٢٢‏/٠٩‏/٢٠٠٦


حول الدين والعلمانية
محمد عبد العزيز


إذا كانت العلمانية هى استبعاد الدين من المجال العام، فهى تشمل جانباً آخر، لا يشكل جزءاً من طبيعتها، لكنه يترتب عليها بالضرورة، فالواقع أنه لا يجرى نفى الدين تماماً، وبوسعه أن يكون موجوداً خارج الدولة أى فى المجتمع المدني، حيث يمكنه أن يمارس وأن ينظم نفسه بحرية. والعلمانية كما يؤكد مؤلفو هذا الكتاب، ليست نفياً للدين إلا فى داخل الدولة، وهو ما يسمح بتأكيده خارج الدولة، ويسمح من ثم بوجود الحرية الدينية، وبهذا الشكل بالتحديد يمكن للحرية الدينية أن ترتبط بالعلمانية، دون أن تشكل جزءاً من جوهرها بمعناه الأصيل. ويؤكد ميكائيل لووى أن معظم مؤيدى الماركسية وخصومها ينظرون إلى عبارة "الدين أفيون الشعوب" على أنها خلاصة المفهوم الماركسى من الظاهرة الدينية، على أننا يجب أن نتذكر أن هذا التعبير ليس ماركسياً بشكل خاص، فالعبارة نفسها يمكن العثور عليه فى سياقات مختلفة، فى كتابات كانط، وهيردر، وفويرباخ، وعلاوة على ذلك، فإن من شأن قراءة متأنية لمجمل فقرة ماركس التى يظهر فيها هذا التعبير نتبين أن كاتبها أكثر إدراكاً لدرجات الألوان، مما هو شائع عنه، فهو يأخذ فى اعتباره الطابع المزدوج للدين: "إن الهم الدينى هو نفسه تعبير عن هم واقعي، واحتجاج على هم واقعي، إن الدين هو آهة الخليقة المضطهدة، هو قلب عالم لا قلب له، مثلما هو روح وضيع بلا روح، إنه أفيون الشعوب". التمثيلات الدينية والصراع الطبقى وقد أبدى فريدريك إنجلز اهتماماً بالظاهرة الدينية، ويدورها التاريخى، يفوق اهتمام ماركس بهما كثيراً، وتتمثل مساهمة إنجلز الرئيسية، التى قدمها إلى الدراسة الماركسية للأديان فى تحليله لعلاقة التمثيلات الدينية بالصراع الطبقي، وفيما وراء المناظرة الفلسفية والمادة ضد المثالية، حاول فهم وتفسير التجليات الاجتماعية الملموسة للأديان، فالمسيحية لم تعد تبدو فى نظره - مثلما كانت تبدو فى نظر فيورباخ - بوصفها "جوهراً" منفصلاً عن الزمن، بل هى تبدو بوصفها شكلاً ثقافياً يتعرض لتحولات فى العصور التاريخية المختلفة: فهى تبدو فى البداية بوصفها ديانة للعبيد، ثم بوصفها أيديولوجية فى الإمبراطورية الرومانية، ثم بوصفها أيديولوجية ملائمة للهيراركية الإقطاعية، وأخيراً بوصفها أيديولوجية تتميز بالتكيف مع المجتمع البورجوازي، وهى تظهر من ثم بوصفها فضاء رمزياً تتنازع عليه قوى اجتماعية متناحرة: اللاهوت الإقطاعى، والبروتستانية البورجوازية، والهرطقات الشعبية، وفى بعض الأحيان، كان تحليله يزل ف1 اتجاه تفسير نفعى ذرائعي1، بشكل ضيق للحركات الدينية: "إن كل طبقة من الطبقات المختلفة تستخدم الدين الملائم لها، ولا أهمية تذكر لما إذا كان هؤلاء السادة يؤمنون بالأديان التى يتبناها كل منهم أم لا". ويبدو أن إنجلز لا يرى فى سورة الإيمان المختلفة غير "الستار الديني" للمصالح الطبقية، لكن إنجلز يفضل منهجه الذى يؤكد الصراع الطبقي، قد أدرك - خلافاً لفلاسفة التنوير - أن النزاع بين المادية والدين يتطابق دائماً مع الصراع بين الثورة والمرجعية، فنجد على سبيل المثال، فى إنجلترا فى القرن الثامن عشر، أن المادية ممثلة فى شخص هوبز قد دافعت عن الملكية المطلقة، فى حين أن الشيع البروتستانتية قد استخدمت الدين كراية لها فى النضال الثورى ضد "آل ستيورات"، وبالشكل نفسه، بدلاً من اعتبار الكنيسة كلاً متجانساً من الناحية الاجتماعية، قدم تحليلاً رائعاً يبين كيف أن الكنيسة قد انقسمت فى بعض المنعطفات التاريخية بحسب تركيبها الطبقي. ومع كون إنجلر مادياً، ملحداً، عدواً لدوداً للدين، فإنه قد أدرك شأنه ذلك شأن ماركس الطابع المزدوج للظاهرة الدينية: دورها فى إضفاء الشرعية على النظام القائم، ولكن أيضاً تبعاً للظروف الاجتماعية، ودورها الانتقادى والاحتجاجى، بل والثوري. أزمة العلمانية يؤكد المؤلف الشريك فى هذه الدراسة أوليفييه روا أن العالم الإسلامى ليس وحده، الذى تأثر بتحولات العلاقة فيما بين الدين والسياسة، ولعلنا نشهد اليوم تعبيراً جديداً عن العلاقات فيما بين الدين والدولة والمجتمع، وفق النموذج الأقرب إلى أشكال العلمنة ذات الطراز الأنجلو - ساكسونى، مما أدى إلى النموذج العلمانى ذى الطراز الفرنسي، والواقع أن ما هو دينى إنما يغزو مجتمعاً تقل باضطراد سيطرة الدولة عليه، ويعرف الغرب اليوم موازنة بالغة الوضوح بين مطالبة بدولة وصية، تحمى جماعة قومية، وتطور فلسفة مجتمع مدني، لا تكون الدولة فيه غير حكم بعيد الحضور إلى حد ما، وهى موازنة، لأنه ما نغنيه ليس الحديث عن تعارض بين صنفين متناوبين "كأمريكا الجمهورية من ناحية والدولة اليعقوبية الفرنسية من ناحية أخرى"، بل عن تطبيق مرجعين يجرى استحضارهما كل بدوره، والحال أنه فى هذه الساحة الخاصة بالعلاقات المعقدة فيما بين ضعف الدولة وتجاوز القوميات، والمجتمعات المدنية، ودمقرطة الأنظمة السلطوية، إنما يزدهر الإحياء الديني، وفيما أن الحقل السياسى قد أصبح أكثر تعقيداً، فإن الإشكالية القطبية القديمة للعلمانية "الدولة والدين" إنما يصعب عليها احتواء الأشكال الجديدة للتدين فى قوامها، بيد أن هذا الاحتواء هو الرهان. وبحسب أوليفييه روا أصبحت العلاقة بين الدين والسياسة علاقة غير تناظرية: فالأصولية الدينية لا تهتم بالسلطة السياسية حتى فى الولايات المتحدة، بل تهتم بالمجتمع وهذا صحيح أيضاً بالنسبة للأصوليين الجدد المسلمين، وتقرير واقع أن طارق رمضان وريث مؤسس الإخوان المسلمين لافتراض أن لديه استراتيچية تعتبر سياسة فى نهاية الأمر "إقامة دولة إسلامية فى فرنسا" إنما يعنى عدم فهم شيء على الإطلاق فيما يتعلق بعدم استثمار الدولة، الذى يميز جميع الحركات الأصولية المعاصرة، فالدولة بالنسبة لهذه الحركات ليست أداة لتحويل المجتمع، ذلك أن عودة الأفراد إلى الإيمان هى التى سوف تسمح بإعادة تأسيس المجتمع فى الدين، وبذا فإن هذه الحركات إنما تركب موضة وموجة القردنة والمجتمع المدني، وبذا فإن استخدام الأدوات التقليدية للعلمانية، والذى يهدف إلى التعريف الحقوقى للآصرة الاجتماعية، لا يعود فاعلاً. العلمانية الفرنسية وأخيراً يتعرض ثالث مؤلفى هذه الدراسة موريس باربييه على تعريف العلمانية الفرنسية، حيث يؤكد أنه ليس من السهل تقديم تعريف مُرض للعلمانية، حتى وإن كانت هناك بالفعل عدة مفاهيم عنها، ومن المؤكد أن يمكننا القول إن العلمانية تتمثل إما فى الفصل بين الدولة والدين، أو فى حياد الدولة فى الشأن الديني، أو هى استبعاد الدين من المجال العام، فهى تشمل جانباً، آخر، لا يشكل جزءاً من طبيعتها، لكنه يترتب عليها بالضرورة، فالواقع أنه لا يجرى نفى الدين تماماً، وبوسعه أن يكون موجوداً خارج الدولة، أى المجتمع المدني، حيث يمكنه أن يمارس وأن ينظم نفسه بحرية، والعلمانية ليست نفياً للدين إلا فى داخل الدولة، فهى لا تنفى الدين فى أعماق الناس، ولئن كانت العلمانية الفرنسية غير معرضة للتهديد، فإنها تجد نفسها الآن فى موضع مناقشة حادة، لا سيما فى السنوات الأخيرة بعد حظرها الحجاب الإسلامى فى مدارسها.
ــــــــــــــــــــــــ
* هذا عرض لكتاب "حـول الدين والعلمانية" لميكائيل لووى وآخرين، ترجمة بشـير السـباعي، ونشر "دار ميريت"، القاهرة، الطبعة الأولى، 2006.
 Posted by Picasa

٢١‏/٠٩‏/٢٠٠٦


It was a nice abstract,
and that is what we expect from you
 Posted by Picasa

١١‏/٠٩‏/٢٠٠٦


نجيب محفوظ

محمد الأحمد
خسارة كبيرة، توقف نجيب محفوظ عن الانتاج القصصي والروائي.. خسارة شاخصة سوف تبقى علامة بارزة في مسيرة الادب العربي.. نجيب محفوظ كالمتنبي كالسياب وكالماغوط وربما اعظم بكثير وكثير جدا من اي عبقري/ اديب في تاريخ العربية… خسارة لايمكن القول بها كانها خسارة وحسب.. خسارة باهظة، واليم عظيم… لقد اخترع (الجبلاوي) ووصفه وصفا حقيقيا اكثر مما وصفه غيره من صناع الكلام… وكان فليسوفا حاجج الفكر العربي في ابجدياته على لسان شخوصه، واقترح سبلا للإرتفاع به عاليا، كتب الرواية الكلاسكية كالثلاثية، وغيرها واثبت بانه كاتبا في مصاف العالمية، ولكانت جائزة (نوبل) باطلة لو لم تفتخر بانها اعطيت لواحد كالعملاق (نجيب محفوظ)، وكتب الرواية التاريخية فاعاد كتابة التاريخ المسكوت عنه، كـ(عبث الاقدار)، و(رادوبيس) وغيرها، وكتب عن تاريخ الحارات وكشف اسرارها الدفينة، (الحرافيش)، وكما كتب الرواية الذهنية كـ(الشحاذ)، وغيرها، ومن يقرا رواية (الف ليلة وليلة) يجده قد كتب جديدا عظيما لم يأخذ حقه من الدرس، بالرغم من ان نجيب محفوظ قد استطاع ان يعبر الرقيب العربي بلغة جزلة شفافة بليغة.. فلم يمت عبقري الرواية وعملاقها في العالم اجمع، و سوف يعيش محفوظاً ابدا… لانه سوف يقرأ مجددا، اذ توقف عن الكتابة ليس اكثر، ولكنه سوف يقرأ آلاف المرات.وتبقى رواياته على الدوام حديثة ومعاصرة.
 Posted by Picasa
عبد الرحمن مجيد الربيعي
يكتب
عن
نجيب محفوظ


امام الموت نقف برهبة، بعضنا يبكي والآخر تحتقن دموعه في قلبه. ومهما قطع المرء من سنوات وهو يتنفس هواء الله فان هذه اللعبة الغامضة المسماة الحياة لا بد لها من خاتمة. يتساوي كل الاحياء امامها، الصعلوك والامير، يتأمل المرء البشر وهم يملؤون الشوارع والمقاهي، ويضجون بالحياة وتضج بهم. وعندما يري ما هم عليه من حفاوة بالشباب والمال وربما الجاه يدرك في الان نفسه وبدون اي تعسف ان كل هؤلاء الذين يراهم لن يكونوا بعد مئة عام مثلا، سيذهبون كل الي قبره ويخلون اماكنهم للاولاد والاحفاد، وهكذا تمضي اللعبة وكأن الحياة مارست معنا خدعتها ثم مدت لسانها لنا ومضت.حديث الموت هذا يلح علي كثيرا، ما معني ان تكون اليوم بكامل عافيتك وغدا تحت التراب؟ هذا المشهد تكرر امامي آلاف المرات حتي اصابني التحجر بعد ان قفزت مرحلة الخوف الي تقبل الآتي ابتعد ام قرب!ورحيل نجيب محفوظ استطرادا لما اسلفت كان متوقعا ليس يوم الاربعاء 30 آب (اغسطس) من عام 2006 بل قبل هذا بكثير حتي قبل ان ينغرس خنجر الغدر في عنقه من احمق محتقن اعترف امام القضاة بأنه نفذ ما اريد منه وانه لم يقرأ الرواية مثار الجدال اولاد حارتنا ولا اي رواية اخري له.لقد عاش هذا المبدع بارادة وعزم نادرين، اصيب مبكرا بمرض السكري فانتصر عليه بانضباط كامل في الطعام والمشي والاعتدال. كأن الرسالة الابداعية التي ادرك بحدسه العجيب انها عهدته وحده دون ابناء جيله هي التي جعلته واقفا ليكتب. وهذا ما كان. وانا هنا لا اريد ان ابخس الآخرين قيمة ما انجزوه، ولكن الاستثناء المحفوظي هو في هذا الامتداد المتواصل والاضافات الحية.قرأت نجيب محفوظ مبكرا جدا، منذ الابتدائية حيث كنا في ذلك الزمن لا نملك الا ان نقرأ حيث القراءة المتعة الممكنة فلا تلفزة ولا سينمات تقدم افلاما جيدة، حتي الراديو لم ينتشر بشكل واسع واذاعة بغداد لا تبث الا ساعات معدودة كل يوم ثم توقف بثها حتي اليوم التالي.قرأت محفوظ بالتزامن مع اعمدة الثقافة العربية في مصر كطه حسين والعقاد وسلامة موسي، ومع محفوظ قرأت بعض معاصريه امثال احسان عبد القدوس، السباعي، محمد عبد الحليم عبدالله، وغيرهم الا انه كان الاستثناء بينهم اذ ان قصصه ورواياته لا تسلمك الي الحلم والوهم بل الي اليقظة والمجابهة وتأخذك الي حيث النبض الساخن للحياة.كتبوا عنه كثيرا حتي لا يمكن ذكر عدد الكتب التي صدرت عنه، ليس في مصر فقط بل وفي كل البلاد العربية واصبح ضيفا دائما علي البرامج الدراسية في المعاهد الثانوية والجامعات وكتبت عنه اطروحات عديدة، اي ان نجيب محفوظ قد رأي ثمار الشجرة المهيبة التي غرسها بل وتمتع بهذه الثمار ومع كل هذا لم يغادره تواضعه العجيب الذي عرفته منذ اول لقاء لي به في مقهي ريش عام 1975 حيث كان يخصص وقتا للقاء الادباء الشبان ولا يهمل اعمالهم التي يهدونها له. وكم يزهو الاديب الشاب عندما تأتيه شهادة منصفة منه، واعترف لكم ان هذا ما حصل لي عندما اهديته روايتي البكر الوشم فجاء ليحدثني والآخرين عنها.واقول ان محفوظا بقدر ما يتعلم الشبان منه فهو ايضا يتعلم منهم، يصغي اليهم، يتعرف علي هواجسهم، يتظاهر بانه شارد عنهم، ولكنه كان يصغي اليهم، يتجدد بهم، يعرف الي اي مسار تمضي الاحداث. وعندما يكتب فانه يواصل دور الشاهد الابدي علي ما يجري. وبذا اصبحت رواياته وكأنها تاريخ مصر الحديث قبل ثورة يوليو 1952 الي ايامنا هذه حتي انه اخذ يوثق الاحداث الكبيرة التي شكلت منعرجات في تاريخ مصر مثل اغتيال انور السادات في روايته يوم قتل الزعيم .وقد علمنا نجيب محفوظ كيف نحتفي بالمكان. نتوقف عنده، نعيد تشييد ما تهدم منه فينهض من جديد روائيا. واذكر انني في زيارتي الاولي لمصر السبعينيات ترافقت مع اخي الروائي جمال الغيطاني الي عالم نجيب محفوظ، ازقته وحواريه وابطاله الذين تجددوا بالآتين من نسلهم او المصطلين بهمومهم اذ كانت رؤية هذا العالم بما فيه مطلبي الملح من زيارة القاهرة.لم يكتب محفوظ من مسافة وبعين سائح بل كتب بروحية الذائب في هذه الجموع في دورانها المفزع في احشاء مدينة لا يدري المرء كيف تستوعب اكثر من خمسة عشر مليونا! كما لا يدري المرء كيف استوعب ادق ايقاعاتها وهواجسها هذا الروائي الراصد الحكيم!يمكن القول ايضا ان نجيب محفوظ هو روائي المدينة بامتياز، وروائي الطبقة المتوسطة بشكل خاص اذ انه ابنها وصوتها، وجد نفسه يجوب احد احيائها الشعبية حيث ولد وقريبا من سيدنا الحسين الذي صلي علي جثمانه فيه بناء علي وصيته.وحاول محفوظ ان يمزج بين العلم والدين واجدا الصلة بينهما في ملامح وسلوكيات ابطاله، ورغم تناوله للموضوعات الساخنة كالسجن السياسي والتعذيب الا انه لم يعرف الانتماء السياسي بمعناه الحزبي واحتفظ دائما بمسافة بينه وبين التعامل السياسي المباشر.كما انه لم يعرف السجن السياسي او اتخاذ مواقف حاسمة مما يجري، وهو بشكل وآخر ظل ضمن السياق الرسمي دون ان يقاطعه او يوقع البيانات ضده ولم يحصل هذا الا مرة واحدة بتأثير من توفيق الحكيم كما ذكر ضمن اجواء مؤسسة الاهرام الصحافية وحيث استطاع الاستاذ محمد حسنين هيكل ان يجمع عددا من الكبار ليكتبوا فيها، امثال الحكيم والدكتورة بنت الشاطئ ويوسف ادريس ومحفوظ وآخرين.ذكر محفوظ مرة انه موظف لدي القصة لذا كان يكتب بانتظام وبعدد معين من الساعات، فالرجل لا تعرف حياته الفوضي، بل النظام والنظام الصارم المفزع، من اليقظة الي النوم الي السيكارة وفنجان القهوة والذهاب للعمل او التمشي.عندما رأيته للمرة الاولي في ريش التي مضي عهدها ذاك بعد الانفتاح الساداتي وغادر محفوظ جلسته الاسبوعية فيها انتبهتُ الي انه لا يدخن السيكارة الا بعد ان ينظر الي ساعته، ولا يطلب فنجان قهوة باشارة متفق عليها بينه وبين النادل الا بعد ان ينظر الي ساعته ايضا. وعندما ينتهي الوقت المحدد للمقهي ينهض مغادرا. واذكر انني توجهت له بسؤال حول هذا الانضباط الذي يناسب العساكر لا المبدعين بما فيهم من نزوات وفوضي وعصيان وخروج. وكانت في سؤالي لهجة الاستغراب فما كان منه الا ان اجابني بأن هذا الانضباط الذي تراه ما هو الا غطاء لفوضي الداخل. وقد نشر الحوار في مجلة الاقلام العراقية في منتصف السبعينيات.كان الوجه الذي نراه من محفوظ في العمل والمقاهي والشارع يقابله الوجه الآخر الذي شكل حياته الخاصة التي ظلت احداثها ضربا من التوقعات والتخمينات حتي حصوله علي نوبل فاقتحم بيته من الزوار والصحافيين ورأوا زوجته وبنتيه وكيف يعيش ولم تكن هذه الحياة معروفة الا لدي القلة.وربما كان الحوار الطويل الذي اجراه معه الناقد رجاء النقاش ونشره في كتاب اشبه بسيرة ذاتية له حيث اعترف بين ما اعترف به ان عالم الليل والعوالم والعوامات والسكر والحشيش عاشه بنفسه وبكل ما فيه وعندما كتب عنه كتب من موقع العائش والعارف وليس المراقب.محفوظ قدم لنا مكتبة روائية كاملة. وكأنه لم يكن وحده من كتبها بل كان جهد ورشة كاملة من الكتاب، واعتقد ان اعماله الروائية حوت ذري مهمة مثل الثلاثية والشحاذ والكرنك واولاد حارتنا وصولا الي العمل الروائي الاستثنائي ملحمة الحرافيش فأحلام فترة النقاهة التي كان يدونها في ذاكرته ثم يمليها علي من يكتبها له بعد ان عجزت يده عن ذلك اثر طعنة الغدر من ذلك الفتي المحتقن عماء وغباء.نجيب محفوظ هو مدونة الرواية العربية في رجل وهذا الحكم لا ينال من الجهود السابقة او الموازية او اللاحقة وهي جهود كبيرة بدون شك.رأيته آخر مرة في العوامة الشهيدة التي اصبحت ملتقي محبيه معه حفاظا علي امنه وسلامته قبل عامين تقريبا واثناء انعقاد مؤتمر الرواية العربية وعندما وقعت عليه عيناي احسست ان حجمه قد صغر عن المرة السابقة التي شاهدته فيها وصافحته وقبلته بعد حصوله علي جائزة نوبل عام 1988 وكنت احد المدعوين لحضور الاحتفال الذي اقامه الرئيس مبارك علي شرفه في القصر الجمهوري.بدا لي في آخر لقاء وكأنه ايقونة نادرة، وجودها الجميل وحده يجعلنا نحس بالامان رغم انه لم يكن يرانا او يسمعنا جيدا ومع هذا كانت ذاكرته حية، وعندما اوصل له اخي يوسف القعيد اسمي رحب بي وسألني بود: فين اراضيك يا عبد الرحمن؟ فقلت: تونس وردد عبارته الشهيرة: (يا خبر)، احسست وقتها انني احلم بأن اراه ثانية وهذا ما كان.سلام الله عليك يا أبانا في حياتك وموتك، وثق ان لك ابناء شرعيين خرجوا من صلب عطائك، ومن مدرسة ابداعك ولن يمارس احد معك جريمة قتل الأب ابدا، أبدا، فأب مثلك نتباهي بالانتماء إليه.
 Posted by Picasa

١٠‏/٠٩‏/٢٠٠٦

إلى أفروديت
.. قبل أن يكتمل المساء ـــ
عمر عنّاز




من فكرة الغيم كنّا نغزل المطرا


وننفض الدمع عن أحداقنا لنرى
كنا نفتش عن ظل لضحكتنا


خلف النهار وكان الوقت منكسرا
مبعثراً كان، مخموراً بأغنية


تلعثم الشوق في أوتارها فسرى
كانت لنا قرية أنفاسها ورق


في دفتر الماء تطفو حولهن قرى
ومثلما أدمع الفيروز كان لنا


حلم إذا الشمس ناغت ظله اعتذرا
فأين يا قارب النسيان سرت بنا


وكيف جرّحت صدر البحر فانهمرا
لولا تمهلت فالكأس التي بيدي


ماوشّلت خمرها أو لونها اعتكرا
والشاهدان شحوبي وارتعاش دمي


فلا تلم مدنفا بالعشق إن هذرا
فربما أنكر الإنسان أجمعه


ووحد الله في نهدين قد كفرا
أرجوك لا تبتعد.. قرّب خطاك ففي


قلبي غزال من الأشواق قد نفرا
وخل بيني وبيني كي أنازلني


وأصبح العمر قرباناً لمن هجرا
من عرّش الآس في ميناء أعينه


ومن لعشب التشهي في دماه عرى
فهو الذي بذر النعناع في شفتي


وحين ساءلته عن غرسه نكرا
عتباك.. من يجتني العناب إن كبرا


ومن سيلجم موج الروح إن هدرا؟
ومن سيبتكر الشطآن في نهر


تعثر الماء في جرفيه فانكسرا
بالله يا قارب النسيان كيف بمن


قد حشّدوا في سماه الدمع والكدرا
من أين يهرب؟ من أي الدروب وقد


تشعب الموت في عينيه وانشطرا
وأنكرته غصون طالما افترعت


من را حتيه وصاغت ظلها صورا
فياله موجعاً حتى أنامله


خانته حين رمى سنّارة الشعرا
فما تصيد إلا لهفة عبثت


بها الهواجس حين اشابكت زمرا
وحين دارت به الأفلاك دورتها


وأنبت الغيم في أعتابه المطرا
تأبط الحلم المخضر جانبه


وسار من خلفه العشاق والفقرا
 Posted by Picasa
الذاكرة المائية
وأسطرة المكان
د.محمد صابر عبيد
تحظى الذاكرة بأهمية قصوى في المتن الشعري إذ هي تمظهر جدلي نوعي وخاص، وتؤسس الذاكرة لعلاقتها بالزمن أرضية فريدة تتحايل فيها على آليات الترتيب وتقانات السياق وتتمخض عن مستقبل خاص بها .‏
وإذا ما أدركنا بأن الزمن في حقيقته عاطفي، فإن تقلبات الوجدان تقود على فهم جديد للذاكرة الشعرية يعاينها بوصفها بنية منزاحة، يستجيب تشكلها للضغوطات الإجرائية القادمة من فعل الكتابة.‏
إن تنصيص الذاكرة وتحويلها إلى فعل كتابي نصي يتم عبر استخدام فضاء الذاكرة بوصفها جسرا للوصول إلى الحساسية النصية للكلمة، اعتمادا على طاقة التماهي النصي فيها وبفضل زخم مرجعيتها الوجودية التي تمول إشكالية التنصيص باحتمالات المعنى .‏
إن التذكر الاستعادي للشئ المعزز بقصدية حالية –فنية وجمالية- يعني بالضرورة تجسيمه على النحو الذي يمكن فيه معاينته بصريا، وتشكيله علاميا، من خلال إشكالية التحول اللاشعوري من ذاكرة النص إلى تنصيص الذاكرة، واستثمار الأبعاد الزمنية المركبة للذاكرة انطلاقاً من قاعدة الماضي مرورا بالراهن الملتبس واتصالا بالمستقبل‏
ولعل هذه الخاصية المركبة لفاعلية الذاكرة في الزمن أو الزمن في الذاكرة تضعها في أكثر مناطق العقل الإبداعي توترا وخصبا ، لذا فإن الذاكرة المنصصة شعريا هي أداة الشعر (( لأن الخيال نفسه إنما هو تمرين للذاكرة وبالتالي ثمرة من ثمراتها، إذ لا يمكن أن نتخيل شيئا لم يسبق لنا معرفته، فقدرتنا على التخيل هي القدرة على تذكر تجاربنا السابقة وتطبيقها على حالات جديدة ))- حسب ستيفن سبندر – ولاشك في أن التفاعل بين القدرة والتخيل والقدرة على التذكر والاستعادة، تخضع في إنجاز فعالياتها لطبيعة وكيفية المساحة النصية التي ستشغلها المادة المستعادة، وحجم التحويل الذي سيحصل لها جراء الفعل الكتابي وهو يصل أقصى مدياته وأكثرها كثافة وتوترا وتركيزا في الشعر‏
بدر شاكر السياب شاعر ذاكرة بامتياز، فهو يعيش حياته الشعرية المزحومة بألوان التجربة الروحية في منزل الذاكرة، لايغادر أبدا إلا إلى الضفاف والتخوم والحواشي التي تغذي المنزل بالذكريات وتمونه بمزيد من صور الماضي وحالاته، في السبيل إلى مضاعفة الحساسية الذاكراتية وإحلالها بديلا لحساسية الراهن وحلم المستقبل .‏
سعى السياب عبر معظم قصائده الذاكراتية إلى ترهين الذاكرة وتعميدها بألم الراهن وانكساراته وهزائمه وخيباته، وركز عميقا على عاطفية الزمن وحولها إلى آلة شحن الأمكنة بطاقة تزمين وجدانية هائلة قرّبتها كثيرا من الأسطرة، إذ إن المنطلقات المركزية التي تنبثق منها أعمال الذاكرة غالبا ماتكون مكانية، بحيث تكونت لديه ذاكرة شعرية مكانية مزمنّة ومؤسطرة وماثلة تماما في حضرة الشعر .‏
الماء يرتبط جوهريا وجدليا بالمكان-وعلى نحو ما بالزمن أيضاً-، وهو عنصر حيوي وفعّال في ذاكرة السياب يمتد إلى أبعد نقطة عفوية في الجذور الأسطورية والدينية والشعبية والجمالية، وينهل منها قوى شعرية تثري ذاكرته النصية بالطاقة والحيوية والتجربة، فيكتظ نصّه الذاكراتي بلغة وحشية جارحة مخضلة بالماء وموحية به أبداً.‏
إذن الذاكرة الشعرية السيابية ذاكرة مائية في المقام الأول، وحيوية هذه الذاكرة تتأتى من حيوية عنصر الماء في الوجود فهو قرين الحياة وسببها ومبرر استمرارها، وإذا كان شعر كل الشعراء في العالم لابدّ وأن يحفل –على نحو أو آخر-بصور الماء ومراياه وحساسياته، فإن ذاكرة السياب ذاكرة مائية حافلة بصور الماء، ومبتهجة بمراياه، وغارقة في انعكاساته، ومتماهية مع عمق تاريخيته في الذاكرة البشرية وتجلياتها الإبداعية.‏
تكتسب قصيدته ((أنشودة المطر)) الحضور الأوسع والأكثر قوّة في تجلي الذاكرة المائية وتفعيلها شعرياً، إذ هي –ومنذ عتبة عنوانها- تشتغل على تحويل الأنموذج المائي الأثير لدى السياب ((المطر)) الهابط من الأعلى إلى الأسفل، والمقترن عنده بالغسل والتطهير، إلى ((أنشودة)) حاضرة في صداها الإيقاعي وماكثة في الضمير والوجدان واللسان.‏
تحفر ((أنشودة المطر)) في بئر الذاكرة المعلّقة في سماء المخيلة فتتدفق أشكالاً مائية متعددة:‏
في كل قطرة من المطر‏
حمراء أو صفراء من أجنّة الزهر‏
وكل دمعة من الجياع والعراة‏
وكل قطرة تراق من دم العبيد‏
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد‏
أو حلمة تورّدت على فم الوليد‏
في عالم الغد الفتيّ واهب الحياة‏
مطر‏
مطر‏
مطر‏
سيعشب العراق بالمطر‏
تبدأ بالأنموذج المائي المطري في أصغر وحداته ((قطرة من المطر))، وتستمر كذلك بالأنموذح المائي الدمعي في أصغر وحداته ((كل دمعة/ (صفراء)/))، وتنتهي في سياق عنفي وتوتري تصاعدي بالأنموذج المائي الدموي في أصغر وحداته ((كل قطرة/ من دم/ (حمراء)/))، لتشكل بدلالة مصادرها الممولة ((أجنة الزهر/ الجياع والعراة/ العبيد)) فاتحة لأفق حيوي آخر تتفاعل فيه النماذج المائية ((الماء/الدمع/ الدم)) تفاعلاً أسطورياً، لاستيلاد رمز جديد تبدأ به الحياة بداية جديدة ((ابتسام /في انتظار/ مبسم جديد)) تختصر وتختزل وتكثّف وتحوّل ((الماء/ الدمع/ الدم) إلى ((حليب)) في ((حلمة توردت على فم الوليد))، حيث تنجح الذاكرة المائية في تشكيلها المائي الجدلي والمؤسطر بتموين حلم المستقبل ((عالم الغد الفتيّ)) بالرمز المكتظ بصورة الماء وإيحائه ((واهب الحياة))، الذي مايلبث أن يتقاطر عمودياً بغزارة إيقاعية- صوتية وبصرية لافتة((مطر/مطر/مطر))، منتشراً على مساحة تجربة المكان الحيوية ((العراق)) الذي ((سيعشب)) بالماء المنهمر من بئر الذاكرة المائية بأقصى حلم التدفق ((المطر)).‏
وفي قصيدة ((رؤيا في عام 1956)) حيث تتمظهر عتبة العنوان تمظهراً موازياً ومقابلاً لصورة الذاكرة المائية، فإن الدلالات العميقة للنماذج المائية تترمز على النحو الذي يستجيب لفضاء العنونة ((رؤيا)) وتجلياته:‏
ولفّني الظلام في المساء‏
فامتصت الدماء‏
صحراء نومي تنبت الزهر‏
فإنما الدماء‏
توائم المطر‏
فالدالان الفعليان الموحيان بالماء ((امتصت/ تنبت))، والدال الاسمي الموحي بالماء ((الزهر))/ والدال الاسمي المضاد للماء ((صحراء))، والأنموذج المائي-الدموي-الغزير في شعر السياب ((الدماء))، تتفاعل في المرحلة الأولى من مراحل صيرورة التشكّل الشعري للـ((رؤيا)) في السبيل إلى إنتاج المضمون الريوي القائم على هذه المعادلة المائية:‏
الدماء=(توائم)=المطر‏
وهو ما يبرر انفتاح الذاكرة المائية السيابية على نماذج يتلوّن فيها شكل الماء، المائي/ الماء، والأصفر/ الدمعي، والأحمر/ الدم، كما تمّت الإشارة المباشرة إلى ذلك في قصيدة ((أنشودة المطر)).‏
وغالباً مايكون الماء الأحمر ((الدم)) ذو الحضور الوحشي في ذاكرته المائية إشارة للمخاض العسير الذي يحقق الولادة المنتظرة كما في قصيدة ((سروبوس في بابل))‏
سيولد الضياء‏
من رحم ينزّ بالدماء‏
إذ يتمخض فعل الألم ((ينزّ))-بحساسيته الإيقاعية الموجعة من إشكالية المكان المنغلق على سرّه الداخلي، والمفتوح على مشهد الحياة في حضور تشكيلي واحد ((رحم))-عن شكل الماء الأحمر ((الدماء))، الذي يرتفع إلى أعلى –إلى السماء- ((سيولد الضياء)) في الاتجاه المعاكس والمضاد لهطول المطر.‏
وتظل ذاكرة السياب الشعرية((المائية)) تغذّي التشكلات الشعرية بألوان الماء المتعددة، إلا أن اللون الأصفر الذي صرحت به ((أنشودة المطر)) للدلالة على ((الدمع)) يتمظهر تمظهراً آخر في قصيدة ((حفار القبور))، لينتج إشارة أخرى إلى أنموذج مائي له حضوره الحلمي والمخلّص الكثيف في الكثير من قصائده:‏
ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد‏
متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور‏
حيث يتكشف (حلم) حفار القبور المعادل عن صورة ((اللقاء+الماء الأصفر/الخمور)) بوصفه معادلاً نفسياً وشكلياً ووجودياً عن (واقع) نأيه ((عن القبر الجديد)).‏
ففاعلية((الماء الأصفر/ الخمور)) تشتغل في منطقة الحياة المقابلة لمنطقة الموت ((الموت الجديد))، وفي حركة ((حفار القبور))-من صورة الخمود والهدوء في التراب ((القبر)) إلى الاشتعال والانطلاق والتماهي والنسيان في الماء ((الخمور)).‏
وفي قصيدته الإشكالية الجدلية((النهر والموت)) تنهض ذاكرة السياب المائية بعبء الموازنة الأسطورية بين الدال المائي ((النهر))- وهو يفترض نقيضاً وجودياً يمكن أن يتمثل بدال ((الحياة))-على النحو الذي يتمظهر فيه الدال ونقيضه في طرفي معادلة عتبة العنوان.‏
تتعلق الذاكرة المائية في هذه القصيدة في بؤرة حركة الأنا الشاعرة:‏
أودّ لو غرقت فيك،‏
ألقط المحار‏
أشيد منه دار‏
يضيء فيها خضرة المياه والشجر‏
ما تنضج النجوم والقمر‏
وأغتدي فيك مع الجزر‏
إلى البحر‏
وتدفع بآلتها الفعلية والحلمية ((أودّ)) إلى فضاء فعلي متّجه إلى الآخر المحاور ((النهر)) مغمور حتى الموت بالماء ((لو/ غرقت، لتعوّض تحت سطحه –داخل الماء- حياة جديدة بالحياة التي هي قرين ((الموت)) خارج الماء، تأخذ منها منظومة الأفعال حريتها وحيويتها وانطلاقها وحياتها ((ألقط/ أشيد/ يضيء/ تنضح/ أغتدي))، وهي تتفاعل وتتضافر وتمتزج وتتماهى مع دوال الطبيعة المشبعة بصور الماء وتجلياته ((المحار/ دار/خضرة/المياه/ الشجر/ النجوم/ القمر/ الجزر/البحر))، لتحقق للمعادلة الشعرية المنفتحة على طول الحياة وعرضها ((النهر /الموت)) موازنتها المطلوبة من طرف الذاكرة المائية في تشكيلها الشعري الإشكالي والجدلي المؤسطر.‏
إلا أن الذاكرة السيابية المائية واستناداً إلى معطياتها الإشكالية والجدلية والمؤسطرة تحفظ للمتن السيابي خلوده، بفعل حساسية الجدل الأسطوري العميق في الطبقات الداخلية القصوى لهذه الذاكرة، إذ إنها ذاكرة مائية تنضح بأنواع المياه وألوانها وتجلياتها وإيحاءاتها وعلاماتها، لكنها ما تلبث أن ترتد إلى حقيقة جافة مفرغة تماماً من الماء:‏
لم أقرأ الكتب الضخام‏
وشافعي ظمأ وجوع‏
في تمثيل إشكالي سيميائي لتجربة شعرية ثرة توازن موازنة رمزية هائلة في تداخلها وتخارجها، وضوحها وإبهامها، علنها وسرها، صوتها وصداها، بين الماء واليباس، الخصب والجدب، الارتواء والظمأ، الحياة والموت.‏
 Posted by Picasa
كلمة نجيب محفوظ أمام لجنة نوبل


سيداتي، سادتي‏
في البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل التابعة لها على التفاتها ا لكريم لاجتهادي المثابر الطويل وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثي إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هي الفائز الحقيقي بالجائزة فمن الواجب أن تسبح أنغامها في واحتكم الحضارية لأول مرة، وإني كبير الأمل ألا تكون المرة الأخيرة وأن يسعد الأدباء من قومي بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين الذين نشروا أريج البهجة والحكمة في دنيانا المليئة بالشجن.‏
سادتي:‏
أخبرني مندوب جريدة أجنبية في القاهرة بأن لحظة إعلان اسمي مقروناً بالجائزة ساد الصمت وتساءل كثيرون عمن أكون –فاسمحوا لي أن أقدم لكم نفسي بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية. أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفقاً، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهي الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهي الحضارة الإسلامية ولعلي لست في حاجة إلى تعريف بأي من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم، ولكن لا بأس من التذكير ونحن في مقام النجوى والتعارف.‏
وعن الحضارة الفرعونية لن أتحدث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات فقد أصبح ذلك من المفاخر البالية التي لا ترتاح لذكرها الضمائر الحديثة والحمد لله. ولن أتحدث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى وكشفها عن فجر الضمير البشري. فلذلك مجال طويل فضلاً عن أنه لا يوجد بينكم من لم يلم بسيرة الملك النبي أخناتون. بل لن أتحدث عن إنجازاتها في الفن والأدب ومعجزاتها الشهيرة الأهرام وأبو الهول والكرنك، فمن لم يسعده الحظ بمشاهدة تلك الآثار فقد قرأ عنها وتأمل صورها. دعوني أقدمها –الحضارة الفرعونية- بما يشبه القصة طالما أن الظروف الخاصة بي قضت بأن أكون قصاصاً، فتفضلوا بسماع هذه الواقعة التاريخية المسجلة. تقول أوراق البردى أن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية. وكان المتوقع أن يجهز على الجميع فلا يشذ في تصرفه عن مناخ زمانه. ولكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون.‏
وطالبهم بالتحقيق فيما نما على علمه، وقال لهم أنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. ذلك السلوك في رأيي أعظم من بناء امبراطورية وتشييد الأهرامات وأدل على تفوق الحضارة من أي أبهة أو ثراء. وقد زالت الامبراطورية وأمست خبراً من أخبار الماضي. وسوف تتلاشى الأهرام ذات يوم ولكن الحقيقة والعدل سيبقيان مادام في البشرية عقل يتطلع أو ضمير ينبض. وعن الحضارة الإسلامية فلن أحدثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها. فمن مفكريكم من كرمه كأعظم رجل في تاريخ البشرية. ولا عن فتوحاتها التي غرست آلاف المآذن الداعية للعبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية مابين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا. ولا عن المآخاة التي تحققت في حضنها بين الأديان والعناصر في تسامح لم تعرفه الإنسانية من قبل ولا من بعد. ولكني سأقدمها في موقف درامي –مؤثر- يلخص سمة من أبرز سماتها. ففي إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردت الأسرى في مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقي العتيد. وهي شهادة قيمة للروح الإنساني في طموحه إلى العلم والمعرفة. رغم أن الطالب يعتنق ديناً سماوياً والمطلوب ثمرة حضارة وثنية.‏
قدر لي يا سادة أن أولد في حضن هاتين الحضارتين وأن أرضع لبنيهما وأتغذى على أدبهما وفنونهما. ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية الفاتنة. ومن وحي ذلك كله بالإضافة إلى شجوني الخاصة –ندت عني كلمات. أسعدها الحظ باستحقاق تقدير أكاديميتكم الموقرة فتوجت اجتهادي بجائزة نوبل الكبرى. فالشكر أقدمه لها باسمى وباسم البناة العظام الراحلين من مؤسسي الحضارتين.‏
.. سادتي.‏
لعلكم تتساءلون : هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجد من فراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص.‏
وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون في أفريقيا من المجاعة. وهناك في جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفي الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة –رجالاً ونساء وشباباً وأطفالاً –تكسيراً للعظام وقتلاً بالرصاص وهدماً للمنازل وتعذيباً في السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليوناً من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام الشامل العادل. أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصاً؟.. ولكن من حسن الحظ إن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره.‏
وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن تتلاشى أنات البشر في الفراغ لاشك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعي فعلى المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقي. فمن حقنا وواجبنا أن نطالب القادة الكبار في دول الحضارة كما نطالب رجال اقتصادها بوثبة حقيقية تضعهم في بؤرة العصر. قديماً كان كل قائد يعمل لخير أمته. وحدها معتبراً بقية الأمم خصوماً أو مواقع للاستغلال. دونما أي اكتراث لقيمة غير قيمة التفوق والمجد الذاتي. وفي سبيل ذلك أهدرت أخلاق ومبادئ وقيم. وبرزت وسائل غير لائقة. وأزهقت أرواح لا تحصى. فكان الكذب والمكر والغدر والقسوة من آيات الفطنة، ودلائل العظمة، اليوم يجب أن تتغير الرؤية من جذورها. اليوم يجب أن تقاس عظمة القائد المتحضر بمقدار شمول نظرته وشعوره لمسؤولية نحو البشرية جميعاً. وما العالم المتقدم والثالث إلا أسرة واحدة، يتحمل كل إنسان مسؤوليته نحوها بنسبة ما حصل من علم وحكمة وحضارة. ولعلي لا أتجاوز واجبي إذا قلت لهم باسم العالم الثالث: لا تكونوا متفرجين على مآسينا ولكن عليكم أن تلعبوا فيها دوراً نبيلاً يناسب أقداركم. إنكم من موقع تفوقكم مسؤولون عن أي انحراف يصيب أي نبات أو حيوان فضلاً عن الإنسان في أي ركن من أركان المعمورة. وقد ضقنا بالكلام وآن أوان العمل، آن الأوان لإلغاء عصر قطاع الطرق والمرابين. نحن في عصر القادة المسؤولين عن الكرة الأرضية. أنقذوا المستبعدين في الجنوب الأفريقي. أنقذوا الجائعين في أفريقيا. أنقذوا الفلسطينيين من الرصاص والعذاب بل أنقذوا الإسرائيليين من تلويث تراثهم الروحي العظيم. أنقذوا المديونين من قوانين الاقتصاد الجامدة. والفتوا أنظارهم إلى أن مسؤوليتهم عن البشر يجب أن تقدم عن التزامهم بقواعد علم لعل الزمن قد تجاوزه.‏
.. سادتي.‏
معذرة أشعر بأني كدرت شيئاً من صفوكم ولكن ماذا تتوقعون من قادم من العالم الثالث. أليس أن كل إناء بما فيه ينضح؟..‏
ثم أين تجد أنات البشر مكاناً تتردد فيه إذا لم تجده في واحتكم الحضارية التي غرسها مؤسسها العظيم لخدمة العلم والأدب. والقيم الإنسانية الرفيعة؟ وكما فعل ذات يوم برصد ثروته للخير والعلم طلباً للمغفرة فنحن –أبناء العالم الثالث-نطالب القادرين المتحضرين باحتذاء مثاله واستيعاب سلوكه ورؤيته.‏
.. سادتي:‏
رغم كل ما يجري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية لا أقول مع الفيلسوف كانت إن الخير سينتصر في العالم الآخر. فإنه يحرز نصراً كل يوم، بل لعل الشر أضعف مما نتصور بكثير: وأمامنا الدليل الذي لا يجحد. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية. أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكون الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان: غاية ما في الأمر أن الشر عربيد ذو صخب ومرتفع الصوت وأن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره. وقد صدق شاعرنا أبو العلاء عندما قال:‏
إن حزنا ساعة الموت أضعاف سرور ساعة الميلاد‏
سادتي..‏
أكرر الشكر وأسألكم العفو.‏
 Posted by Picasa