بل في «الروح» كذلك.
... ربما لهذا لم يعد للمفردات السائــدة، اليـــــوم، أي معنى. خصوصاً في العربيــــة. تحتاج لكي تكتسب معاني جديدة الى أن تنعتق من الغيب - بمطلقاته كلها، ومن الواقع – بتفاصيله كلها.
-12-
الأفكار الخلاقة ليست بيوتاً، وإنما هي حقول وأشجار.
-13-
الحوار بين طرفين أو أكثر يعني أن هناك اختلافاً. يعني كذلك أن الاختلاف مبدأ الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، وقاعدتها.
اللاحوار إلغاء. إلغاء للمشكلات وللاطراف. وهو إلغاء يبطل الحياة العقلية ذاتها. حين لا يحاور المواطن المواطن فإن كلاً منهما يلغي دور الآخر، وفاعليته، ويلغي نفسه كذلك.
-14-
كل مواجهة للعرب مع الخارج، تكاد أن تنقلب الى «حرب» داخلية. لماذا؟
-15-
كلما غابت الشمس، أشعر أن فيّ شيئاً يموت.
ولكما أشرقت كذلك.
موت: غروب وشروق في آن.
-16-
الشعر حب يجعل الليل أقل ظلاماً، والنهار أكثر شفافية.
-17-
الشعراء يخلقون «ثوراتهم» الخاصة، ويشاركون أساسياً في خلق الثورات العامة. لكن منذ أن تتأسس هذه الأخيرة، وتتحول الى سلطة، تلفظهم وتنبذهم. ونادراً ما ولد في التاريخ كله شاعر داخل الثورة – المؤسسة.
يولد الشعر قبل الثورة أو بعدها: في التمهيد لها، أو في انهيارها.
يا للمفارقة: الشعر «يحيي» الثورة. وهي التي «تقتله».
-18-
عندما يؤمن الشعب بحقيقة وحيدة واحدة، فذلك يعني ان هذه الحقيقة ليست إلا دماً.
-19-
دون أعداء، لا تطاق الحياة.
-20-
ليس هناك ما هـو أكثـر جحيمية من أن يقتـل إنسان انساناً آخر، لا لشيء إلا لكي يدخل الجنة.
-21-
الفرق بين القارئ والنص في ثقافتنا الدينية السائدة هو أن الأول مدينة مغلقة، والثاني باب مفتوح.
-22-
بلدان لا مكان فيها للحرية، لا مكان فيها للانسان. هل تستحق مثل هذه البلدان أن يكون لها مكان على هذه الأرض الجميلة؟
أليس من الأجدى أن تحول الى مجرد منظر طبيعي؟
-23-
نتحدث دائماً عن الماضي الذي يبسط ظله على الحاضر، وننسى غالباً أن نتحدث عن هذا الكل نفسه الذي يهيمن على ضوء الحاضر.
-24-
يقول نيتشه: «الخلاق يبـحـث عن رفقاء، لا عن جثث أو قطعان ومؤمنين. الخلاق يبحــــث عـــن رفقاء يخلقون الى جانبه»، ويفتحون صفحة جديدة.
-25-
كل شيء في حياتنا وثقافتنا مسيّج. والحاجة، اليوم، ملحة لكي نزيل الاسيجة كلها.
لكن، قبل العمل على هذه الازالة، علينا أن نعرف مسبقاً: لأي هدف نزيلها، وكيف؟
 Posted by Picasa

حول الدين والعلمانية
محمد عبد العزيز


إذا كانت العلمانية هى استبعاد الدين من المجال العام، فهى تشمل جانباً آخر، لا يشكل جزءاً من طبيعتها، لكنه يترتب عليها بالضرورة، فالواقع أنه لا يجرى نفى الدين تماماً، وبوسعه أن يكون موجوداً خارج الدولة أى فى المجتمع المدني، حيث يمكنه أن يمارس وأن ينظم نفسه بحرية. والعلمانية كما يؤكد مؤلفو هذا الكتاب، ليست نفياً للدين إلا فى داخل الدولة، وهو ما يسمح بتأكيده خارج الدولة، ويسمح من ثم بوجود الحرية الدينية، وبهذا الشكل بالتحديد يمكن للحرية الدينية أن ترتبط بالعلمانية، دون أن تشكل جزءاً من جوهرها بمعناه الأصيل. ويؤكد ميكائيل لووى أن معظم مؤيدى الماركسية وخصومها ينظرون إلى عبارة "الدين أفيون الشعوب" على أنها خلاصة المفهوم الماركسى من الظاهرة الدينية، على أننا يجب أن نتذكر أن هذا التعبير ليس ماركسياً بشكل خاص، فالعبارة نفسها يمكن العثور عليه فى سياقات مختلفة، فى كتابات كانط، وهيردر، وفويرباخ، وعلاوة على ذلك، فإن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التى يظهر فيها هذا التعبير نتبين أن كاتبها أكثر إدراكاً لدرجات الألوان، مما هو شائع عنه، فهو يأخذ فى اعتباره الطابع المزدوج للدين: "إن الهم الدينى هو نفسه تعبير عن هم واقعي، واحتجاج على هم واقعي، إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة، هو قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح وضيع بلا روح، إنه أفيون الشعوب". التمثيلات الدينية والصراع الطبقى وقد أبدى فريدريك إنجلز اهتماماً بالظاهرة الدينية، ويدورها التاريخى، يفوق اهتمام ماركس بهما كثيراً، وتتمثل مساهمة إنجلز الرئيسية، التى قدمها إلى الدراسة الماركسية للأديان فى تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي، وفيما وراء المناظرة الفلسفية والمادة ضد المثالية، حاول فهم وتفسير التجليات الاجتماعية الملموسة للأديان، فالمسيحية لم تعد تبدو فى نظره - مثلما كانت تبدو فى نظر فيورباخ - بوصفها "جوهراً" منفصلاً عن الزمن، بل هى تبدو بوصفها شكلاً ثقافياً يتعرض لتحولات فى العصور التاريخية المختلفة: فهى تبدو فى البداية بوصفها ديانة للعبيد، ثم بوصفها أيديولوجية فى الإمبراطورية الرومانية، ثم بوصفها أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية، وأخيراً بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع المجتمع البورجوازي، وهى تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزياً تتنازع عليه قوى اجتماعية متناحرة: اللاهوت الإقطاعى، والبروتستانية البورجوازية، والهرطقات الشعبية، وفى بعض الأحيان، كان تحليله يزل ف1 اتجاه تفسير نفعى ذرائعي1، بشكل ضيق للحركات الدينية: "إن كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها، ولا أهمية تذكر لما إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التى يتبناها كل منهم أم لا". ويبدو أن إنجلز لا يرى فى سورة الإيمان المختلفة غير "الستار الديني" للمصالح الطبقية، لكن إنجلز يفضل منهجه الذى يؤكد الصراع الطبقي، قد أدرك - خلافاً لفلاسفة التنوير - أن النزاع بين المادية والدين يتطابق دائماً مع الصراع بين الثورة والمرجعية، فنجد على سبيل المثال، فى إنجلترا فى القرن الثامن عشر، أن المادية ممثلة فى شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة، فى حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها فى النضال الثورى ضد "آل ستيورات"، وبالشكل نفسه، بدلاً من اعتبار الكنيسة كلاً متجانساً من الناحية الاجتماعية، قدم تحليلاً رائعاً يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت فى بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي. ومع كون إنجلر مادياً، ملحداً، عدواً لدوداً للدين، فإنه قد أدرك شأنه ذلك شأن ماركس الطابع المزدوج للظاهرة الدينية: دورها فى إضفاء الشرعية على النظام القائم، ولكن أيضاً تبعاً للظروف الاجتماعية، ودورها الانتقادى والاحتجاجى، بل والثوري. أزمة العلمانية يؤكد المؤلف الشريك فى هذه الدراسة أوليفييه روا أن العالم الإسلامى ليس وحده، الذى تأثر بتحولات العلاقة فيما بين الدين والسياسة، ولعلنا نشهد اليوم تعبيراً جديداً عن العلاقات فيما بين الدين والدولة والمجتمع، وفق النموذج الأقرب إلى أشكال العلمنة ذات الطراز الأنجلو - ساكسونى، مما أدى إلى النموذج العلمانى ذى الطراز الفرنسي، والواقع أن ما هو دينى إنما يغزو مجتمعاً تقل باضطراد سيطرة الدولة عليه، ويعرف الغرب اليوم موازنة بالغة الوضوح بين مطالبة بدولة وصية، تحمى جماعة قومية، وتطور فلسفة مجتمع مدني، لا تكون الدولة فيه غير حكم بعيد الحضور إلى حد ما، وهى موازنة، لأنه ما نغنيه ليس الحديث عن تعارض بين صنفين متناوبين "كأمريكا الجمهورية من ناحية والدولة اليعقوبية الفرنسية من ناحية أخرى"، بل عن تطبيق مرجعين يجرى استحضارهما كل بدوره، والحال أنه فى هذه الساحة الخاصة بالعلاقات المعقدة فيما بين ضعف الدولة وتجاوز القوميات، والمجتمعات المدنية، ودمقرطة الأنظمة السلطوية، إنما يزدهر الإحياء الديني، وفيما أن الحقل السياسى قد أصبح أكثر تعقيداً، فإن الإشكالية القطبية القديمة للعلمانية "الدولة والدين" إنما يصعب عليها احتواء الأشكال الجديدة للتدين فى قوامها، بيد أن هذا الاحتواء هو الرهان. وبحسب أوليفييه روا أصبحت العلاقة بين الدين والسياسة علاقة غير تناظرية: فالأصولية الدينية لا تهتم بالسلطة السياسية حتى فى الولايات المتحدة، بل تهتم بالمجتمع وهذا صحيح أيضاً بالنسبة للأصوليين الجدد المسلمين، وتقرير واقع أن طارق رمضان وريث مؤسس الإخوان المسلمين لافتراض أن لديه استراتيچية تعتبر سياسة فى نهاية الأمر "إقامة دولة إسلامية فى فرنسا" إنما يعنى عدم فهم شيء على الإطلاق فيما يتعلق بعدم استثمار الدولة، الذى يميز جميع الحركات الأصولية المعاصرة، فالدولة بالنسبة لهذه الحركات ليست أداة لتحويل المجتمع، ذلك أن عودة الأفراد إلى الإيمان هى التى سوف تسمح بإعادة تأسيس المجتمع فى الدين، وبذا فإن هذه الحركات إنما تركب موضة وموجة القردنة والمجتمع المدني، وبذا فإن استخدام الأدوات التقليدية للعلمانية، والذى يهدف إلى التعريف الحقوقى للآصرة الاجتماعية، لا يعود فاعلاً. العلمانية الفرنسية وأخيراً يتعرض ثالث مؤلفى هذه الدراسة موريس باربييه على تعريف العلمانية الفرنسية، حيث يؤكد أنه ليس من السهل تقديم تعريف مُرض للعلمانية، حتى وإن كانت هناك بالفعل عدة مفاهيم عنها، ومن المؤكد أن يمكننا القول إن العلمانية تتمثل إما فى الفصل بين الدولة والدين، أو فى حياد الدولة فى الشأن الديني، أو هى استبعاد الدين من المجال العام، فهى تشمل جانباً، آخر، لا يشكل جزءاً من طبيعتها، لكنه يترتب عليها بالضرورة، فالواقع أنه لا يجرى نفى الدين تماماً، وبوسعه أن يكون موجوداً خارج الدولة، أى المجتمع المدني، حيث يمكنه أن يمارس وأن ينظم نفسه بحرية، والعلمانية ليست نفياً للدين إلا فى داخل الدولة، فهى لا تنفى الدين فى أعماق الناس، ولئن كانت العلمانية الفرنسية غير معرضة للتهديد، فإنها تجد نفسها الآن فى موضع مناقشة حادة، لا سيما فى السنوات الأخيرة بعد حظرها الحجاب الإسلامى فى مدارسها.
ــــــــــــــــــــــــ
* هذا عرض لكتاب "حـول الدين والعلمانية" لميكائيل لووى وآخرين، ترجمة بشـير السـباعي، ونشر "دار ميريت"، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006.
 Posted by Picasa

٢١‏/٠٩‏/٢٠٠٦


It was a nice abstract,
and that is what we expect from you
 Posted by Picasa