١١‏/٠٩‏/٢٠٠٦

عبد الرحمن مجيد الربيعي
يكتب
عن
نجيب محفوظ


امام الموت نقف برهبة، بعضنا يبكي والآخر تحتقن دموعه في قلبه. ومهما قطع المرء من سنوات وهو يتنفس هواء الله فان هذه اللعبة الغامضة المسماة الحياة لا بد لها من خاتمة. يتساوي كل الاحياء امامها، الصعلوك والامير، يتأمل المرء البشر وهم يملؤون الشوارع والمقاهي، ويضجون بالحياة وتضج بهم. وعندما يري ما هم عليه من حفاوة بالشباب والمال وربما الجاه يدرك في الان نفسه وبدون اي تعسف ان كل هؤلاء الذين يراهم لن يكونوا بعد مئة عام مثلا، سيذهبون كل الي قبره ويخلون اماكنهم للاولاد والاحفاد، وهكذا تمضي اللعبة وكأن الحياة مارست معنا خدعتها ثم مدت لسانها لنا ومضت.حديث الموت هذا يلح علي كثيرا، ما معني ان تكون اليوم بكامل عافيتك وغدا تحت التراب؟ هذا المشهد تكرر امامي آلاف المرات حتي اصابني التحجر بعد ان قفزت مرحلة الخوف الي تقبل الآتي ابتعد ام قرب!ورحيل نجيب محفوظ استطرادا لما اسلفت كان متوقعا ليس يوم الاربعاء 30 آب (اغسطس) من عام 2006 بل قبل هذا بكثير حتي قبل ان ينغرس خنجر الغدر في عنقه من احمق محتقن اعترف امام القضاة بأنه نفذ ما اريد منه وانه لم يقرأ الرواية مثار الجدال اولاد حارتنا ولا اي رواية اخري له.لقد عاش هذا المبدع بارادة وعزم نادرين، اصيب مبكرا بمرض السكري فانتصر عليه بانضباط كامل في الطعام والمشي والاعتدال. كأن الرسالة الابداعية التي ادرك بحدسه العجيب انها عهدته وحده دون ابناء جيله هي التي جعلته واقفا ليكتب. وهذا ما كان. وانا هنا لا اريد ان ابخس الآخرين قيمة ما انجزوه، ولكن الاستثناء المحفوظي هو في هذا الامتداد المتواصل والاضافات الحية.قرأت نجيب محفوظ مبكرا جدا، منذ الابتدائية حيث كنا في ذلك الزمن لا نملك الا ان نقرأ حيث القراءة المتعة الممكنة فلا تلفزة ولا سينمات تقدم افلاما جيدة، حتي الراديو لم ينتشر بشكل واسع واذاعة بغداد لا تبث الا ساعات معدودة كل يوم ثم توقف بثها حتي اليوم التالي.قرأت محفوظ بالتزامن مع اعمدة الثقافة العربية في مصر كطه حسين والعقاد وسلامة موسي، ومع محفوظ قرأت بعض معاصريه امثال احسان عبد القدوس، السباعي، محمد عبد الحليم عبدالله، وغيرهم الا انه كان الاستثناء بينهم اذ ان قصصه ورواياته لا تسلمك الي الحلم والوهم بل الي اليقظة والمجابهة وتأخذك الي حيث النبض الساخن للحياة.كتبوا عنه كثيرا حتي لا يمكن ذكر عدد الكتب التي صدرت عنه، ليس في مصر فقط بل وفي كل البلاد العربية واصبح ضيفا دائما علي البرامج الدراسية في المعاهد الثانوية والجامعات وكتبت عنه اطروحات عديدة، اي ان نجيب محفوظ قد رأي ثمار الشجرة المهيبة التي غرسها بل وتمتع بهذه الثمار ومع كل هذا لم يغادره تواضعه العجيب الذي عرفته منذ اول لقاء لي به في مقهي ريش عام 1975 حيث كان يخصص وقتا للقاء الادباء الشبان ولا يهمل اعمالهم التي يهدونها له. وكم يزهو الاديب الشاب عندما تأتيه شهادة منصفة منه، واعترف لكم ان هذا ما حصل لي عندما اهديته روايتي البكر الوشم فجاء ليحدثني والآخرين عنها.واقول ان محفوظا بقدر ما يتعلم الشبان منه فهو ايضا يتعلم منهم، يصغي اليهم، يتعرف علي هواجسهم، يتظاهر بانه شارد عنهم، ولكنه كان يصغي اليهم، يتجدد بهم، يعرف الي اي مسار تمضي الاحداث. وعندما يكتب فانه يواصل دور الشاهد الابدي علي ما يجري. وبذا اصبحت رواياته وكأنها تاريخ مصر الحديث قبل ثورة يوليو 1952 الي ايامنا هذه حتي انه اخذ يوثق الاحداث الكبيرة التي شكلت منعرجات في تاريخ مصر مثل اغتيال انور السادات في روايته يوم قتل الزعيم .وقد علمنا نجيب محفوظ كيف نحتفي بالمكان. نتوقف عنده، نعيد تشييد ما تهدم منه فينهض من جديد روائيا. واذكر انني في زيارتي الاولي لمصر السبعينيات ترافقت مع اخي الروائي جمال الغيطاني الي عالم نجيب محفوظ، ازقته وحواريه وابطاله الذين تجددوا بالآتين من نسلهم او المصطلين بهمومهم اذ كانت رؤية هذا العالم بما فيه مطلبي الملح من زيارة القاهرة.لم يكتب محفوظ من مسافة وبعين سائح بل كتب بروحية الذائب في هذه الجموع في دورانها المفزع في احشاء مدينة لا يدري المرء كيف تستوعب اكثر من خمسة عشر مليونا! كما لا يدري المرء كيف استوعب ادق ايقاعاتها وهواجسها هذا الروائي الراصد الحكيم!يمكن القول ايضا ان نجيب محفوظ هو روائي المدينة بامتياز، وروائي الطبقة المتوسطة بشكل خاص اذ انه ابنها وصوتها، وجد نفسه يجوب احد احيائها الشعبية حيث ولد وقريبا من سيدنا الحسين الذي صلي علي جثمانه فيه بناء علي وصيته.وحاول محفوظ ان يمزج بين العلم والدين واجدا الصلة بينهما في ملامح وسلوكيات ابطاله، ورغم تناوله للموضوعات الساخنة كالسجن السياسي والتعذيب الا انه لم يعرف الانتماء السياسي بمعناه الحزبي واحتفظ دائما بمسافة بينه وبين التعامل السياسي المباشر.كما انه لم يعرف السجن السياسي او اتخاذ مواقف حاسمة مما يجري، وهو بشكل وآخر ظل ضمن السياق الرسمي دون ان يقاطعه او يوقع البيانات ضده ولم يحصل هذا الا مرة واحدة بتأثير من توفيق الحكيم كما ذكر ضمن اجواء مؤسسة الاهرام الصحافية وحيث استطاع الاستاذ محمد حسنين هيكل ان يجمع عددا من الكبار ليكتبوا فيها، امثال الحكيم والدكتورة بنت الشاطئ ويوسف ادريس ومحفوظ وآخرين.ذكر محفوظ مرة انه موظف لدي القصة لذا كان يكتب بانتظام وبعدد معين من الساعات، فالرجل لا تعرف حياته الفوضي، بل النظام والنظام الصارم المفزع، من اليقظة الي النوم الي السيكارة وفنجان القهوة والذهاب للعمل او التمشي.عندما رأيته للمرة الاولي في ريش التي مضي عهدها ذاك بعد الانفتاح الساداتي وغادر محفوظ جلسته الاسبوعية فيها انتبهتُ الي انه لا يدخن السيكارة الا بعد ان ينظر الي ساعته، ولا يطلب فنجان قهوة باشارة متفق عليها بينه وبين النادل الا بعد ان ينظر الي ساعته ايضا. وعندما ينتهي الوقت المحدد للمقهي ينهض مغادرا. واذكر انني توجهت له بسؤال حول هذا الانضباط الذي يناسب العساكر لا المبدعين بما فيهم من نزوات وفوضي وعصيان وخروج. وكانت في سؤالي لهجة الاستغراب فما كان منه الا ان اجابني بأن هذا الانضباط الذي تراه ما هو الا غطاء لفوضي الداخل. وقد نشر الحوار في مجلة الاقلام العراقية في منتصف السبعينيات.كان الوجه الذي نراه من محفوظ في العمل والمقاهي والشارع يقابله الوجه الآخر الذي شكل حياته الخاصة التي ظلت احداثها ضربا من التوقعات والتخمينات حتي حصوله علي نوبل فاقتحم بيته من الزوار والصحافيين ورأوا زوجته وبنتيه وكيف يعيش ولم تكن هذه الحياة معروفة الا لدي القلة.وربما كان الحوار الطويل الذي اجراه معه الناقد رجاء النقاش ونشره في كتاب اشبه بسيرة ذاتية له حيث اعترف بين ما اعترف به ان عالم الليل والعوالم والعوامات والسكر والحشيش عاشه بنفسه وبكل ما فيه وعندما كتب عنه كتب من موقع العائش والعارف وليس المراقب.محفوظ قدم لنا مكتبة روائية كاملة. وكأنه لم يكن وحده من كتبها بل كان جهد ورشة كاملة من الكتاب، واعتقد ان اعماله الروائية حوت ذري مهمة مثل الثلاثية والشحاذ والكرنك واولاد حارتنا وصولا الي العمل الروائي الاستثنائي ملحمة الحرافيش فأحلام فترة النقاهة التي كان يدونها في ذاكرته ثم يمليها علي من يكتبها له بعد ان عجزت يده عن ذلك اثر طعنة الغدر من ذلك الفتي المحتقن عماء وغباء.نجيب محفوظ هو مدونة الرواية العربية في رجل وهذا الحكم لا ينال من الجهود السابقة او الموازية او اللاحقة وهي جهود كبيرة بدون شك.رأيته آخر مرة في العوامة الشهيدة التي اصبحت ملتقي محبيه معه حفاظا علي امنه وسلامته قبل عامين تقريبا واثناء انعقاد مؤتمر الرواية العربية وعندما وقعت عليه عيناي احسست ان حجمه قد صغر عن المرة السابقة التي شاهدته فيها وصافحته وقبلته بعد حصوله علي جائزة نوبل عام 1988 وكنت احد المدعوين لحضور الاحتفال الذي اقامه الرئيس مبارك علي شرفه في القصر الجمهوري.بدا لي في آخر لقاء وكأنه ايقونة نادرة، وجودها الجميل وحده يجعلنا نحس بالامان رغم انه لم يكن يرانا او يسمعنا جيدا ومع هذا كانت ذاكرته حية، وعندما اوصل له اخي يوسف القعيد اسمي رحب بي وسألني بود: فين اراضيك يا عبد الرحمن؟ فقلت: تونس وردد عبارته الشهيرة: (يا خبر)، احسست وقتها انني احلم بأن اراه ثانية وهذا ما كان.سلام الله عليك يا أبانا في حياتك وموتك، وثق ان لك ابناء شرعيين خرجوا من صلب عطائك، ومن مدرسة ابداعك ولن يمارس احد معك جريمة قتل الأب ابدا، أبدا، فأب مثلك نتباهي بالانتماء إليه.
 Posted by Picasa

١٠‏/٠٩‏/٢٠٠٦

إلى أفروديت
.. قبل أن يكتمل المساء ـــ
عمر عنّاز




من فكرة الغيم كنّا نغزل المطرا


وننفض الدمع عن أحداقنا لنرى
كنا نفتش عن ظل لضحكتنا


خلف النهار وكان الوقت منكسرا
مبعثراً كان، مخموراً بأغنية


تلعثم الشوق في أوتارها فسرى
كانت لنا قرية أنفاسها ورق


في دفتر الماء تطفو حولهن قرى
ومثلما أدمع الفيروز كان لنا


حلم إذا الشمس ناغت ظله اعتذرا
فأين يا قارب النسيان سرت بنا


وكيف جرّحت صدر البحر فانهمرا
لولا تمهلت فالكأس التي بيدي


ماوشّلت خمرها أو لونها اعتكرا
والشاهدان شحوبي وارتعاش دمي


فلا تلم مدنفا بالعشق إن هذرا
فربما أنكر الإنسان أجمعه


ووحد الله في نهدين قد كفرا
أرجوك لا تبتعد.. قرّب خطاك ففي


قلبي غزال من الأشواق قد نفرا
وخل بيني وبيني كي أنازلني


وأصبح العمر قرباناً لمن هجرا
من عرّش الآس في ميناء أعينه


ومن لعشب التشهي في دماه عرى
فهو الذي بذر النعناع في شفتي


وحين ساءلته عن غرسه نكرا
عتباك.. من يجتني العناب إن كبرا


ومن سيلجم موج الروح إن هدرا؟
ومن سيبتكر الشطآن في نهر


تعثر الماء في جرفيه فانكسرا
بالله يا قارب النسيان كيف بمن


قد حشّدوا في سماه الدمع والكدرا
من أين يهرب؟ من أي الدروب وقد


تشعب الموت في عينيه وانشطرا
وأنكرته غصون طالما افترعت


من را حتيه وصاغت ظلها صورا
فياله موجعاً حتى أنامله


خانته حين رمى سنّارة الشعرا
فما تصيد إلا لهفة عبثت


بها الهواجس حين اشابكت زمرا
وحين دارت به الأفلاك دورتها


وأنبت الغيم في أعتابه المطرا
تأبط الحلم المخضر جانبه


وسار من خلفه العشاق والفقرا
 Posted by Picasa
الذاكرة المائية
وأسطرة المكان
د.محمد صابر عبيد
تحظى الذاكرة بأهمية قصوى في المتن الشعري إذ هي تمظهر جدلي نوعي وخاص، وتؤسس الذاكرة لعلاقتها بالزمن أرضية فريدة تتحايل فيها على آليات الترتيب وتقانات السياق وتتمخض عن مستقبل خاص بها .‏
وإذا ما أدركنا بأن الزمن في حقيقته عاطفي، فإن تقلبات الوجدان تقود على فهم جديد للذاكرة الشعرية يعاينها بوصفها بنية منزاحة، يستجيب تشكلها للضغوطات الإجرائية القادمة من فعل الكتابة.‏
إن تنصيص الذاكرة وتحويلها إلى فعل كتابي نصي يتم عبر استخدام فضاء الذاكرة بوصفها جسرا للوصول إلى الحساسية النصية للكلمة، اعتمادا على طاقة التماهي النصي فيها وبفضل زخم مرجعيتها الوجودية التي تمول إشكالية التنصيص باحتمالات المعنى .‏
إن التذكر الاستعادي للشئ المعزز بقصدية حالية –فنية وجمالية- يعني بالضرورة تجسيمه على النحو الذي يمكن فيه معاينته بصريا، وتشكيله علاميا، من خلال إشكالية التحول اللاشعوري من ذاكرة النص إلى تنصيص الذاكرة، واستثمار الأبعاد الزمنية المركبة للذاكرة انطلاقاً من قاعدة الماضي مرورا بالراهن الملتبس واتصالا بالمستقبل‏
ولعل هذه الخاصية المركبة لفاعلية الذاكرة في الزمن أو الزمن في الذاكرة تضعها في أكثر مناطق العقل الإبداعي توترا وخصبا ، لذا فإن الذاكرة المنصصة شعريا هي أداة الشعر (( لأن الخيال نفسه إنما هو تمرين للذاكرة وبالتالي ثمرة من ثمراتها، إذ لا يمكن أن نتخيل شيئا لم يسبق لنا معرفته، فقدرتنا على التخيل هي القدرة على تذكر تجاربنا السابقة وتطبيقها على حالات جديدة ))- حسب ستيفن سبندر – ولاشك في أن التفاعل بين القدرة والتخيل والقدرة على التذكر والاستعادة، تخضع في إنجاز فعالياتها لطبيعة وكيفية المساحة النصية التي ستشغلها المادة المستعادة، وحجم التحويل الذي سيحصل لها جراء الفعل الكتابي وهو يصل أقصى مدياته وأكثرها كثافة وتوترا وتركيزا في الشعر‏
بدر شاكر السياب شاعر ذاكرة بامتياز، فهو يعيش حياته الشعرية المزحومة بألوان التجربة الروحية في منزل الذاكرة، لايغادر أبدا إلا إلى الضفاف والتخوم والحواشي التي تغذي المنزل بالذكريات وتمونه بمزيد من صور الماضي وحالاته، في السبيل إلى مضاعفة الحساسية الذاكراتية وإحلالها بديلا لحساسية الراهن وحلم المستقبل .‏
سعى السياب عبر معظم قصائده الذاكراتية إلى ترهين الذاكرة وتعميدها بألم الراهن وانكساراته وهزائمه وخيباته، وركز عميقا على عاطفية الزمن وحولها إلى آلة شحن الأمكنة بطاقة تزمين وجدانية هائلة قرّبتها كثيرا من الأسطرة، إذ إن المنطلقات المركزية التي تنبثق منها أعمال الذاكرة غالبا ماتكون مكانية، بحيث تكونت لديه ذاكرة شعرية مكانية مزمنّة ومؤسطرة وماثلة تماما في حضرة الشعر .‏
الماء يرتبط جوهريا وجدليا بالمكان-وعلى نحو ما بالزمن أيضاً-، وهو عنصر حيوي وفعّال في ذاكرة السياب يمتد إلى أبعد نقطة عفوية في الجذور الأسطورية والدينية والشعبية والجمالية، وينهل منها قوى شعرية تثري ذاكرته النصية بالطاقة والحيوية والتجربة، فيكتظ نصّه الذاكراتي بلغة وحشية جارحة مخضلة بالماء وموحية به أبداً.‏
إذن الذاكرة الشعرية السيابية ذاكرة مائية في المقام الأول، وحيوية هذه الذاكرة تتأتى من حيوية عنصر الماء في الوجود فهو قرين الحياة وسببها ومبرر استمرارها، وإذا كان شعر كل الشعراء في العالم لابدّ وأن يحفل –على نحو أو آخر-بصور الماء ومراياه وحساسياته، فإن ذاكرة السياب ذاكرة مائية حافلة بصور الماء، ومبتهجة بمراياه، وغارقة في انعكاساته، ومتماهية مع عمق تاريخيته في الذاكرة البشرية وتجلياتها الإبداعية.‏
تكتسب قصيدته ((أنشودة المطر)) الحضور الأوسع والأكثر قوّة في تجلي الذاكرة المائية وتفعيلها شعرياً، إذ هي –ومنذ عتبة عنوانها- تشتغل على تحويل الأنموذج المائي الأثير لدى السياب ((المطر)) الهابط من الأعلى إلى الأسفل، والمقترن عنده بالغسل والتطهير، إلى ((أنشودة)) حاضرة في صداها الإيقاعي وماكثة في الضمير والوجدان واللسان.‏
تحفر ((أنشودة المطر)) في بئر الذاكرة المعلّقة في سماء المخيلة فتتدفق أشكالاً مائية متعددة:‏
في كل قطرة من المطر‏
حمراء أو صفراء من أجنّة الزهر‏
وكل دمعة من الجياع والعراة‏
وكل قطرة تراق من دم العبيد‏
فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد‏
أو حلمة تورّدت على فم الوليد‏
في عالم الغد الفتيّ واهب الحياة‏
مطر‏
مطر‏
مطر‏
سيعشب العراق بالمطر‏
تبدأ بالأنموذج المائي المطري في أصغر وحداته ((قطرة من المطر))، وتستمر كذلك بالأنموذح المائي الدمعي في أصغر وحداته ((كل دمعة/ (صفراء)/))، وتنتهي في سياق عنفي وتوتري تصاعدي بالأنموذج المائي الدموي في أصغر وحداته ((كل قطرة/ من دم/ (حمراء)/))، لتشكل بدلالة مصادرها الممولة ((أجنة الزهر/ الجياع والعراة/ العبيد)) فاتحة لأفق حيوي آخر تتفاعل فيه النماذج المائية ((الماء/الدمع/ الدم)) تفاعلاً أسطورياً، لاستيلاد رمز جديد تبدأ به الحياة بداية جديدة ((ابتسام /في انتظار/ مبسم جديد)) تختصر وتختزل وتكثّف وتحوّل ((الماء/ الدمع/ الدم) إلى ((حليب)) في ((حلمة توردت على فم الوليد))، حيث تنجح الذاكرة المائية في تشكيلها المائي الجدلي والمؤسطر بتموين حلم المستقبل ((عالم الغد الفتيّ)) بالرمز المكتظ بصورة الماء وإيحائه ((واهب الحياة))، الذي مايلبث أن يتقاطر عمودياً بغزارة إيقاعية- صوتية وبصرية لافتة((مطر/مطر/مطر))، منتشراً على مساحة تجربة المكان الحيوية ((العراق)) الذي ((سيعشب)) بالماء المنهمر من بئر الذاكرة المائية بأقصى حلم التدفق ((المطر)).‏
وفي قصيدة ((رؤيا في عام 1956)) حيث تتمظهر عتبة العنوان تمظهراً موازياً ومقابلاً لصورة الذاكرة المائية، فإن الدلالات العميقة للنماذج المائية تترمز على النحو الذي يستجيب لفضاء العنونة ((رؤيا)) وتجلياته:‏
ولفّني الظلام في المساء‏
فامتصت الدماء‏
صحراء نومي تنبت الزهر‏
فإنما الدماء‏
توائم المطر‏
فالدالان الفعليان الموحيان بالماء ((امتصت/ تنبت))، والدال الاسمي الموحي بالماء ((الزهر))/ والدال الاسمي المضاد للماء ((صحراء))، والأنموذج المائي-الدموي-الغزير في شعر السياب ((الدماء))، تتفاعل في المرحلة الأولى من مراحل صيرورة التشكّل الشعري للـ((رؤيا)) في السبيل إلى إنتاج المضمون الريوي القائم على هذه المعادلة المائية:‏
الدماء=(توائم)=المطر‏
وهو ما يبرر انفتاح الذاكرة المائية السيابية على نماذج يتلوّن فيها شكل الماء، المائي/ الماء، والأصفر/ الدمعي، والأحمر/ الدم، كما تمّت الإشارة المباشرة إلى ذلك في قصيدة ((أنشودة المطر)).‏
وغالباً مايكون الماء الأحمر ((الدم)) ذو الحضور الوحشي في ذاكرته المائية إشارة للمخاض العسير الذي يحقق الولادة المنتظرة كما في قصيدة ((سروبوس في بابل))‏
سيولد الضياء‏
من رحم ينزّ بالدماء‏
إذ يتمخض فعل الألم ((ينزّ))-بحساسيته الإيقاعية الموجعة من إشكالية المكان المنغلق على سرّه الداخلي، والمفتوح على مشهد الحياة في حضور تشكيلي واحد ((رحم))-عن شكل الماء الأحمر ((الدماء))، الذي يرتفع إلى أعلى –إلى السماء- ((سيولد الضياء)) في الاتجاه المعاكس والمضاد لهطول المطر.‏
وتظل ذاكرة السياب الشعرية((المائية)) تغذّي التشكلات الشعرية بألوان الماء المتعددة، إلا أن اللون الأصفر الذي صرحت به ((أنشودة المطر)) للدلالة على ((الدمع)) يتمظهر تمظهراً آخر في قصيدة ((حفار القبور))، لينتج إشارة أخرى إلى أنموذج مائي له حضوره الحلمي والمخلّص الكثيف في الكثير من قصائده:‏
ويظل حفار القبور ينأى عن القبر الجديد‏
متعثر الخطوات يحلم باللقاء وبالخمور‏
حيث يتكشف (حلم) حفار القبور المعادل عن صورة ((اللقاء+الماء الأصفر/الخمور)) بوصفه معادلاً نفسياً وشكلياً ووجودياً عن (واقع) نأيه ((عن القبر الجديد)).‏
ففاعلية((الماء الأصفر/ الخمور)) تشتغل في منطقة الحياة المقابلة لمنطقة الموت ((الموت الجديد))، وفي حركة ((حفار القبور))-من صورة الخمود والهدوء في التراب ((القبر)) إلى الاشتعال والانطلاق والتماهي والنسيان في الماء ((الخمور)).‏
وفي قصيدته الإشكالية الجدلية((النهر والموت)) تنهض ذاكرة السياب المائية بعبء الموازنة الأسطورية بين الدال المائي ((النهر))- وهو يفترض نقيضاً وجودياً يمكن أن يتمثل بدال ((الحياة))-على النحو الذي يتمظهر فيه الدال ونقيضه في طرفي معادلة عتبة العنوان.‏
تتعلق الذاكرة المائية في هذه القصيدة في بؤرة حركة الأنا الشاعرة:‏
أودّ لو غرقت فيك،‏
ألقط المحار‏
أشيد منه دار‏
يضيء فيها خضرة المياه والشجر‏
ما تنضج النجوم والقمر‏
وأغتدي فيك مع الجزر‏
إلى البحر‏
وتدفع بآلتها الفعلية والحلمية ((أودّ)) إلى فضاء فعلي متّجه إلى الآخر المحاور ((النهر)) مغمور حتى الموت بالماء ((لو/ غرقت، لتعوّض تحت سطحه –داخل الماء- حياة جديدة بالحياة التي هي قرين ((الموت)) خارج الماء، تأخذ منها منظومة الأفعال حريتها وحيويتها وانطلاقها وحياتها ((ألقط/ أشيد/ يضيء/ تنضح/ أغتدي))، وهي تتفاعل وتتضافر وتمتزج وتتماهى مع دوال الطبيعة المشبعة بصور الماء وتجلياته ((المحار/ دار/خضرة/المياه/ الشجر/ النجوم/ القمر/ الجزر/البحر))، لتحقق للمعادلة الشعرية المنفتحة على طول الحياة وعرضها ((النهر /الموت)) موازنتها المطلوبة من طرف الذاكرة المائية في تشكيلها الشعري الإشكالي والجدلي المؤسطر.‏
إلا أن الذاكرة السيابية المائية واستناداً إلى معطياتها الإشكالية والجدلية والمؤسطرة تحفظ للمتن السيابي خلوده، بفعل حساسية الجدل الأسطوري العميق في الطبقات الداخلية القصوى لهذه الذاكرة، إذ إنها ذاكرة مائية تنضح بأنواع المياه وألوانها وتجلياتها وإيحاءاتها وعلاماتها، لكنها ما تلبث أن ترتد إلى حقيقة جافة مفرغة تماماً من الماء:‏
لم أقرأ الكتب الضخام‏
وشافعي ظمأ وجوع‏
في تمثيل إشكالي سيميائي لتجربة شعرية ثرة توازن موازنة رمزية هائلة في تداخلها وتخارجها، وضوحها وإبهامها، علنها وسرها، صوتها وصداها، بين الماء واليباس، الخصب والجدب، الارتواء والظمأ، الحياة والموت.‏
 Posted by Picasa
كلمة نجيب محفوظ أمام لجنة نوبل


سيداتي، سادتي‏
في البدء أشكر الأكاديمية السويدية ولجنة نوبل التابعة لها على التفاتها ا لكريم لاجتهادي المثابر الطويل وأرجو أن تتقبلوا بسعة صدر حديثي إليكم بلغة غير معروفة لدى الكثيرين منكم، ولكنها هي الفائز الحقيقي بالجائزة فمن الواجب أن تسبح أنغامها في واحتكم الحضارية لأول مرة، وإني كبير الأمل ألا تكون المرة الأخيرة وأن يسعد الأدباء من قومي بالجلوس بكل جدارة بين أدبائكم العالميين الذين نشروا أريج البهجة والحكمة في دنيانا المليئة بالشجن.‏
سادتي:‏
أخبرني مندوب جريدة أجنبية في القاهرة بأن لحظة إعلان اسمي مقروناً بالجائزة ساد الصمت وتساءل كثيرون عمن أكون –فاسمحوا لي أن أقدم لكم نفسي بالموضوعية التي تتيحها الطبيعة البشرية. أنا ابن حضارتين تزوجتا في عصر من عصور التاريخ زواجاً موفقاً، أولاهما عمرها سبعة آلاف سنة وهي الحضارة الفرعونية، وثانيتهما عمرها ألف وأربعمائة سنة وهي الحضارة الإسلامية ولعلي لست في حاجة إلى تعريف بأي من الحضارتين لأحد منكم، وأنتم من أهل الصفوة والعلم، ولكن لا بأس من التذكير ونحن في مقام النجوى والتعارف.‏
وعن الحضارة الفرعونية لن أتحدث عن الغزوات وبناء الإمبراطوريات فقد أصبح ذلك من المفاخر البالية التي لا ترتاح لذكرها الضمائر الحديثة والحمد لله. ولن أتحدث عن اهتدائها لأول مرة إلى الله سبحانه وتعالى وكشفها عن فجر الضمير البشري. فلذلك مجال طويل فضلاً عن أنه لا يوجد بينكم من لم يلم بسيرة الملك النبي أخناتون. بل لن أتحدث عن إنجازاتها في الفن والأدب ومعجزاتها الشهيرة الأهرام وأبو الهول والكرنك، فمن لم يسعده الحظ بمشاهدة تلك الآثار فقد قرأ عنها وتأمل صورها. دعوني أقدمها –الحضارة الفرعونية- بما يشبه القصة طالما أن الظروف الخاصة بي قضت بأن أكون قصاصاً، فتفضلوا بسماع هذه الواقعة التاريخية المسجلة. تقول أوراق البردى أن أحد الفراعنة قد نما إليه أن علاقة آثمة نشأت بين بعض نساء الحريم وبعض رجال الحاشية. وكان المتوقع أن يجهز على الجميع فلا يشذ في تصرفه عن مناخ زمانه. ولكنه دعا إلى حضرته نخبة من رجال القانون.‏
وطالبهم بالتحقيق فيما نما على علمه، وقال لهم أنه يريد الحقيقة ليحكم بالعدل. ذلك السلوك في رأيي أعظم من بناء امبراطورية وتشييد الأهرامات وأدل على تفوق الحضارة من أي أبهة أو ثراء. وقد زالت الامبراطورية وأمست خبراً من أخبار الماضي. وسوف تتلاشى الأهرام ذات يوم ولكن الحقيقة والعدل سيبقيان مادام في البشرية عقل يتطلع أو ضمير ينبض. وعن الحضارة الإسلامية فلن أحدثكم عن دعوتها إلى إقامة وحدة بشرية في رحاب الخالق تنهض على الحرية والمساواة والتسامح، ولا عن عظمة رسولها. فمن مفكريكم من كرمه كأعظم رجل في تاريخ البشرية. ولا عن فتوحاتها التي غرست آلاف المآذن الداعية للعبادة والتقوى والخير على امتداد أرض مترامية مابين مشارف الهند والصين وحدود فرنسا. ولا عن المآخاة التي تحققت في حضنها بين الأديان والعناصر في تسامح لم تعرفه الإنسانية من قبل ولا من بعد. ولكني سأقدمها في موقف درامي –مؤثر- يلخص سمة من أبرز سماتها. ففي إحدى معاركها الظافرة مع الدولة البيزنطية ردت الأسرى في مقابل عدد من كتب الفلسفة والطب والرياضة من التراث الإغريقي العتيد. وهي شهادة قيمة للروح الإنساني في طموحه إلى العلم والمعرفة. رغم أن الطالب يعتنق ديناً سماوياً والمطلوب ثمرة حضارة وثنية.‏
قدر لي يا سادة أن أولد في حضن هاتين الحضارتين وأن أرضع لبنيهما وأتغذى على أدبهما وفنونهما. ثم ارتويت من رحيق ثقافتكم الثرية الفاتنة. ومن وحي ذلك كله بالإضافة إلى شجوني الخاصة –ندت عني كلمات. أسعدها الحظ باستحقاق تقدير أكاديميتكم الموقرة فتوجت اجتهادي بجائزة نوبل الكبرى. فالشكر أقدمه لها باسمى وباسم البناة العظام الراحلين من مؤسسي الحضارتين.‏
.. سادتي.‏
لعلكم تتساءلون : هذا الرجل القادم من العالم الثالث كيف وجد من فراغ البال ما أتاح له أن يكتب القصص.‏
وهو تساؤل في محله.. فأنا قادم من عالم ينوء تحت أثقال الديون حتى ليهدده سدادها بالمجاعة أو ما يقاربها. يهلك منه أقوام في آسيا من الفيضانات. ويهلك آخرون في أفريقيا من المجاعة. وهناك في جنوب أفريقيا ملايين المواطنين قضى عليهم بالنبذ والحرمان من أي من حقوق الإنسان في عصر حقوق الإنسان وكأنهم غير معدودين من البشر. وفي الضفة وغزة أقوام ضائعون رغم أنهم يعيشون فوق أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم. هبوا يطالبون بأول مطلب حققه الإنسان البدائي وهو أن يكون لهم موضع مناسب يعترف لهم به. فكان جزاء هبتهم الباسلة النبيلة –رجالاً ونساء وشباباً وأطفالاً –تكسيراً للعظام وقتلاً بالرصاص وهدماً للمنازل وتعذيباً في السجون والمعتقلات. ومن حولهم مائة وخمسون مليوناً من العرب. يتابعون ما يحدث بغضب وأسى مما يهدد المنطقة بكارثة إن لم تتداركها حكمة الراغبين في السلام الشامل العادل. أجل كيف وجد الرجل القادم من العالم الثالث فراغ البال ليكتب قصصاً؟.. ولكن من حسن الحظ إن الفن كريم عطوف. وكما أنه يعايش السعداء فإنه لا يتخلى عن التعساء. ويهب كل فريق وسيلة مناسبة للتعبير عما يجيش به صدره.‏
وفي هذه اللحظة الحاسمة من تاريخ الحضارة لا يعقل ولا يقبل أن تتلاشى أنات البشر في الفراغ لاشك أن الإنسانية قد بلغت على الأقل سن الرشد. وزماننا يبشر بالوفاق بين العمالقة ويتصدى العقل للقضاء على جميع عوامل الفناء والخراب وكما ينشط العلماء لتطهير البيئة من التلوث الصناعي فعلى المثقفين أن ينشطوا لتطهير البشرية من التلوث الأخلاقي. فمن حقنا وواجبنا أن نطالب القادة الكبار في دول الحضارة كما نطالب رجال اقتصادها بوثبة حقيقية تضعهم في بؤرة العصر. قديماً كان كل قائد يعمل لخير أمته. وحدها معتبراً بقية الأمم خصوماً أو مواقع للاستغلال. دونما أي اكتراث لقيمة غير قيمة التفوق والمجد الذاتي. وفي سبيل ذلك أهدرت أخلاق ومبادئ وقيم. وبرزت وسائل غير لائقة. وأزهقت أرواح لا تحصى. فكان الكذب والمكر والغدر والقسوة من آيات الفطنة، ودلائل العظمة، اليوم يجب أن تتغير الرؤية من جذورها. اليوم يجب أن تقاس عظمة القائد المتحضر بمقدار شمول نظرته وشعوره لمسؤولية نحو البشرية جميعاً. وما العالم المتقدم والثالث إلا أسرة واحدة، يتحمل كل إنسان مسؤوليته نحوها بنسبة ما حصل من علم وحكمة وحضارة. ولعلي لا أتجاوز واجبي إذا قلت لهم باسم العالم الثالث: لا تكونوا متفرجين على مآسينا ولكن عليكم أن تلعبوا فيها دوراً نبيلاً يناسب أقداركم. إنكم من موقع تفوقكم مسؤولون عن أي انحراف يصيب أي نبات أو حيوان فضلاً عن الإنسان في أي ركن من أركان المعمورة. وقد ضقنا بالكلام وآن أوان العمل، آن الأوان لإلغاء عصر قطاع الطرق والمرابين. نحن في عصر القادة المسؤولين عن الكرة الأرضية. أنقذوا المستبعدين في الجنوب الأفريقي. أنقذوا الجائعين في أفريقيا. أنقذوا الفلسطينيين من الرصاص والعذاب بل أنقذوا الإسرائيليين من تلويث تراثهم الروحي العظيم. أنقذوا المديونين من قوانين الاقتصاد الجامدة. والفتوا أنظارهم إلى أن مسؤوليتهم عن البشر يجب أن تقدم عن التزامهم بقواعد علم لعل الزمن قد تجاوزه.‏
.. سادتي.‏
معذرة أشعر بأني كدرت شيئاً من صفوكم ولكن ماذا تتوقعون من قادم من العالم الثالث. أليس أن كل إناء بما فيه ينضح؟..‏
ثم أين تجد أنات البشر مكاناً تتردد فيه إذا لم تجده في واحتكم الحضارية التي غرسها مؤسسها العظيم لخدمة العلم والأدب. والقيم الإنسانية الرفيعة؟ وكما فعل ذات يوم برصد ثروته للخير والعلم طلباً للمغفرة فنحن –أبناء العالم الثالث-نطالب القادرين المتحضرين باحتذاء مثاله واستيعاب سلوكه ورؤيته.‏
.. سادتي:‏
رغم كل ما يجري حولنا فإنني ملتزم بالتفاؤل حتى النهاية لا أقول مع الفيلسوف كانت إن الخير سينتصر في العالم الآخر. فإنه يحرز نصراً كل يوم، بل لعل الشر أضعف مما نتصور بكثير: وأمامنا الدليل الذي لا يجحد. فلولا النصر الغالب للخير ما استطاعت شراذم من البشر الهائمة على وجهها عرضة للوحوش والحشرات والكوارث الطبيعية والأوبئة والخوف والأنانية. أقول لولا النصر الغالب للخير ما استطاعت البشرية أن تنمو وتتكاثر وتكون الأمم وتكتشف وتبدع وتخترع وتغزو الفضاء وتعلن حقوق الإنسان: غاية ما في الأمر أن الشر عربيد ذو صخب ومرتفع الصوت وأن الإنسان يتذكر ما يؤلمه أكثر مما يسره. وقد صدق شاعرنا أبو العلاء عندما قال:‏
إن حزنا ساعة الموت أضعاف سرور ساعة الميلاد‏
سادتي..‏
أكرر الشكر وأسألكم العفو.‏
 Posted by Picasa

٠٨‏/٠٩‏/٢٠٠٦

شيفرة دافنشي
الرواية والتاريخ المضاد

ساطع راجي



منذ بدايات الفن الروائي كانت الكتابة فيه قريبة من كتابة التأريخ، فهيمنة الفعل السردي على الحقلين عقدت اواصر العلاقة بينهما، الا ان الفن الروائي انشغل بأستمرار بذلك الجزء الغامض والعفوي والحميمي من الحياة الأنسانية، الجزء الذي لاتقوى منهجيات التدوين التأريخي على التقاطه، او الذي ترفضه الحواضن الرسمية لفعل التدوين التأريخي بما لديها من سلطة(اجتماعية، سياسية، دينية) لتتعاضد مع الفعل الثقافي(التدوين) لتكوين ذلك المزاح عن كتب التأريخ الموسوم بـ( المسكوت عنه) ضمن فعل فني هو الرواية، وعنوان رواية شيفرة دافنشي بحد ذاته يشير عبر كلمة (شيفرة) الى محاولة للتملص من السلطة المتحكمة بالفعل التدويني، لتغدو كلمة شيفرة ذات دلالة مزدوجة تعبر اولا عن مصلحة فئة او جماعة في تمرير معرفة ما الى الأجيال اللاحقة من جهة، ومن جهة أخرى تعبر عن وجود جماعة او فئة مضادة لعملية التمرير المعرفي هذا، هذا الصراع الثقافي_ الأجتماعي ينتج ادوات تواصل بديلة عن الادوات المألوفة، وفي الوقت الذي يراد للمعرفة السرية ان تتجه الى المستقبل فأنها تتخذ من اداة اتصالية قديمة(الرسم) منفذا لها، ولكن عبر الأنبثاث الرمزي في لوحات احد اهم الفنانين المولعين بالبحث العلمي والأبتكارات التكنولوجية ( ليوناردو دافنشي )، لتشتبك حقول الدين والسياسة والعلم واللغة والفن في تشييد المبنى الحكائي للرواية.


الفن والتأريخ المضاد:

تبدو سيطرة مفهوم الجمال كقيمة متعالية تحكم العمل الفني وكأنها تتوارى في رواية (شيفرة دافنشي)، وتعبر شخصيات الرواية اكثر من مرة عن استغرابها من الأهتمام المبالغ به الذي تحظى به بعض الأعمال المشهورة، واولئك الذين يجدون القدرة على فهم هذه الأعمال وتبرير اهميتها، انما يلجأون الى البحث عن تأريخ يكاد ان يكون سريا، لتخرج تلك الاعمال الفنية عن كونها مجرد تحف الى كونها ادوات اتصال محملة بالرسائل التي تريد التمرد على سلطات التدوين ولتخرج عن حيز المسكوت عنه، ان علم الجمال هنا يتوارى لصالح الأتصال، هذا الأتصال الذي هو انهمام ما بعد حداثوي يعيد تأويل مفردات التراث الفني وفقا لمناهجه ونظرياته، فتمنحنا الرواية طريقة جديدة للتعامل مع العمل الفني، حيث تبرز المعادلات التكوينية للعمل الفني بما يعيده الى سياقه الثقافي والطبيعي على حد سواء.

المؤسسة الدينية وأنتاج التأريخ :

تنشغل رواية شيفرة دافنشي بمقاومة التاريخ الرسمي الذي سيطرت الكنيسة على انتاجه، الى الحد الذي مكنها كسلطة اجتماعية وسياسية من اعادة صياغة المسيحية كدين يناسب المؤسسة الدينية التي تمثلها، فقد اطاحت بالرموز والآثار التي تركتها الديانات الآخرى وخاصة ما يتعلق منها بالأنثى المقدسة، وما لحق ذلك من اضطهاد للمرأة حول المسيحية الى دين ذكوري، وفرض سيطرة الرجال على المؤسسة الكنسية، بل تؤشر حوارات الرواية الى ان موقف الكنيسة المسيحية من المرأة انتقل الى المؤسسة الدينية للديانات الأخرى القريبة من المسيحية.
وتمنحنا الرواية فرصة التجول في الأديرة والأسقفيات المميزة في التأريخ المسيحي مثلما تمنحنا فرصة التعرف على موجودات اهم المتاحف، بل وتتيح للقارئ الأطلاع على تلك العلاقة الشائكة بين الدين والفن، وذلك الصراع المسكوت عليه بين العقائد المؤسسية العامة والقناعات والأراء الشخصية للفنان، وبالتالي السرديات المتصارعة التي تعبر عن مواقف ومصالح الفئات والجماعات.
ان مفهوم الدين كما يتجلى في الرواية ليس مجرد الأفكار والعقائد، وانما الأرتباطات والمصالح مما يمهد لتحويل الروابط الروحية الى ارتباطات اجتماعية واقتصادية، تخوض التنافسات والصراعات بهدف السيطرة وفرض الأرادة على العالم وتأريخه.


الأنثى المقدسة:

توضح الرواية ان فكرة الثالوث المقدس هي فكرة ذكورية انتجتها المسيحية لأقصاء العنصر الأنثوي من البنية الفكرية والروحية للعالم، رغم ان العنصر الأنثوي كان أساسيا في الديانات العالمية التي سبقت المسيحية، بل ان الفكر الفلسفي اليوناني كان يرى العالم رباعي التكوين( الماء، الهواء،النار،التراب)، وعندما جاءت المسيحية فرضت فكرة التثليث(الأب، الأبن، الروح القدس) وهي جميعا تكوينات ذكورية ، وعملية الأقصاء لم تكتف بأخـــــفاء او أغفال العنصر الأنثوي بل عمدت الى الحاق الدنس به، في توصـــــيف مضاد للقداسة التي كانت تتمتع بها الأنثى في الديانات القديمة، وعند قراءة النصوص المقدسة فأن اقرب شخصية رابعة يمكن ان تضاف الى الثالوث المسيحي بوصفها مشاركة في سرديات التكوين الديني، فأن هذه الشخــــصية ستكون (الشيطان)، الشيطان الذي نفذ الى العلاقة بين الله والأنسان(الذكر) عبر المرأة، كما في السرديات الدينية المقدسة.
ورواية شيفرة دافنشي هي بحث محموم عن هذا العنصر (الأنثى) في الديانة المسيحية من خلال اللوحات الفنية، وبالتالي تدوين تأريخ قمعها المقدس، وما ألحقته الكنيسة الكاثوليكية من تشويه بالرموز الأنثوية، وما رسخته من فكر جنسوي عنصري سمح بالأطاحة بالدور الثقافي للمرأة، وهو ما يكشف عن سلطة سرديات التأريخ الديني، وقدرته على التحكم بالمجتمعات لزمن طويل، وما يمكن ان يحدثه هذا السرد من تغييرات.


البناء الفني للرواية:

ما يميز رواية شيفرة دافنشي هو نجاح مؤلفها (دان براون) في الجمع بين المضمون النخبوي والمتخصص احيانا وتقنيات السرد التشويقي، ما يشكل انتاجا لسرديات ما بعد الحداثة التي تحرص على استثمار التشويق في اكثر المناطق تعقيدا، فالرواية تقوم على حكاية بوليسية تقليدية تتضمن جريمة قتل واتهامات خاطئة ومن ثم البحث عن الجناة والدوافع، وتحتفظ الحكاية بتوترها السردي من خلال الأختزال الزمني حيث تدور الأحداث في ليلة واحدة، لتسيطر تقنية السرد المشهدي، حيث تكون اللغة في اقصى درجات التقنين، وهيمنة الزمن الراهن هو ما يتيح للأنهمام بالتأريخ ان يكون هاجس الرواية، فالأحداث والشخصيات لا تكون مفهومة الا بأستذكار تأريخها، لذلك تحدث وقفات سردية في الزمن لتتاح الفرصة للسرد الأستذكاري، وهكذا يكون القارئ امام عملية ترميم مستمر للأحداث. ولعل هيمنة الزمن الراهن على الرواية يراد بها الكشف عن خضوع الحاضر والمستقبل لسيطرة الماضي، الذي يدفع بصراعاته ورموزه قدما الى الامام، فخلال ما يقارب الخمسمائة صفحة التي يتم فيها سرد احداث يوم واحد تتدفق الازمنة السحيقة عبر تقنية الاستذكار، فلكل شخص ومكان وشيء تأريخ يحكمه، وحتى في اللحظة التي يشعر فيها القارئ ان السرد تحرر من الماضي يجد ان مايحدث ليس سوى استكمال لوجه آخر من وجوه الماضي.
الأهمية الأساسية لهذه الرواية تكمن في تعبيرها عما يمكن وصفه بـ(روح) مرحلتنا الحضارية الراهنة حيث تشترك الحداثة التقنية والاصولية الفكرية في صناعة الحياة في مختلف انحاء العــــالم، بما يشجع النزعة التأويلية التي تريد اعادة النــــــظر في فهم الحضارات القديمة ونصوصها ورموزها
 Posted by Picasa
محددات العقل الخلدوني
أبعاد وعلاقات بين التاريخ والفلسفة الإجتماعية
حسن صالح علي


تكاد أن تكون العملية السياسية في عملية التنظير المستقبلي ترتفع إلى سُلًم التنظير، لتبتعد عن مستواها الوصفي للإحداث التاريخية مع استعراض الإمكانات والاحتمالات المعروضة فكرياً وآيديولوجيأً، ليبقى التعمّق في الفكر الخلدوني هو التعّرف على المقدمات النظرية في السياسة والاجتماع وبالتالي تأثيرهما المباشر على العمران الإنساني والحضاري، إلا انه يبقى النجاح في مجابهة مثل هذا التحدي مغامرة تتطلب شجاعة. وأن دراسة طبيعة علم العمران لهي دراسة جديرة بالاهتمام، وهي رغم اقتضابها، إلا إنها تعرض للمقابلات الممكنة بين علم العمران الخلدوني، وكل من فلسفة التأريخ والفلسفة الاجتماعية لمن جاء بعده، وأخذ بطريقته، رغم تطوّر الظروف الزمانية والمكانية، في نظرياتهم الاجتماعية، لهذا فمن الطبيعي جداً - في عُرفنا - إن تكون هنالك ثمة فوارق فلسفية بين علم العمران وعلم الاجتماع الحديث عما كان سابقاً. لهذا حدّد ابن خلدون في تفسيره للتأريخ والعمران البشري جملة مؤثرات منها: -
1 . إنّ المجتمع الإنساني ضروري من خلال النظرة التفسيرية للتاريخ .
2 . تحديد المعنى البلاغي في رسم المعنى التعبيري من كلمة العمران .. بأنّه حركة تاريخية ذات أطر اجتماعية (وقائع اجتماعية)، وليس كسرد لأحداث تاريخية متوالية ومتعاقبة . وهذا الأمر كان مدعاة لأبن خلدون في تميز فلسفته عن سابقيه ولاحقيه من المؤرخين والباحثين.
3 . إنّ النظرية الفلسفية عنده هي (إصلاحية اجتماعية)، تعطي مدلولاتها الاجتماعية لتتفق على الطبيعة البشرية في تيسير حياتهم اليومية وبناء الإنسانية.
إن مثل هذه المؤثرات وغيرها من التي سيتم الخوض في غمارها لاحقاً في هذه الدراسة، إنما هي نظرات بعيدة عن السرد التاريخي والإحداث الاجتماعية اليومية في حياة الفرد والمجتمع، فكان ابن خلدون في تميزه هذا شاهداً آخر للوقائع الاجتماعية التاريخية وفق الطريقة الخلدونية . فما نقرأه في كتابات فرانسيس فوكوياما، والتي يأخذ على عاتقه التطور التكنولوجي وبالتالي التنظير السياسي المستند على أسس اقتصادية استقلالية، ومن ثم الاحتفاظ بهيكلية الهيمنة العظمى، ومسك العصا من جميع الأطراف دون منازع، الأمر الذي يعطي مثل هذه التنظيرات محدداتها المستقبلية المختلفة لاستدلال الوقائع الاجتماعية الفلسفية واختلافها في الاستدلال الوقائعي الفلسفي في التنظيرات الخلدونية المتشابهة معها والمختلفة في جوهرها الفلسفي العقلاني، لهذا يقول احمد حسن الزيات في كتابة (تأريخ الأدب العربي) : " أستنبط ابن خلدون فلسفة التأريخ، فسماها طبيعة العمران في الخليقة، وفصلّها في كتابه العبر مستشهداً بالحوادث التاريخية الصحيحة، ومُعطياً الدليل الدامغ في سُداد رأيه، وصدق نظره وانفساح ذرعه في الاستنباط والتعليل .. " فالتأريخ لديه يمثل الحياة الاجتماعية بكل مظاهرها، ومن خلاله تناول العمران البشري (علم الاجتماع)، عن طريق تحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية كالحركات الدينية والاقتصادية والسياسية والفكرية، مُمثلاً بذلك نقطة تحّول في كتابة التاريخ الإنساني، وفي تأسيسه لعلم الاجتماع فيما بعد (العصر الحديث)، فهّز بذلك الفكر الإنساني العالمي قاطبة بوصفه لقوانين تنطبق على المجتمعات بصورة عامة، ومؤكداً في السياق نفسه، بأن الإنسان لا يعيش إلاّ في مجتمع، وإن عاش فيه فلا بدّ أن يعيش مع شريك مكوناً الشعب، والشعب لابدّ له من العيش على أرض لاحتوائه، ولكي تبقى صيرورة العلاقة بين هؤلاء الناس أو المجتمعات البشرية قائمة على أساس إنساني، فلا بدّ من وجود تعاون بينهم من أجل بناء الحضارة الإنسانية ومن أجل قيام هذا الأساس كان هنالك فارق كبير (فكري وزمني) للقضايا المطروحة في خلفياتها التاريخية مثلاً أو اعتباراتها الدينية ومعطيــــــــاتها الاجتماعية والسوسيولوجية فيحسن بنا حرّياً التصّدي لهــــــــا بإمعــــــان، وتقّصي الحقائق بدقة المعلومة، رغم مشقة المهمة ورويّها.
إفساد البصائر والأخلاق
فإذا كان التعّسف والقهر يقودان إلى " إفساد البصائر والأخلاق"، أي إلى إفساد النفوس - كاحتمال كبير - في نظر ابن خلدون، وكوصف واقعي للإنسانية ودعامة اختباريه عنده. إلاّ إن اجتهاد المفكر الانكليزي (جون ستيوارت أميل) في بحثه " أفضل أنواع الحكم هو الحكم البرلماني" قد أعطى دلالة أخرى في سياق بحثه ضد الحكم الديكتاتوري بأنه يفسد الشعب ويقوده إلى الخمول، فيرميهم في أحضان الخنوع، وهذا الطرح الذي يعرضه ستيوارت هو الطرح نفسه الذي يسوقه ابن خلدون في العصبية . ولكن يبقى السؤال الذي يراود الأذهان هل تبقى هذه الاستقصاءات، الأساس الموضوعي لمطلقية الحكم المتعلق بمقابلة (المفكرين) أم هي بمعزل عن بقاء الإحكام المقابلة وعدها ضرباً من التأويلات العاطفية والتفسيرات، أو التغيرات الأيدلوجية ؟ فما هي نيات كل منهم (المبيتة وغير المبيتة) فيما تؤديه من دور في السيــــــاسة وأدلجتها؟ فكيف يمكننا إثبات مدى عصرية التفكير الخلدوني؟
يمكن الإجابة، من خلال تفكير ابن خلدون في العمران البشري والاجتماع الإنساني نفسه، فهو يعطي دلالات عمرانية واضحة لبعدين أثنين يشير إليهما بطريقة (التلميح) وبخصائص فلسفية: -
البعد الأول: هو البعد السماوي .. من خلال سرد ابن خلدون في المقدمة قوله: " وتمت حكمة الله في بقائه (الإنسان) وحفظ نوعه" . وكذلك قوله: " وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم".
البعد الآخر: هو المفهوم الفلسفي للعمران أي المفهوم السوسيولوجي الاجتماعي .. وهو الأساس الذي يُبنى عليه التعاون فيما بين الإنسان وأبناء جنسه.
لهذا لايخفى على الجميع مدى قوة تأثير الفكر الخلدوني على مفكري العقد الاجتماعي والنظريات التي تلته.
عندما كتب طاهر بن الحسين إلى ابنه عبد الله بعد أن ولاه الخليفة العباسي(المأمون)، الرّقة ومصر وما بينهما، كتاباً مشهوراً عهد فيه إليه وأوصاه بجميع ما يحتاج إليه في دولته وسلطانه من الآداب الدينية والخلقية، والسياسة الشرعية والملوكية، وحثَه على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم بما لا يستغني عنه ملك أو سوقة، فلما شاع أمر هذا الكتاب، وأعجب به الناس وزاد انتشاراً بين الأمصار، كان حَرياً بابن خلدون قراءته والاقتباس منه بعد الإعجاب به، آخذاً بأولويات موقفه وموقعه من النظام الفكري العام وفق خصوصيات مهمة منها : -
1 - انه أقتبس من هذا الكتاب فصلاً عنوانه (.. في أن العمران البشري لابَد له من سياسة يُنظم بها أمره ..)، فكانت السياسة العمرانية الخلدونية المنتظمة في المكان الصحيح بين أطراف الفكر الاجتماعي.
2 - بروز دور ابن خلدون في سياسته العمرانية من خلال سياسته العقلية.
إن هذه الإشارات الدينية العامة إنّما تمثل المنطلقات البديهية لرجل عاش في عصرٍ ادى فيه الدين أدوارا مأثورة ومهمات حضارية مرموقة، تكون قيمة الإشارة إليها في بيان الموقع الديني للإنسانية في التربية الأخلاقية رغم استحسان ابن خلدون لها في تقليد المعطيات العصرية والحضارية، ولأنّها لا تتصف بالانفرادية، لان الفلسفة الخلدونية عموماً تدخل في حقل الفلسفة الوضعية كثيرة العناصر إلا إنهّا ذات تنوع في المسائل البديهية فكلامه عن علم التأريخ وعلم العمران البشري لايدخله في عداد مؤسسي فلسفة التأريخ فحسب وإنما في عداد مؤسسي علم الاجتماع وعلم الانثروبولوجيا (علم الإنسان) . فيكون قد سبق (غبريال نارد) في تحليله للظواهر الاجتماعية بالتقليد، وسبق (أميل دوركهايم) بالقول بالقسر الاجتماعي، كما سبق كارل ماركس في قيمة الشيء التابعة للعمل المبذول في إنتاجه. ورغم كل ذلك إلا أن ما ركزّ عليه ابن خلدون في (أهمية العمل البشري من حيث هو القيمة الحقيقية للمجتمع) يكون في تقارب بينه وبين ما ركز عليه (آدم سميث) في هذا الاتجاه من الثنائية التقاربية بما أدلى به دلوه ابن خلدون للمقارنة بين (البدوي والحضري / الريفي والمدني) وثنائية آدم سميث الغربية في (التقليدي والحديث / ما قبل الصناعي وما بعدها) . ولكننا في الوقت نفسه نجد مثل هذه المقارنة مختلفة جذرياً بين (ماكس فيبر) باتجاه (إميل دوركهايم)، وما بين ابن خلدون باتجاه ابن المقفع والطرطوشي . لهذا أراد أبن خلدون عرض الاحتمالات الممكنة أمام قارئيه، وترك لهم حرية الاختيار من بينها، فيكون واقع الفرق بين الفكر الخلدوني وفكر فوكوياما، انه أراد تعميق أسلوب التوجيه بالنصيحة من خلال وضع النبرة بالتوكيد. فتراه يتوجه في أسلوبه وفق محددات استقرائية نحو المستقبل واقتراحه تغيير الواقع ومسوغاته وفق منطق عقلي وليس بمعنى المنطق الآخر (الفوكايامي) الانقلابي الجذري على كل ما هو فطري وبما يطرحه هذا الفكر (الهجيني)، ووفق منطق يخدم به فئة ذات سياسة لها أهداف عسكرية واقتصادية، بينما نرى أبن خلدون ورغم تنظيره هذا إلا أنه ما زال يعطي الخيار الأول والأخير للإنسانية في كيفية نجاحها للبناء الحضاري .
من خلال هذا كله يحق لنا أن نسأل: هل جاء ابن خلدون بمفهوم للطبيعة البشرية ؟ وهل أثر هذا المفهوم في عمارته النظرية بشأن المجتمعات البشرية والحضارية ؟ وكيف يؤثر هذا الفكر في مفهوم التغيير والتطّور في الطبيعة الإنسانية ؟
أن المجتمعات هي ثمرة عمل أبنائها في شروط بيئتهم المحلية والإقليمية والدولية. فنظرية المراحل التاريخية الماركسية المعروفة، إنّما هي تجريد عمومي يمكن عده ترسيما لا علاقة له بالتأريخ الفعلي لأي مجتمع من المجتمعات . لأن الإنسان هو العامل الأساسي في التغيير بوصفه المسؤول عن توفير شروط مثل هذا التغيير، بمعنى أن السببية وموضوعية الحوادث التاريخية لاتحدث بقطيعة مع الجانب الغيبي، على غرار الفكر اللاهوتي المسيحي في العصور الوسطى. لكن ابن خلدون نظر إلى مُجمل أحداث التأريخ الإسلامي في - مشرقه ومغربه - وتحليله ما تضمنه من نظرية (العصبية والدولة) هو فلسفة التاريخ، والتي تدعى وفق الفلسفة الحالية ب (الفلسفة التأملية للتأريخ) أو الفلسفة النظرية . ألا أن مصطلح فلسفة التأريخ كان قد أستعمل أول مرة من قبل الشاعر الفرنسي (فولتير) في القرن الثامن عشر الميلادي، وكأنه قصد بفلسفة التأريخ " دراسة التأريخ من وجهة نظر الفيلسوف" أي دراسة عقلية ناقدة ترفض الخرافات، وتنقّح التأريخ من الأساطير والمبالغات، بمعنى التحليل النقدي للتأريخ . بيد أن ابن خلدون كان قد دعا إلى مثل هذا الاتجاه في مقدمته من خلال نقده لأعمال المؤرخين السابقين، الأمر الذي يجعله أسبق من فولتير في تمثيل مفهوم فلسفة التأريخ النقدية، إذ كانت معالجته لأعمال المؤرخين السابقين، وتحّري مناهجهم، ومدى صدقهم في نقل الأخبار، وأسباب أخطائهم مع تزوير بعضهم لبعض الحوادث والوقائع وفقاً لمصالح ذاتية ومحسوبية . كما أن قيامه بوضع معايير نقدية وتقريرية لإثبات الحقائق التاريخية وهي بمثابة تصحيح للمسارات التاريخية، وكتابة تأريخ صحيح إنما تدعى جميعاً في المفهوم النقدي (الفلسفة النقدية) التحليلية. كما برز في الربع الأول من القرن التاسع عشر الميلادي مفهوم آخر لفلسفة التأريخ، إذ عّرف الفيلسوف الألماني هيغل هذه الفلسفة بأنها : " دراسة التأريخ من خلال الفكر " . مانحاً بذلك فلسفة التأريخ بعداً آخراً، تأملياً مجرداً، وهو بعد يختلف عن البعد التحليلي النقدي لوقائع التأريخ الذي أراده فولتير، ومن قبله ابن خلدون . لهذا نتج عن هذه النظرة إن الإنسان يتحكم في مصيره وأنه لايخضع خضوعاً كلياً للحتمية التاريخية والاجتماعية بل أنه يربط هذه الحتمية بالأهداف التي رسمها بالقيم الأخلاقية والدينية. ولهذا فان المنطق عند ابن خلدون يسوغ إدراجه ما فوق الطبيعي ضمن الثوابت الاجتماعية والتاريخية والثقافية والدينية والسياسية في المجتمع العربي، مما يفضي به إلى نظرة إسلامية، والى حقيقة مزدوجة كما هي على طريقة ابن رشد، أو كما هي على طريقة باسكال، أو أوغست كونت، فتكون كحقيقة تكاملية، بحيث إنه لايلغي من حساباته الصوفية إقصاء تكامل المعرفة عند علماء المسلمين عامة، وإنما متمم لها. فترى ابن خلدون يركز على أهمية اللغة وإبعادها وامتداداتها إزاء المادية (التاريخية) مثلما هي عند أكثرية الغرب. ولأن الإنسان في فكر ابن خلدون يتجلى بأهمية منهجية أساسية بكونها الأساس في بناء المجتمع وتطوره، كما أن التعاون المجبر عليه (الإنسان) هو الذي يؤهّل العمران (وهو أحد الثوابت الأساسية في الفكر الخلدوني)، بما يعطي تعبيراً اصطلاحيا ناضجاً عن الحضارة والاجتماع البشري بشكل عام. فرغم تأكيده أهمية وضرورة اجتماع البشر بما يعطي معناه العمراني . إلا إن هنالك ضرورات تكمن في أساس هذا العمران، الا وهي فهمه (العلمي والحّسي) للعمارة، وكيف أنه تجاوزها كظاهرة اجتماعية، ليدقق فيما هو فيزيائي يؤثر في العمارة، مبيناً بذلك الوشائج القوية التي تربطها مع البيئة والمناخ والمحيط الجغرافي، فكشف من خلال ذلك النقاب عن ظاهرة تأثير العمارة بالمناخ والبيئة، ومبيناً أن للمناخ تأثير في لباس البشر، لا بل في طبائعهم وألوان بشرتهم أيضا .
صياغة عقلية فلسفية
فرغم تصّوف ابن خلدون إلا إنّ فلسفته الفكرية كما يراها محمد عابد الجابري تبقى : " صياغة عقلية فلسفية .. ولأن كل ما يبقى من التصّوف هو التجربة الذاتية " . لهذا نعتقد أن لجوء ابن خلدون إلى آيات قرآنية أو معان قرآنية ، مرده هو ليس تأثير الدين في فكره بقدر ما مرّده أحد أمرين يصعب التكهن والبحث حولهما : -
الأول : تهكم ابن خلدون في أمور الدين ونزعته الصوفية التي تجسدت في نهاية حياته، والتي لا علاقة لها بمكتسباته العلمية الفكرية .
الآخر : هو الإبداعية اللاواعية التي تمّيز بها فكره من ذاتية الإلهام لديه.
من سياق هذه المحددات العقلية الإبداعية للفكر الخلدوني نستطيع بثقة تحديد المعرفة الخلدونية بثلاثة محددات معرفية.
1 - المعرفة العقلية (مادية محسوسة) وتشمل المعرفة النظرية والتجريبية والتميزية.
2 - المعرفة الروحانية (النفسانية)، والتي قد لا تدركها الحواس ليكون مصدرها وحياً .
3 - المعرفة الوسطية ما بين الاتصال الروحاني والاكتساب والتمّرن على كشف حجاب النفس .
لهذا لايمكن صياغة رؤية عقلانية للتأريخ، إلا من خلال اتخاذ موقف بذاته ، والنظر أليه من الداخل كرؤية شمولية وهذه النظرة هي التي تمكن الفيلسوف التاريخي والاجتماعي من النظر إلى الحوادث في ترابطها وتماسكها، وتمكنّه من إسقاط العلاقات السببية بين الحوادث في المستقبل ليتجاوز بعدها حدود توقع المستقبل منتهياً إلى طرح الفكرة المستوحاة واقعياً . ومثل هذه الطريقة في صياغة فلسفة التأريخ إنمّا نجدها في الفكر الخلدوني العقلاني . لكننا نجد طرحا آخر بهذه الطريقة فلسفياً في (نهاية التأريخ والإنسان الأخير) بغاياته الامبريالية لفوكوياما، إنما تعتمد على تنظير تأريخي مزّيف، ما دامت عملية التنظير هذه تتم من منظور وضعي لأن الفكر المنّظر له بما لا يملك مقوماته على أرض الواقع في تصوير غاياته الذاتية والمستقبلية، إنما يقف عائـــقاً أمام أزمة قاتلة للعقل تختلف عن أزمة العقل المنتج للمعرفة الإنسانية في بناء الإنـــــــسان، وبالتالي بناء المجتمع ككل.
 Posted by Picasa
هل أنت مثقف ومن أي المثقفين؟
محمد الدعمي




للمرء أن يباشر عدداً من المفاهيم المهمة وهو يتأمل مسقط، عاصمة للثقافة العربية لعام 2006. من هذه المفاهيم يبرز مفهوم "المثقف"، وهو لفظ فضفاض، ينطوي على غيمية كثيفة يصعب معها تعريف المثقف وتعريف دوره الإجتماعي والسياسي المعاصر، ناهيك عن إن هذه الغيمية هي التي تقف وراء التوظيف المكثف والإعتباطي، وأحياناً اللامسؤول، لهذا اللفظ الملفوف بعشرات الطبقات من الأغلفة والأوراق الخضر واليابسة. إنه لمن الطريف أن يلاحظ المرء هذا الإستعمال المتذبذب والخالي من الأساس التعريفي الدقيق عبر شبكات الإعلام والكتابات الشائعة دون التيقن المجمع عليه حول: من هو المثقف ؟ ومن هو المثقف العربي، على نحو التخصيص ؟
لهذه الأسباب بقي هذا "اللقب الفخري" يطلق إعتباطياً بلا تمييز وبدون أساس للتيقن خاصة عبر عقود القرن الماضي، إمتداداً إلى هذا اليوم الملبد بالغيوم. بيد أن للمرء أن يلاحظ عدداً لابأس به من الأخطاء الشائعة التي تستحق الرصد والمناقشة، خاصة عندما يعجز، شخصياً، عن تقديم تعريف مطلق ومتفق عليه حيال من يستحق هذا اللقب أو هذا الوصف الرفيع.
أثار هذا الموضوع إهتمامي على نحو خاص عندما نوقش قبل مدة موضوع تخصيص "مكافآت" شهرية للمثقفين كنوع من أنواع التعويض عما فاتهم وعما قاسوه عبر العقود الماضية من حيف وعوز.
تبلورت المعضلة، عبر السياق آنف الذكر، عندما لوحظ تقدم عشرات الآلاف من الأفراد بطلبات عدهم "مثقفين"، إذ لم تتحدد قائمة المثقفين بكبار المفكرين وأصحاب الأقلام السيالة والمؤرخين والكتّاب من الشعراء والناثرين الخياليين والواقعيين المهمين، ذلك أن العوز والطموح جعل الجميع يدعي بأنه ينتمي إلى هذه "الطبقة" السرانية. لذا كان القرار الإبتدائي بـ"تكريم" المثقفين قد إصطدم بما لم يكن صانع القرار يتخيله من رقم كمخصصات مالية لهذا المشروع. وكان المعنى النهائي له، بطريقة أو بأخرى، هو أن يستلم كل مواطن شيئاً من كرم الدولة على المثقفين: فإذا لم تكن أنت شاعراً، يمكن أن تقدم نفسك نجاراً أو حداداً، كمثقف؛ وإذا لم تكن أنت روائياً أو كاتباً مفكراً، يمكنك التشبث بأذيال الثقافة عضواً في كورس أو مسؤول إضاءة أو تقديم الشاي للعاملين في المسرح ؟ وهكذا تحول المشروع إلى حالة من العجز الذي بقي كالشفرة الملتصقة في مريء أصحاب الفكرة، برغم حسن نواياهم: هم ليسوا بقادرين على إبتلاعها ولا على قذفها إلى الخارج !
الملاحظ في المجتمعات العربية هو الميل إلى وصف كل من تخرج من الجامعة بأنه "مثقف"، بغض النظر عما إذا كان تخصصه هو في علم الحشرات أو علم الصخور أو التحليلات المرضية. وفي هذا تجاوز واضح لمفهوم المثقف بالرغم من هلاميته وسيولته. وقد ذهب آخرون إلى إنك إذا شئت إستثناء أمثال هؤلاء من صنف المثقفين، فإنك لا يمكن أن تستثني أصحاب الشهادات العليا من هذا "الشرف" الرفيع. بيد أننا لا نحتاج إلى الكثير من الجهد لنرى عبر شاشات الفضائيات أعداداً لا بأس بها من حملة الشهادات العليا وهم يدلون بأقوال وآراء لا تمت باية صلة إلى معنى وجوهر الثقافة؛ بل إنك ربما تبتئس على هذه الشهادات التي لم تؤهل أصحابها للحديث حتى بلغة سليمة تنطوي على إتساق وتناسق فكري منطقي، الأمر الذي يسوغ ما يذهب إليه البعض الآخر من المتابعين إلى أن هناك أعداداً كبيرة من أنصاف المتعلمين، وحتى من الأميين، الذين يقدمون أنفسهم وأفكارهم بطرائق أكثر قبولاً ومنطقية من آخرين دائماً ما يلهجون بألفاظ الثقافة والمثقف، التثاقف والحوار الثقافي. وهكذا يجد النشء والشبيبة أنفسهم أمام صورة مربكة أكثر غموضاً لمعنى الثقافة في عصر الصدامات الثقافية والصراعات الثقافية والحوارات الثقافية: كلها "ثقافية" ولكنها تفتقد المعنى الواضح الملموس !
إن تحديد معيار دقيق للـ"ثقافة" هو من أصعب الأسئلة أو القضايا التي تتطلب الجهد، خاصة وإننا قد شهدنا وتابعنا آراءً كثيرة لدعاة وأدعياء الثقافة من النوع الذي قادنا أو كان سيقودنا إلى كوارث إجتماعية أو سياسية أو حتى بيئية. فهل يستحق هؤلاء أن نطلق عليهم هذا الوصف: هل أن المثقف هو عنصر بانٍ أم هدام ؟
بل إن الأدهى من هذا وذاك يتمثل في إعتقاد البعض أن الثقافة هي صفة عائلية يكتسبها الفرد لمجرد إنتمائه إلى عائلة إشتهرت بالثقافة أو بالعلم، وبذلك نقع في خطأ فادح يصب في عد صفة المثقف "مكافأة" وراثية نطلقها على من نشاء عبر الفضائيات والمقابلات الصحفية على نحو إعتباطي. وقد دهشت قبل أيام من ملاحظة هذا النوع من السلوك عبر شاشة إحدى الفضائيات، إذ تعمدت مقدمة إحدى البرامج إلى توصيف "قارئة فنجان" بالمثقفة الثاقبة، ولست أدري ما مدى درجة تعمق قارئة الفنجان أو قارئة الكف بتاريخ الثقافة والأفكار. قد يقودنا هذا إلى خطأ مفهومي آخر يقول أن الثقافة هي "معلومات" أو كم كبير من المعلومات التي يختزنها الفرد في ذاكرته. هناك شيء من الصحة في هذا الرأي لأن المرء لا يمكن أن يطور جدلاً ثقافياً دون التمكن من كم كاف من المعارف والمعلومات التي تؤهله لأنشطة تبادل الراي وللأنشطة الفكرية المجردة الأخرى، كالمقارنات والمقاربات. بيد أن هذا بمجمله لا يعني أن المعلومات والمعارف تكفي تأهيلاً للمثقف، خاصة مع وجود ذلك الصنف من البشر المفتون بجمع المعلومات وبحفظها ومذاكرتها من الكتب كي يتأهل للمشاركة في "مسابقات" المعلومات من نوع "بنك المعلومات": كثيرون هم هؤلاء الذين فازوا بمثل هذه المسابقات بسبب ما إختزنته ذاكرتهم من معلومات، بيد أنهم لم يشتهروا بتأليف كتاب واحد أو بإسهامة ثقافية كبيرة واحدة. لذا لا يمكن أن يكون الكم المعلوماتي هو شرط المثقف، بالرغم من أنه واحد فقط من الشروط المسبقة لهذه الصفة. لذا يصف الغربيون هذا النوع من المدمنين على القراءة بأنهم bookish ، بإعتبار قراءاتهم الواسعة والمكثفة وعدم قدرتهم على الإسهام في إغناء الحياة.
لقد جرب المفكرون الكبار حظوظهم في تعريف المثقف وتوصيفه بالطريقة التي تقربه من المعنى الدقيق للثقافة. وقد كان أفضل من كتب في هذا الموضوع هو المفكر الإنكليزي "ماثيو آرنولد" Arnold الذي عد المثقفين "نخبة أقلية" في بريطانيا عصره، ملاحظاً أنهم زبدة المجتمع The Cream أو The Elite من الأقلية المتبقية من تتالي العصور The remnant few الذين إستجمعوا تراث الماضي وتفاعلوا مع معطيات الحاضر ليتمكنوا من "اللعب الحر" بالأفكار وبانتاجها والترويج لها. لقد عد آرنولد هؤلاء "أمل الحضارة" أو الإنسانية، المنقذين الذين يتسامون فوق الولاءات الطبقية والفئوية وفوق الرغبات والنزوات الإنسانية البدائية المحدودة، لقيادة المجتمع نحو الخلاص مما يحيق به من مخاطر الفوضى. لذا كان حريا بنا ونحن نناقش الثقافة العربية أن نقرأ كتاب آرنولد الفذ (الثقافة والفوضى) Culture and Anarchy الذي ينبغي أن يزيل الكثير من الغيوم عن أعيننا ونحن نعاين ثقافتنا العربية الإسلامية اليوم بشيء من الأمل.
 Posted by Picasa