٣٠‏/٠٥‏/٢٠٠٦

الذكرى الثالثة والأربعين لرحيل شاعر تركيا
ناظم حكمت بشَّر بالحياة ودافع عن الحرية
غزاي درع الطائي
العيش جميل يا صاحبي
(إذا لم أحترق أنا
ولم تحترق أنت
ولم نحترق نحن
فمن ينير الدرب أمام الآخرين
) ..
كلماتك هذه، يا ناظم حكمت، شقَّت طريقها إلى قلوب الملايين من البشر في مختلف بقاع العالم كما يشقُّ البرق السحاب، ولا غرابة في ذلك، فالشعر العظيم له من الجاذبية ما يجعله قادرا على لمِّ شمل البشرية حول أهداف الحرية والحب والسلام، والكلمة الطيبة والصادقة والفاعلة قادرة على جمع الخيِّرين حولها، في كل زمان وفي كل مكان .
كان عليك أن تختار ما بين أن تكون كنارا يردِّد الكلمات التي يريد منه الآخرون ترديدها، أو أن تكون بلبلا، واخترت أن تكون بلبلا لكن دون قفص، ولذلك كان عليك أن تعاني الملاحقة والتهمة والاعتقال والسجن والنفي والغربة، وأكبر نفي لك كان نفي قبرك، الذي ما زال هناك في مقبرة فوفوديفيتشيه في موسكو، بعد أن رفضت السلطات التركية أن تُدفن في أرض بلدك بالرغم من أن وصيتك كانت تنص على ذلك، فمتى تعرف الأرض التركية أن لها قبرا في موسكو عليها استرجاعه واحتضانه ؟ .
كنت يا ناظم حكمت غريب الدار، وما زلت غريب القبر، وفي الدنيا من الغرائب ما يستغربها الأموات لكن لا يستغربها الأحياء، وهذه غرابة في الغرابة .
لم تطعن أصدقاءك من الخلف، هذا ما قلته، وكنت تنال خبزك بعرق جبينك، وهذا ما أكَّدته، وكنت صادقا في ما قلته، وهذا ما استنتجناه، وفي الوقت الذي كانت فيه السلطات التركية تلاحقك وتضيِّق عليك مجال القول والنشر، كانت دواوينك الشعرية تجد طريقها السري إلى المنازل التركية منزلا بعد منزل لتتداولها الأيدي والقلوب بحب وتقدير، وأنت قلت عن نفسك بطريقة سريالية أخّــاذة (كتبت من الأشعار ما يوازي سنة كاملة من الأمطار)، وقلت والمرارة تملأ فمك (طُبعت كتبي بأربع وثلاثين لغة، ولكنني ممنوع في تركيا .. محرَّم في اللغة الأم) ، وقال عنك الشاعر التركي المعروف (اورهان لي) معلِّقا على غزارة إنتاجك الأدبي على الرغم من الاضطراب الذي كان يحيط بك والرياح التي كانت تعصف بك من كل اتجاه (ناظم حكمت : آلة طابعة !)، وقيل عنــك (ناظم حكمت ثالث اثنين : دانتي وشكسبير) ومن قال عنك هذا القول كان منصفا حقا، ولعله قلَّل بقوله هذا من الظلم الذي لحق بك دون وجه حق .
أحببت الحياة، وكنت تردِّد : (العيش جميل يا صاحبي)، وبعد ذلك ليس من الغريب أن يكون أحد عناوين رواياتك (ما أحلى العيش)، أما الموت فلم يشغلك ولم يأت على خاطرك، وأنت تعلم أنَّ ..
(الموتى لا يشغلون أكثر من سنة
ناسَ القرن العشرين)،
كنت تنظر باستنكار إلى ما يحصل للإنسان على يد أخيه الإنسان، فتصيح :
(الأرض نحاس
السماء نحاس
هيا اصدحوا بأغنية شاربي الشمس
هيا فلنصدح معا ..لنصدح)،
وحين سئلت عن جذورك، قلت : (إن جذوري تضرب عميقا في تراب وطني)، وحين سئلت عن أجمل ما سمعته من أصوات، قلت : (إن أجمل ما سمعته من أصوات / صوت طفل يسأل عن النجوم / وهو ينام على ركبتي / في ليلة صيف)، وقلت عن قوَّتك : (قوَّتي في هذه الدنيا الواسعة / ناجمة عن كوني لست وحيدا / فقلبي يخفق مع أبعد نجم في السماء) .
أما الوطن، فهو شيب في الشَّعر وخطوط من الهموم تعلو الجبين :
(يا وطني يا وطني
اهترأت قبعتي التي اشتريتها من دكاكينك
وتقطَّع حذائي الذي حمل تراب شوارعك،
آخر قميص اشتريته من تركيا
صار مقطَّع الأوصال منذ زمن،
يا وطني لم يبق لديَّ منك
سوى سوط الشيب في شَعري،
وما عندي منك غير خطوط من الهموم
تعلو جبهتي
يا وطني يا وطني) .
الميلاد والموت
وُلد الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت في 7 شباط 1902م، في ضاحية من ضواحي اسطنبول اسمها (سلانيك)، ولم يعد إلى مسقط رأسه أبدا (لأنه لا يحب العودات) كما يقول عن نفسه، كان من عائلة ارستقراطية ثرية ومثقفة، فجـدُّه (ناظم باشا) كان يكتب القصائد الصوفية والدينية باللغة التركية العثمانية، التي كانت الكلمات العربية والفارسية فيها تصل إلى 75% منها، وكان أبوه (حكمت باشا) مديرا عاما للمطبوعات، كما كان قنصلا في هامبورغ بألمانيا، ومديرا في الخارجية التركية، وواحدا من أبرز قياديي حزب الاتحاد والترقي، أما أمه فكانت رسامة، وكانت شغوفة بالشعر والأدب، كما كانت تجيد الفرنسية بطلاقة وذات اطلاع واسع بالثقافة الفرنسية وتحب قراءة أشعار لامارتين، وقد تعلَّم ناظم حكمت الفرنسية من أمه .
كتب ناظم حكمت قصيدته الأولى عندما كان عمره (13) عاما، وكان عنوانـها (حريق)، وقد كتبها بعدما رأى بأم عينيه حريقا شبَّ في المنزل المقابل لمنزل عائلته وحوَّله من منزل جميل وعامر إلى رماد متطاير، فتملَّكه الفزع، وكانت تلك القصيدة، وفي الرابعة عشرة من عمره كتب قصيدته الثانية إثر موت خاله في إحدى معارك الحرب العالمية الأولى .
ومع احتلال الحلفاء مدينة اسطنبول، توالت قصائد ناظم حكمت ضد الاحتلال، وأخذ ينشر قصائده في كبريات الصحف التركية، وفي عام 1920م عَبَر إلى الأناضول واشترك في القتال الدائر هناك، معلنا انتماءه إلــى (جبهة النضال القومي في الأناضول) التي كان يقودها (أتاتورك)، ويُروى أن (أتاتورك) استمع في تلك الفترة إلى قصيدة كتبها ناظم حكمت وسجَّلها بصوته على اسطوانة، وعبَّر عن إعجابه بمضمون تلك القصيدة التي كانت تحمل عنوان (الصفصاف الباكي) وبيَّن أن من شانها إثارة الحماسة في نفوس المقاتلين .
بعدها سافر ناظم حكمت إلى موسكو لغرض الدراسة الجامعية، وهناك درس الاجتماع والاقتصاد خلال السنوات الممتدة ما بين 1921م و1924م، وحين عاد من موسكو، عمل في الصحافة، وشارك في تحرير العديد من الصحف والمجلات مثل (المصور، المطرقة والمنجل، الضياء، والوجود)، وأخذ ينشر قصائده الجديدة في مجلة (التنوير)، وأصدر العديد من الدواوين الشعرية والمسرحيات، وقد كانت لقصائده التي نشرها خلال الأعوام التي تلت عودته من موسكو أصداء واسعة في جميع الأوساط، وإضافة إلى عمله في الصحافة عمل في المطابع، وفي الاستوديوهات .. في مجال ترجمة الأفلام السينمائية، وحين كان يقوم بترجمة فيلم عن احتلال الحبشة، أضاف من عنده على الترجمة (الفاشية تسير في شوارع اسطنبول)، وقام بتغيير بعض مضامين العبارات التي ترجمها، منها ما جاء على لسان القـــائد (هانيبال) وهو يخطب في جنوده ليذكِّرهم بفضل الحضارة الرومانية على الحضارة الإفريقية، فجعله يقول (أيها الجنود الرومان، إنكم في إفريقيا لتمتصوا دماء المغلوبين والضعفاء، فامضوا إلى القتل والسلب وانتهاك الأعراض)، وفي عام 1928م تم اعتقاله ولم يُطلق سراحه إلا في عام 1935م، وفي عام 1938م مُنح جائزة السلم العالمي، وفي ذات العام حُكم عليه مرة أخرى بالسجن لمدة (28) عاما، قضى منها ما يقرب من (13) عاما في سجون تركيا المختلة، وكانت التهمة الموجهة إليه هي تحريض جنود البحرية التركية على التمرد عن طريق قصائده التي وجدوها معهم، وخاصة ملحمـــة (الشيخ بدرالدين) التي نُشرت عام 1936م، وهي عن فلاح تركي ثائر على الحكم العثماني في القرن التاسع عشر، إضافة إلى عدم رضا السلطات التركية عن قيامه بفضح الفاشية التي كان خطرها يتصاعد، الأمر الذي أحقد الرجعية التركية عليه، ولم يخرج من السجن إلا في عام 1950م، وما كان ذلك الخروج ليتم لولا الحملة الدفاعية الكبرى التي قام بها أدباء ومفكرون ومثقفون أتراك وعالميون، عبر العالم، من أجل إطلاق سراحه، ومن الذين شاركوا في تلك الحملة : برترند راسل، جان بول سارتر، بابلو بيكاسو، بابلو نيرودا، لويس أراغون، وغيرهم، وكانت الحملة مشفوعة بإضراب ناظم حكمت عن الطعام وهو تحت ظروف صحية صعبة، ونشير هنا إلى أن الصحافة التركية ومعها الصحافة العالمية راحتا تضغطان بإلحاح من أجل تحقيق إطلاق سراحه، واستمر الضغط إلى أن أُجبرت الحكومة التركية على إصدار العفو العام عن المحكومين السياسيين ومنهم ناظم حكمت .
وبعد إطلاق سراحه، لم يمكث ناظم حكمت طويلا في بلاده، بسبب المضايقات التي راح يتعرض إليها على يد السلطات، ففر عام 1951م على متن قارب مع صديق له إلى رومانيا فموسكو، وأدى ذلك إلى صدور أمر بنزع المواطنة التركية عنه بالاستناد إلى تهمة الخيانة التي وُجِّهت إليه إثر فراره، وأمضى حكمت في موسكو وفي عدد من دول أوربا الشرقية بقية حياته .
ولقد ظل ناظم حكمت خلال السنوات الممتدة ما بين خروجه من السجن عام 1950م ووفاته في 3 حزيران 1963م، حاملا قضية وطنه وهموم الإنسانية في قلبه وضميره، ومواصلا مسيرة عطائه الشعري والمسرحي على ذات الطريق الذي عرفه العالم كله به .
ومن الجدير بالذكر أن ناظم حكمت زار القاهرة عام 1962م بدعوة من اتحاد كتاب آسيا وإفريقيا في مؤتمره الثاني، وطلب في تلك الزيارة مشاهدة مدينة بورسعيد التي صمدت إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 1956م وردَّت المعتدين على أعقابهم، وكتب هناك قصيدة عن بورسعيد باعتبارها رمزا لمقاومة الغزاة، كان بطلها عامل مصري نحيل وصغير اسمه (منصور) .
الإبداع الأدبي لناظم حكمت
يُعدُّ ناظم حكمت من أعظم الشعراء الأتراك، ومن أبرز شعراء العالم في القرن العشرين، واسمه يُذكر إلى جانب الشعراء العمالقة من أمثال : بابلو نيرودا وغارسيا لوركا ولويس أراغون ومايكوفسكي وغيرهم، وهو إضافة إلى كونه شاعرا : كان كاتبا مسرحيا وروائيا وقاصا وكاتب مقالات ومترجما ورساما، وكان يستحق جائزة نوبل للآداب بكل جدارة لكنه رحل دون أن ينالها .
له أكثر من (15) ديوانا شعريا، وقد صدرت أعماله الشعرية الكاملة في بلغاريا في (8) مجلدات، وله ملاحم شعرية عديدة منها ( الشيخ بدرالدين) و(تارنتا بابو)، وله (15) مسرحية منها : الجمجمة، يوسف وأخوته، الشهرة، أمام الموقد، المحطة، سيف ديمقليس، جوهر القضية، رجل غريب الأطوار، أنا إنسان، وله أيضا ثلاث روايات منها (ما أحلى العيش)، و(4) كتب تضمنت مقالات ودراسات في الأدب والفن والفكر والسياسة، ومجموعة قصص قصيرة للأطفال والفتيان .وقام ناظم حكمت بترجمة العديد من الأفلام السينمائية عن اللغتين الفرنسية والروسية، كما ترجم الجزء الأول من رواية (الحرب والسلام) لتولستوي، وكتب السيناريو للعديد من الأفلام السينمائية .
وقد احتفلت اليونسكو في عام 2002م في الذكرى المئوية لميلاده، وأقيمت ندوات كثيرة في بلدان عديدة عن ناظم حكمت في تلك المناسبة .
 Posted by Picasa
قراءة في قصة أحماض الخوف لجليل القيسي
توظيف الخيال للتعبير عن الواقع
تحسين كرمياني


بات النص الأدبي يشكل هوية سرّية للكاتب،كونه يتوارى في تضاعيفه أو يتخذ من الشخصيات أقنعة لتمرير أو لتحرير ما يؤرقه من هموم أو طروحات فكريه،وليس من السهولة بمكان الوصول إلى الغايات والمداليل ما لم يتم احتواء النص عبر الحفر فيه من عدة جوانب،والكل يدرك أن النص مهما كانت إجناسيته ـ شعراً أم نثراً ـ هو نزيف ذاكرة اكتوت بنيران معرفة صادمة تتقاطع مع ما يجري على أرض الواقع والنص ـ هو افراز لجراحات تولدها التوترات الحياتية والأزمات النفسية،هذه الجوانب لم تهملها التحليلات النقدية النفسية،كون الظروف المحيطة بالكاتب هي الحاضنة لإفرازات العقل، لابد للكاتب من أرضية تحمل بذور أفكاره وتخصبها قبل دفعها إلى سطح الواقع ومهما حاول للنأي من واقعيته تراه يغور فيها ويضيف إليها ،أن دليل الولوج إلى أي نص إبداعي يقترح استحضار جملة أمور،بيئة الكاتب..زمن كتابة النص ..توجهاته الفكرية..أسوق هذه السطور قبل قراءة قصة(أحماض الخوف)للكاتب القصصي والمسرحي البارع(جليل القيسي )لما طوت من نهج مشفّر خلاف ما عودنا عليه في قصصه المنتجة خلال السنوات الأخيرة، كان يسرج عربة خياله ويمخر عباب المتاهات بحثاً عن أسماء سكنت ذات يوم في ذاكرته من خلال موسوعية قراءاته،جرّاء حرصه وانتمائه النبيل لهذين الجنسين الأثيرين وخبرته الثرّة وثقافته الموسوعية وأسفاره ومغامراته وعدم التنازل عن منهجيته التناظرية واللجوء إلى الخيال للتعبير عن الواقع،فهو يستدرج تلك الأسماء التي دفعت بذاكرته إلى إقامة جحيم أسئلة ما يزال يبحث عن أجوبتها عبر محاولاته التجريبية،ليقيم معها علاقات جدلية لا تخلو من مبارزة معرفية لدفع الجنسين على مياه هادئة صوب ما يراه محطة إبداع.
في هذه القصة نجد القاص يمرر نداءً مشفراً ورغم فنيّتها المتعالية عن الكثير من قصصه،جاءت كرسالة محسوسة تنزف بمعاني وتجليات ذاتية تبتغي لفت انتباه الزملاء،زملاءه .

مشارف الحياة
تبدأ القصة(قبل أن يهبط الظلام بدقائق )وهي إشارة تعني الكثير فالوقوف على مشارف الظلام يقابله وقوف الكاتب على مشارف الحياة ،خصوصاً وهو يتذمر من عزلته ومتاعبه الصحية ونسيانه من قبل رفاقه كما يصرح في كل محفل (هيفاء تنتظر الحبيب،سماء ترسل وابل المطر،مشاجرة ما بين رجل مهلهل الثياب وشاب،قطتان تتغزلان،الرجل يقتل الشاب،تستجيب هيفاء لطرقات الباب بلهفة،الرجل يداهمها،يقتلها،ترعد السماء،تموء القطط،طرقات تتواصل على الباب)يتبادل القاص الدور مع شخصية(هيفاء)كون المرأة أكثر فاعلية وحساسية بسبب تكوينها الفيزيولوجي،وهي أكثر ديناميكية لتوظيف الجسد لصالح التعبير،أختار(هيفاء)لتكون لسان حاله وحمّلها همومه وأفكاره وأرادها وسيلة اتصال مع من يعنيهم،ثمة إشارة تحمل دلالة(ألقت نظرة هادئة حزينة إلى السماء)هي نظرات الوداع لمن يحتضر وهي نظرات ألم لزمن يغادر،زمن تجلت فيه حياة حافلة بالمجد والرفقة، تقول(هيفاء):(بمجرد أن أسمع صوته أغفر له هجرانه )يمنح الكاتب فرصة المغفرة رغم دنو الظلام،وهي كناية عن الموت ، في وقت(أصبحت المدينة في قبضة الظلام)وتردد(هيفاء)للاستعانة بالهاتف هو تردد الكاتب وتمسكه الأخلاقي وعدم اللجوء إلى بث ما يسكنه من جراء التهميش والنسيان علناً.

اختيار النص
يختار النص الأدبي لتمرير رغبته،طالما القاص لديه جواز مرور لنزف حياته من خلال شخصيات مؤهلة أن تكون البديلة ومستعدة أن تذهب إلى الجحيم من أجل الكاتب،فهو يرغب أو يحدوه الأمل في عودة الأدباء لمعاودة الاتصال به وتسليط الضوء على ما أنجزه(قبل أن يهبط..)ملك الموت،ومثلما يتوارى القاص خلف(هيفاء)نجده يصرّح بذلك(غير أنها بكبرياء أنثى مجروحة المشاعر تصورت أن مبادرتها هذه تعني ضرباً من الاستسلام )وهي إشارة لما ذهبنا إليه بخصوص رفضه المكاشفة العلنية بما يسكنه من رغبة ملحة،ولكن من المعلوم أن المرأة أسرع نفاداً للصبر،وهل يعني أن القاص الذي تماسك وحافظ على هاجسه..؟؟بدأ صبره يتهشم..!!أن تردد(هيفاء) هو تردد القاص ويمكننا الاستدلال بما تقوله (كيف أفهم أعماق هذا الأديب الغامضة)يمنح القاص الشخصية المحتملة فرصا استقلالية للتعبير عن نفسها إذا أرادت،من خلال الجملة أعلاه،تعلمنا من خلال قصص الكاتب أنه ينشطر إلى شخصيتين،شخصية يستحضرها من الماضي ويتلبسها أمام شخصيته الواقعية،أحياناً ينشطر إلى شخصيتين سواء متناقضتين أم متناغمتين شخصية أنثوية وأخرى ذكورية،كذلك يفعل في(أحماض الخوف )حين يكون هو الحبيب القادم وهو(هيفاء)المكتوية بنيران الانتظار، والحبيب الذي يعنيه،صفوة زملائه في التخصص المهني،يبحث عنهم (جليل القيسي)ويراهم كما تصرح به(هيفاء)بغموض أعماقهم كون زمنه السابق تجلى بصور حياتية ووشائج باتت مفقودة في زمن صار في قبضة الشجارات العلنية والموت السهل وبمساندة مطر لا يستحي من محو اثر الجريمة،في القصة تتفاعل الدراما وفق إيقاع موسيقي وتنسجم مع التوتر المتنامي لـ(هيفاء)وهي رغبات ما قبل الموت،كون حلاوة الحياة لا تكتشف إلاّ أوان الضيق والأزمات الحادة،نكتشف جملة شهوات تتعاضد لرسم الفضاء القصصي الملغوم ـ شهوة امرأة تريد الاتصال بالحبيب،شهوة رجل يبغي القتل،شهوة سماء تريد تفريغ (مائها) لإخصاب الأرض،شهوة قطط تريد دحر البرد المتدفق في عروقها،شهوة ليل يزحف لقهر النهار.

نزعة الاتصال
ووراء هذه الشهوات لابد من شهوة مقصودة ،هي شهوة الكاتب والتي دفنها داخل النص لاعتبارات فنية،وترد جملة(لم يقبل الحب كل هذا الذل)ما الذي يعنيه الكاتب بـ(الذل)وهل الإهمال والإغفال في اعتباراته المهنية ككاتب له زملاء يساوي( الذل )فمحكومية العزلة آيلة للاحتضار واحتدام الرغبات دفعت إلى رغبة الاتصال عبر الهاتف قبل الأحجام عن ردة الفعل السريعة،وما مراقبة (هيفاء)للشجار و إلتماعات نصل المدية إلاّ مراقبة القاص لما يجري من تدهور في العلاقات وتهميش لمن نذر نفسه ووهب عصارة حياته لصناعة الفرح للآخرين،وغالباً ما يلتجأ القاص للمفارقات كي يحافظ على التوتر الفني ولهفة قارئه،وهذه المفارقات هي جماليات قصص الكاتب عبر مسيرته الحافلة بالإبداع ،ابتداءً بـ(صهيل المارة حول العالم )مروراً بـ(زليخا البعد يقترب)و(في زورق واحد)وليس آخرها(مملكة الانعكاسات الضوئية)وفحوى معظم حوارياته ومسرحياته( هيفاء) تهرع استجابة لنقرات على الباب وكلها لهفة أن الحبيب قد وصل اخيرا،والقاص يدرك استحالة تحقيق رغبته وهو يائس من احتمال عودته إلى ذاكرة الزملاء،لذلك يستعين بالمفارقة ويجعل(هيفاء)تصطدم بـ(الرجل) المهلهل الثياب القاتل،وهو انسجام إيقاعي ما بين الظلام الذي أرخى سدوله والموت الذي اغتصب جسد الشاب وانتهاء وقود شهوة (هيفاء)المتمثلة كما أشرنا(محكومية العزلة) للقاص وانتهاء السماء من شهوتها ،هذه التراجيديات صنعت ما يبرر النص وتحويله إلى نص إخباري يشبه إلى حدٍ ما مدوّنة قصدية تنذر بكارثية المستقبل والأسباب كما أشار إليها حسياً لا صراحة في(أحماض الخوف)ومن المعلوم أن ملك الموت يستلم الأمانة برفق وتأن لاعتبارات غيبية،نجد القاص يرسم المشهد التمهيدي للموت أيضاً(هيفاء)تسبح في واديٍ والرجل يبغي استكمال مشروعه التدميري،ويبقى الســـــؤال هل هذا الفاصل يتكافأ مع حوار الموت مع الجسد،تسـقط (هيفاء)في فلك الموت وبنفس آلة القتل التي فتكت بالشاب الذي يساوي براعم الحياة الجديدة والزمن الجديد الذي يبغي إزاحة أغلال الماضي ونجد انتصار الماضي يتواصل على كل ما هو قادم طالما هناك فتور وإهمال وتغافل من لدن الناس تجاه بعضهم بعضا وكان القاص ممن مسه الحيف رغم استعداده المتواصل لإعطاء المغفرة لمن يأتي إليه ولو بعد حين،وموت(هيفاء)موت الرغبة،والتخلص من(هيفاء)من قبل القاتل،هو التخلص من شاهد عيان والذي يساوي القتل المتعمد لإبداع المبدعين وهي طريقة متفشية تتناصر ـ ربما بوعي أو بلا وعي ـ أقلام لإهمال نتاج كاتب ما كي يطويه النسيان،نجد الفواصل المتلاحقة عند المشهد الختامي للقصة هي قيامة جنائزية ـ البرق والرعد ـ مواء القطط ـ رنين الجرس ـ هيفاء..هيفاء.. ـ أليست هذه تشبه حفلات التأبين وراء المبدعين بعد نسيــــــانهم في الحياة ..؟ وهل بــــات التأبين أشبه برمي جمرات السخرية على الجسد ، لقد ظل المبدع(جليل القيسي)أميناً أبياً لمحبوبته(القصة القصيرة)لا مكترثاً بالمجاملات وظل يشق متون الورق كي يوصل(صهيله.. )إلى العالم في زمن بات الإبـــداع سلعة يتلاعب بها كل من هــــب ودب،وما(أحماض الخوف)إلاّ واحدة من القصص التي تؤكد حضور القاص في قلب المشهد الحياتي رغم ما يجري من تهميش وإلغاء للمبدعين،هكذا قرأت القصة وهكذا شعرت بالشفرات السرية استنادا لما رصدته من معاناة الكاتب وعساني لم أحد عن رؤية الآخرين..!!

**)أحماض الخوف ) قصة ـ جليل القيسي ـ الأديب / العدد (2 ) كانون الأول ـ 2003 .
 Posted by Picasa

رياح التغيير
معطيات الواقع السياسي الإقليمي والدولي تشير بأنه لابد للعقل السياسي أن يمتلك زمام المبادرة في احتواء الإشكاليات التي تطفو علي السطح ، من خلال رؤية وبصيرة ثاقبة في تحديد سلم الأولويات التي تتعاطي من خلالها الأطراف الأخري المناهج الإستراتيجية وذلك في رسم الأسبقيات والضرورات التي تشكل حيزا فاعلا لحماية مصالحها المتعددة. لذا فان فن تعاطي الأزمات . يتطلب علما راقيا من الاستنتاجات المنطقية التي تبتعد في أحيان كثيرة من مصطلح الفعل ورد الفعل في استيعاب خطورة الموقف التي تسعي الأطراف الأخري بغية تأجيج جملة من العوامل المتداخلة في أبعادها المرسومة . والتي تؤثر في المسارات العامة التي تنتهجها القيادات السياسية . وهي ترسي عوامل المعرفة والاستغلال الأمثل للتكنولوجيا الحديثة ، بغية توفير حصانة ذاتية للدولة والمجتمع. وذلك من خلال إرساء عوامل التوازن الإقليمي المشروع بين كل الأطراف بعيداً عن سياسة الاحتواء وفرض الوصايا علي الآخرين . لذا فان الملف الإيراني لا يشكل خطرا حقيقيا للآخرين إلا بمديات تدركها الأطراف الأخري . بان إيران تجاوزت الخطوط الحمـــر في امتلاكها لمشروع " الطاقة النووية " وهذه الظاهرة ربما تشكل حالة من الضبابية في عدم فرز حقائق الواقع الحقيقي الذي تعيشه الشعوب وهي تبحث مجدداً عن آليات متقدمة في سلم العلم المعرفي المتعدد الأوجه. وإزاء ذلك ... لابد للقيادة الإيرانية وهي صاحبة حنكة ودراية وخبرة في فن قيادة السلطة إن لا تنساق كثيراً وراء التهديدات الأمريكية لان هذه الأساليب في معاييرها الحقيقية جزء من الحرب النفسية. وأمريكا وخلال تاريخها الحديث تبحث عن مصالحها دون الأخذ بالحسبان الضرورات الأخري. وطالما هناك رؤية متزنة تستوعب مديات وخطورة الموقف والتحسب إليه جيداً . والتعامل مع العالم بروح تمتلك الشفافية والدبلوماسية الهادئة التي تشكل جوهرا أساسا في علاقة إيران بالمجتمع الدولي . وإتباع لغة حوار هادئة مع دول الخليج العربي التي تشكل اغلبها امتدادا جغرافيا لإيران. من خلال خطاب شفاف يوحي بان هنالك ضمانات تاريخية تحكمها عوامل وثوابت الحقوق الأساسية للشعوب. من خلال المواثيق الدولية في حل الإشكاليات بين الدول علي أساس احترام الخصوصية والحقوق السيادية لكل الأطراف. الجانب الآخر: إذا كان المجتمع الدولي يسعي إلي جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل لابد من إعادة ترتيب الكثير من الأوراق التي تساعد في رؤية مستقبل امن لكل الشعوب بعيداً عن احتواء الإرادات. والوصايا علي الآخرين.
عبد الجليل تركي الشاطي - بغداد
 Posted by Picasa

نجـــــــــــــمــــــــــــــــــة
محمد علوان جبر
في الزقاق المقفر ، سار الثلاثة يتقدمهم الرجل البدين المتكور في رداء رصاصي احكمه علي جسده ليتقي برد الصباح ، كانت المرأة تمسك بيد ابنها ، والرجل يراقب حركة ابنته وحفيده الذي كان يتعثر كثيرا في سيره ..." - حالما نهضْت اتجهتْ نحو فراشي .. صاحت حينما تعثرت في قائمة السرير الخشبي الذي كنت انام فيه وكدت اسقط .. تسميني ياولدي ..واحيانا تسميني حبيبي . لمْ اكنْ اعرف ماذا تعني بهاتين الكلمتين او حتي الكلمات التي اسمعها من جدي وهو يصرخ بها انه لايعرف كيف يتكلم .. هناك الكثير من الفرق بينه وبين امي .. ولااعرف لماذا هما متعلقان ببعضهما بهذا الشكل اذ لايفترقان..كنت كلما انهض احس بالبرد الشديد فتقترب مني وحينما اشير الي فمي تصيح .. ايها الشره وهي تدس قرص الخبز في يدي..و تسحبني بخطوات سريعة في محاولة للحاق بجدي الذي يسبقنا دائما في الخروج .. "2يسمونني نجمة ، لم أكن نجمة أبداً ، قبل وفاة امي ايقنت ان ثمة امورا كثيرة تحدث حولي .. تجري بايقاعات لم اكن اعرف مداها ابدا .. بدأت بالحرب وانتهت بالحرب ايضا ، كان زواجي يشبه الصدمة اوصدفة اسرع من نيزك ، اخترق ايامي برهة واختفي ، اذ ودعته وانا مذهولة من الغارات التي كانت تشنها الطائرات علي المدينة ، حمل حقيبته وهو يرتدي الخاكي ، ولم اعد اتذكر من شكله سوي وداعه لي امام الباب الذي اوصدته عنوة بعد ان ابتلعه صمت الشارع فجرا .3لااعلم لماذا تتبعني كظلي هي وابنها الذي يتعثر كثيرا .. تتبعني .. تتبعني .. انها دائما خلفي ، لاتترك لي ايما فرصة حتي لكي اتكلم .. انها تقدم الطعام لي وتبعد كل الاشياء الحادة التي تسبب لي الرعشة في اصابعي وفي اعلي بطني .. انها تمنعني من الكلام او الصراخ .. لكني انقاد اليها n لااعلم لماذا - اتذكر انها ابنتي نجمة .. ولااعلم اين ذهب زوجها حميد .. - العريف حميد -.. اين ذهب وتركها تلاحقني .. هي وابنها المتعثر في سيره والذي يخرج لي لسانه .. انه يضحك مني ..حتي وانا اشد ازرار حذائي .. وكلما تطلعت في وجهه ، كان يغمض عينا ويفتح اخري وهو يشير بأصبعه القذر نحو وجهي .. لااعلم ربما يريد ان يقول ، ان لي عينا واحدة ، انه يسخر مني ، دائما احسه يسخر مني ، سواء بتعمده السير البطيء لكي اضطر الي انتظارهما هو وامه..او بتعمده التحديق المباشر في وجهي ..- أين حميـــــد .... ؟اسأل نجمة لمرات ، واضطر ازاء صمتها ولامبالاتها الي ان اصرخ .. واعيد السؤال لمرات واراها تكتفي بالبكاء .. انها تبكي .. واحسها تسخر مني مثل ابنها الهمجي ..- عودي الي البيت اذن .. الان !لكنها تتجاهل دعواتي .. وصراخي ، وتحث خطاها تتبعني هي وابنها اينما اذهب .. اراقبها وعيني السليمة تذرف ماء .. وان شيئا ما يعتصر صدري الذي يعلو ويهبط .. وتبدأ نجمة نواحها اذ تقترب مني وتمسح وجهي بمنديل ازرق وتمرراصابعها في شعري وصدرها يعلو ويهبط .. انها تفعل مثلي .. تربت علي كتفي كما تربت علي كتف ابنها - المنغولي - هكذا يسميه كل من يشاهده ولااعرف مامعني هذه الكلمة .. كان حينما يري نجمة تقترب مني يتنحي جانبا ويشيرباصبعه الضخم الي اتجاهات في الافق لااعرف لماذا يفعل ذلك . ونمضي انا ونجمه وهي تجر الولد نحو طرقات تؤدي الي طرق اخري .. ندور في دوامات المدينة ، ونعود ليلا الي البيت .. حيث اهمد في فراشي ويبدأ الولد اللعين بالشخير وفمه مفتوح .4هل نواصل العواء ياابي في شوارع نعرفها وتعرفنا ، طرق نمر بها كل يوم .. ونبدأ بالدوران فيها .. نطرق اسفلتها .. وانت تشق الافق بعين واحدة ، وعين اخري اطفأتها الحرب .. تسير بسرعة ولاتترك لنا فرصة التقاط انفاسنا انا والصبي .. تتقطع انفاسنا ونحن نجري خلفك .. وتبدأ بالدوران في تلك الدوائر المغلقة علي فهمي وفهمك .. اذ تصب اللعنات منهمكا تماما في الهذيان المتواصل .. وتلقي في اوج دورانك المعهود اسئلتك الغريبة .. تسألني من اكون .. اذ تنساني وتسأل عن حميد .. اه كم اتمني ان يعود حميد .. لااعلم هل يحق لي ان اتساءل عن عودة حميد الذي قيل لي انه مات في الجبهة .. هكذا بهذا المعني المغلق .. مات حميد في الجبهة ولم يتسني لنا ان نوصل جثته اليكم .. هكذا بهذه البساطة .. اتمني .. وهذا شيء لايعني احدا سواي والصبي الذي ولد بعد رحيل حميد بشهرين .. اتمني ان يجيبك احد ما علي اسئلتك ياابي فانا لااملك اجابات .. علك تقتنع بشيء ..اجابات لاسئلة عني وعن عينك التي فقدتها في الحرب الاولي .. او الوسطي او الاخيرة .. لم اعد اعرف لكنك تسأل دائما لماذا انا بعين واحدة .. واتجاهل صراخك الذي يعلو ويجذب المارة حولنا .. من يعرفك يكتفي بالالتفات الي مصدر الصراخ ويمضي دون اهتمام . اما من لايعرفك فيبقي متسمرا في مكان قريب .. وربما تتشكل حلقة منهم حولنا وانت تواصل الصراخ دون ان تلتفت الي توسلاتي او امتعاضي .. تواصل القاء الكلمات التي يضحك لها الجميع الا انا .. تقول انك لم تنهل من المدينة شيئا ما وانك لم تزل كما انت منذ دخولك اليها اول مرة تمتصك كالاسفنجة تمتص وتمتص دون ان تعرف موقع خطاك ، وحينما لاتجد من يصغي اليك تعود الي طوافك وانت تصرخ .. كان للبارود روائح اقسي من صباحات المدن التي لاتتوقف عن الانهماك باشيائها .. وكان لسع النار يشبه موجة تتصاعد علي كتف موجة .. كان هذا منذ زمن طويل .. لااعلم لماذا انسي ، وقد تتساقط الصور كالمطر الذي اسمعه ينقر سقف المنزل حينما ندخله انا وانت والصبي .. الصبي يفزع من صوت المطر وانا احاول ان اميز بين مايحدث الان ونحن وسط الغرفة المعتمة متقابلين لايكلم احدنا الاخر ، والريح تصفر وهي تضرب السقف الذي يئن .. وكذلك الصبي يئن .. وانت تئن .. حتي نهمد بالتدريج .5لم يبق لي الا نجمة و ( سلام ) ابنها المنغولي .. لااعلم من اسماه .. ربما حميد الذي اختفي منذ زمن طويل .. كان يلبي كل حاجاتها اما اليوم فلا احد سواي - لقد كبر سلام ولم يزل كما ولد .. لايتكلم .. بل يطلق اصواتا يعلن فيها عن حاجاته .. ونجمة المسكينة التي لاتستطيع التخلي عنه وعني .. انها تتبعني اينما اذهب في رحلتي الشاقة بحثا عن شيء ما ضاعت ملامحه في ثنايا تلك الاشياء التي سقطت مع السقوط الاول للضمادات والاجسام الغريبة من رأسي - هأ .. هأ .. .. اجسام غريبة تغزو رأسي وتحاصر مخيلتي وذاكرتي التي تشظت وبات حضورها باهتا احيانا .. بل دائما .. تقول لي نجمة اني في لحظة انسي اسمها واسألها عمن يكون هذا الطفل الكبير الذي لايفارقها .. وتقول اني حالما يغادرني الوهن الذي سببته الاجسام الغريبة اخرج كالمجنون ابحث عن شخص ما لااعرف اسمه .. واسير صامتا وعيناي تجوبان في الزوايا ، والشوارع التي اظنها تؤدي اليه .. اصرخ ( لاتفزع .. لاتهرب .. سأجدك اذا ماامتدت تلك الومضات في رأسي الذي تسكنه - اجسام غريبة - اقصد اذا ماتركت تلك الاجسام فسحة أي فسحة مهما كان حجمها او شكلها علي سطح جرح بحجم الكف في اعلي رأسي .. سأجدك حتي وانا علي هذه الحال .. اقصد .. بعيني الواحدة ) اعلم انها خلفي اينما اذهب تراقب هشاشة وجودي .6-هوبي عبد الرزاق .. معوق حرب من الدرجة الاولي - جثة - تسير .. قدم واحدة وعكازة واحدة .. عين واحدة وزجاجة تشبه العين محشورة في تجويف والام مبرحة من فتحة بحجم الكف في قرن رأسه الايمن .. بمعني رأس بلا فروة .. شعر مزروع علي عجينة تنخسف وتعتدل مع تنفسه .. صعودا او هبوطا .. سيره متعرج .. يعلن حضوره اليومي في الشوارع من خلال عكازة - هذا ماكتبه شخص ما في بطاقة تعريف تخص ابي، بعد خروجه من المستشفي الذي رقد فيه قرابة العام. وفي ورقة اخري عثرت عليها في جيبه . -اصابة في الرأس نتيجة جرح غائر في الجمجمة مما ادي الي دخول اجسام غريبة في رأسه ولااحد يستطيع ان يتكهن بما حدث في عقله من تلف او موت . ربما يصاب بنوبات تؤدي به الي الجنون المطبق .. اوالانفصال التام عما حوله لكنه سرعان مايعاود حالته الطبيعية حالما يصاب بالارهاق الكامل- . وفي احيان كثيرة كنت اتذكر اهتمام حميد به بعد ان اصيب كنت وامي اكثر الاخرين قلقا عليه لاننا نعلم انه في مكان تحول الي مرجل .. وكانت الانباء تؤكد سخونة المكان اعلمنا حميد ان ابي بعيد عن الخطر .. لكن الاشارات كانت تصلنا قوية يؤكدها المذياع وهو يبث المارشات العسكرية وكذلك مرور التوابيت وطوابيرالسيارات التي تشق الافق محملة بالجنود وهم يلوحون للمارة المتحلقين حول مداخل ومخارج المدينة .. ولم يكن وجود حميد الا منقذا لنا وحينما طال غياب ابي كنت ابثه قلقي لكنه كان يربت علي كتفي " - نامي صغيرتي سيصل ابوك .. سيظهر .. " وكان ظهوره اكثر صدماتنا سخونة حينما وصلنا الخبر انه يرقد في مستشفي .7انظر الي هؤلاء الناس المتحلقين حولنا .. انهم ينظرون الينا بجمود يشبه وجه جدي حينما يصمت .. احيانا تسميه امي - بابا - واحيانا تصرخ في وجهه - اسكت هوبي - حينما يسمع كلمة - هوبي - يصمت ، ويبقي جامدا كوجوه من يتحلقون حولنا ، ولكنه يدير وجهه كلما التقت عيناه بعيني ، ويبقي يردد كلمات اسمعها بوضوح مثل " معتوه ابن معتوه" انه لايبالي باحد ، ويأخذ اقراص الخبز من يد امي ويلتهمها .. حينما يتحرك فكه وهو يزدرد الطعام تتحرك كل اجزاء رأسه بدءاً من الحفرة في فروة شعره وصولا الي العين الزجاجية التي تبقي جامدة تحدق في مكان واحد .. بحركة رتيبة صعودا وهبوطا .. وتجلس امي في ركن قرب الجدار الذي يفصل المقهي حيث يبقي هو يحوم حولها ..وهي تراقبه ويقول انه لم يعد يفهم لماذا تمنعه من الجلوس في المقهي او تتركه علي الاقل يتسكع امام واجهات المتاجر الكبيرة التي تبيع كل شيء . يحدق في الزجاج يبحث عن انعكاس صورته فيها ..واقترب منه وافعل مثله .. اطالع صورتي واراقبه اراه يمسد شعره باصابعه ويبتسم وافعل مثله وامد يدي لاتأكد من وجود الزجاج امامي واخرج لساني له ولامي ولبقية من ضوء اراه يطل من بعيد . لكني كلما اتطلع في وجه جدي وهو يطالع اشياء كثيرة .. ربما هو الوحيد الذي يراها .. اراه منهمكا بالحديث معها لم اكن اعرف هل كان يحدثني ام يحدث امي او يحدث الضوء الذي نراه يلوح من بعيد لكن في اعماق السطح اللامرئي للزجاج، وكلما حاولت ان اعرف اعجز عن ذلك فانهمك في محاولة لمعرفة السبب الذي يجعله يهتز بعنف .. اهتزازات تشبه الارتعاشات التي تنتابني حينما اتطلع في اعماق الليل نحو السقف وهو يئن من السقوط القوي للمطر ، اذ ابقي ارتعش طوال الليل كما يفعل هو كلما يقف امام الزجاج حيث اري مياه كثيره تنحدر من عينه الوحيدة
 Posted by Picasa

٢٦‏/٠٥‏/٢٠٠٦

نظرية العقل العربي
الرؤية والمنهج في سلم الحضارات
علاء هاشم مناف


ونبدا بالحدود المعرفية التي تكونت وتتكون عبر مسار تاريخي يولد مرتسما كبيرا من التفاصيل التي تعلقت بالسسيولوجيا - والسيكولوجيا برغم ان الحضارات قد تلابست بحقيقة التاريخ الانساني على هذه الارض وهو التلابس كذلك مع تفاصيل الذاكرة البشرية وخواصها الانسانية وجدليتها الفلسفية والعلوم المعرفية التي انتجتها هذه الحضارات المتعاقبة . هذا الموضوع تحيل عليه اسبقية غير محددة وذلك بسبب سعة فضاءات العلائق الانسانية المرتبطة بحركة الواقع الاجتماعي والتاريخي ، والتاريخ هو رمز لحقيقة النشوء الاولى قبل اكتشاف المعارف وقبل نشوء الحضارات والعلوم .. هي عبارة عن كائنات عضوية حية يمثل ما لها وما عليها من الكائنات العضوية الحية من خواص قانونية للميلاد - والنمو - والغلال والغناء . فالحضارات لها مراحل متعاقبة من الطفولة - والشباب والنضج - والشيخوخة .. فهي تبدا كما يقول (اشلنجر) في لحظة الاستيقاظ الروحي ثم مرحلة الاستقلال السيكولوجي البدائي لتجد فيها الطفولة الانسانية عندما تولد في (زمكان محددين) والحضارة تضمحل وتموت حينما تتسامى فيها الروح والمذهب - والدين . هذا هو الوجود الباطني ، يعمل جاهدا على اخضاع القوى الخارجية في الطبيعة المختلفة والمبهمة وعلى الغرائز الداخلية الدفينة وذات النشوء المعقد ، هذه الاشكاليات هي المحور الرئيسي في عملية الاخضاع لما تنطوي عليه من حنق وصعوبة . ونحن في هذا الموضوع نناقش الاشكال الحضاري بشكل عام وعلاقة هذا الاشكال بالثقافة الغربية وانعكاس هذا على منظومة العقل العربي واستشفاف هذا الموضوع بقياساته المنطقية وما يمثل استنطاقا للمسار العيني من ايصال للتقاليد الحضارية ومن الوعي النقدي لاشكاليات الحاضر العيني للثقافة واستنباطا للمصدر الانساني ، وتطورا يفضي الى خواص من التمييز التاريخي وما يكتنفه من غموض مقارنة بخواص التاريخ وقوانينه المنطقية الحاضرة وبالمصير التاريخي الكوني الذي يجمع البشرية كما هو الحال عند (الرواقيين) . وبالمقابل حين نضع ايدينا لنتمثل مرتكزات الوعي الحضاري العربي الاسلامي الذي يقوم على اركان ثلاثة:
1- الشرق القديم وادواته في الصعود الحضاري وما يتصل بالنبوة السامية .
2- الشريعة الموسوية اضافة الى الثنائيات والتصورات الاخروية في حضارة فارس والصورة التي رسمتها الحضارة البابلية للكون وما انتجته الحضارة اليونانية والرومانية ، ضمن مرتكزات الصورة الهيلينية ومبدأ الحياة اليومية في العلم والدين .
3- اضافة الى ما شكلته المسيحية من خواص في العقائد والتصوف .
اما ما يتعلق بالحضارة الغربية فقد قامت على اربعة مرتكزات وكما يأتي :
1- النبوة السامية .
2- الحضارة اليونانية .
3- النزعة الامبراطورية القديمة .
4- العصور الوسطى القديمة الغربية - والجرمانية بشكل خاص .
هناك مكتسبات حققتها صيرورة التاريخ باهتمام مرحلي فاعل بالاثر الذي خلقه (الزمكان) بفعل انساني كبير .. فهو يوضح وبجلاء أثر الانسان في التاريخ وبالتالي الفراغ منه ، ولو انه ابتدأ من اعماقه وبين كنه هذه الاشياء ومسبباتها ، فما زالت القوانين التاريخية تعكس كل تلك الوحدات الصورية وهي تتمحور حول ذاتها برغم تلابسها بالمعنى منذ البداية ، والحضارة اليونانية على سبيل المثال دخلت حيز المعارف كونها حضارة حيّة وكونها اشتبكت في زمكانات مختلفة ومعقدة قبل بداية نشوء المجتمع اليوناني كون الحلقات الرئيسية للتاريخ متنافرة ، وكون التحولات في المناخات والاستثمار للثروات والتغيرات التي حصلت للعصور السالفة وكان من نتائجها هو التبدل الذي حصل للانسان وللتاريخ وللزمكان الفاعل فيه ، والانسان برز من هذه المعمعة لعنصر فاعل في التاريخ (مؤثر ومتأثر فيه) وعلى كل المستويات والاشياء ويكون مصيره وضعيا كمصير كل الكائنات واشيائها . والتاريخ جزء من تركيبة الانسان الرئيسية لانه يمتلك ادوات وتقنيات عالية لم تتح لغيره من الكائنات لانه يحمل ادوات الصيرورة الجدلية - والمنهجية العقلية في التعامل مع حلقات التاريخ التي تؤدي بالضرورة الى حلقات التأثير والتأثر بالمنهجيات العقلية واشكالياتها الفنية . ولنبدأ الآن من الحلقات الاولية من تاريخ هذا الاشكال العقلي .

ما قبل تاريخ المجتمع اليوناني
والانسان يستطيع ان يستنبط ادوات وعيه بفاعلية وقوانين انتاجية اكثر تطورا عن طريق شبكة من المؤسسات التي يقيمها انطلاقا من ممارسات فعلية في تكوين من التواصلات الفكرية واللّغوية والمنطقية لينطلق منها ظاهريا - وباطنيا فهو يخلق ضغطا متواصلا يعي به (الزمكان العقلي) والذي يتمم ويؤطر أكثر جذريات التاريخ ووضعيات الانسنة التي تتعالق بذات المظهر الاجتماعي والذي يظهر دائما محوطا بهالة الحياة البشرية لتركز اللّغة ويركز الاقتصاد بكينونة اجتماعية ناضجة . فالتاريخ الذي مر قبل تكوين الحلقات الاجتماعية الاولى للمجتمع اليوناني كان قد مر باربع مراحل تطورية رسمت له مستواه العميق بتأريخية مادية وعينية ضاغطة وضعته امام منعطفات جذرية ميزته بذاته في سعيه لزمان راجح الى امام . فالمرحلة الاولى كانت قد تحددت بالعصر الحجري القديم والذي امتد من (نحو 10.000 ق.م الى 5000 ق.م) اما المرحلة الثانية فسميت بالعصر الحجري الحديث والذي امتد من (5000 الى 3000 ق.م) اما المرحلة الثالثة فسميت بالعصر البرونزي والذي امتد من (3000 الى 1200 ق.م) اما المرحلة الرابعة فهي مرحلة العصر الحديدي الاول الذي امتد من (1200 الى 700 ق.م) وان الاساس في ذلك المنهج التاريخي هو توضيح لتاريخية هذه المراحل التي تمثلت هذا التمييز بين هذه الزمكانات على اساس المعاداة التي سادت ، بمعنى آخر قد تمثلت خواص قوى الانتاج وهذا اعتراف ضمني لمؤرخي هذه المرحلة التاريخية ، بانه لا يوجد ثمة اساس موضوعي يوضح قانون الصيرورات هذا ليثبت هذه العصور ويفسر قوانينها العامة بثوابت توضح ما هو موضوعي في عصور ما قبل تكوين المجتمع اليوناني الا هذه الاسس .

في التجريبية التاريخية القديمة
وفي هذه التجريبية يتطلب تعيين الحدود من خلال الحدث التاريخي والتعاقبية التجريبية ومميزات هذه العصور السالفة ، في هذه العصور ومنها العصر الحجري القديم يميز بمرحلة اعداد الغذاء من الطبيعة بشكل مباشر في صيد الحيوانات والاعادة وقد تميز الغذاء في هذه المرحلة بصيد الحيوانات المتوحشة وبشكل جماعي من البشر وفي هذه المرحلة تم اكتشاف النار ، وكان تطورا كبيرا للانسان كذلك طبخ الطعام واكتشاف المعادن المختلفة وباكتشاف سبيكة البرونز وهي من : معدني النحاس والقصدير نسبة معينة ، وبدون اكتشاف البرونز من المستحيل ان ينشا العصر البرونزي اما بالنسبة الى التشكيلات الاجتماعية : الرجال يخرجون للصيد وقد لا يعودون اما عمل النسوة فيجمعن الفاكهة والحبوب والبذور ، وتشكل المراة العنصر الرئيسي في هذه التشكيلات البشرية من العشيرة وهي الضمان الاكيد لاستمرار التشكيلات البشرية ولذا كان الاطفال ينتسبون الى الام لا الى الاب فكان للإنجاز المثيولوجي في هذه المرحلة له ايقاع خاص به وكان الرقص واداء الطقوس والاغاني والموسيقى التي تصاحب فعاليات الطقوس في حفل الصيد والموت والتعميد . كما شهدت هذه المراحل استخدام الاعشاب للعلاج الطبي وفي الجراحة كما ولدت في هذه المرحلة (اللّغة المنطوقة) ويجمع العلماء بان عمليات الصيد الجماعية تستحيل بدون ايماءة أو كلمة .. والكلام قد بدأ بالحديث النسبي واذ توضح الدراسات (البيولوجية) ان جهاز التنسيق بين اليد والعين يشغل جزءا كبيرا من المخ وهو لا يزيد على ان يكون امتدادا طبيعيا لهذا الموروث من القردة اما جهاز التنسيق من الاذن واللسان فهو صغير وحديث نسبيا كما يرى (برنار) والذي يؤكد بدوره انه يستحيل ظهوره ولم يتثبت وضعه تراثيا الاّ بعد ظهور المجتمع . وكان من مميزات (العصر الحجري الحديث) تطور الظاهرة الاجتماعية في نشاة القرية - الانتقال الى حقل الزراعة بوصفها ظاهرة اساسية والقيام بتدجين الحيوانات واستخدام المحراث في العمليات الزراعية وبناء الصوامع لتخزين الحبوب وصناعة الفخار وبناء البيوت من مادة الطين اضافة الى ظهور صناعة الغزل والنسيج وصناعة الخبز اما الانجاز الفكري فكان الاهتمام بالتقويم السنوي ومن هنا بدأ الاهتمام بعلم الفلك وبمعرفة طول الليل والنهار ، وشهد العصر الحجري الحديث بداية ظهور النماذج والاشكال الهندسية وللمرة الاولى وما تحقق من انجازات في العصر البرونزي ونتيجة للتطور الذي حصل في الحقل الزراعي والميادين الاخرى كان المجتمع منقسم الى طبقتين :
1- طبقة سائدة.
2- وطبقة تعيش على فائض الانتاج .
كل هذه التفاصيل استدعت ظهور فكرة قيام الدولة لتنظيم الحياة الاقتصادية والاجتماعية كذلك نشوء المدينة على اثر الانقسام الاجتماعي القائم على اساس توفر فائض الانتاج . فالمدينة كانت هي نتاج التطور الحضاري وليست سببا لها اضافة الى اكتشاف المعادن ، ومن هنا جاء التعريف بالعصر البرونزي لاكتشاف معدنين (النحاس والقصدير) كما قلنا سلفا وخروجهما في درجة حرارة معينة وبنسبة 12% للقصدير يؤدي الى معدن جديد وهو البرونز ويكون اصلب من النحاس واجمل من الناحية الشكلية وتكون درجة انصهاره اقل ، وفي هذا العصر اخترعت الكتابة وتم اكتشاف التقويم الشمسي بعد ان كان الاعتماد سابقا على التقويم القمري ، وفي هذا العصر احترف الطب كمهنة على يد الكهنة وفي هذا العصر نصل الى مسألتين خطيرتين هما الانقسام الطبقي وللمرة الاولى يبرز في التاريخ البشري مما ادى الى تفاصيل اجتماعية وسياسية وثقافية خطيرة جدا وكان في مقدمة ذلك نشوء الدولة وللمرة الاولى سمي هذا العصر بعصر الثروة الصناعية . والوصول الى معنى اجتماعي جديد يتخذ شيئا في عملية التفكير وبالتالي فهو معطي للمبادلة ، ومما يؤخذ وما منظور له من الحاجة الملّحة ، وكان العصر الحديدي يعد تحولا كبيرا في التطور الاجتماعي والصناعة والمنفعة الاجتماعية العمومية وتحقق هذا بفعل الصناعة الحربية وصناعة الزجاج وعلى نطاق واسع وكان لاستخدام الزجاج في العصر البرونزي في مصر اضافة الى صناعة الادوية والاصباغ ، وكان نتيجة لهذا التطور الاقتصادي والاجتماعي والعلمي تحرك الفعل الاجتماعي حيث اتخذ معنى نظريا في شروطه ومكوناته الفكرية والعقلية وقد شهد العصر البرونزي ثورات اجتماعية ذات طابع ديني خاصة في مصر - وبابل مثل : (ثورة اخناتون) ولكن هذه الثورات الاجتماعية لم تحقق اية نتائج تذكر وعلى صعيد الانجاز الفكري في العصر الحديدي الاول كان لابد ان تبدأ نشأة الحروف الابجدية في صور مبسطة اضافة الى نشوء منظومة المبادلات النقدية المعدنية كظاهرة تبادلية في منظومة التجارة بين المدن الى نشأة الادب والفلسفة كتعبير عن حالة النشوء الطبقي المحددة ، وجاء نشوء العلوم الفعلية كتطور وتعبير عن حالة انفراج الوعي الاجتماعي ، وكان لعلوم الرياضيات والفلك - والطب أثر كبير، وقد نمت وتطورت على يد طبقات سائدة في الحياة الاجتماعية والتي تفرغت للبحث والدراسة : وعصر الحديد الاول جاء كونه حلقة الارتباط العلمي والثقافي بين حضارات (اودية الانهار البارزة - النيل والفرات - والسند) والتي قامت وازدهرت في العصر الحجري الحديث وبين تلك الحضارة اليونانية وخطاباتها الكلاسيكية والتي مثلت الازدهار الكبير في عصرها الحديدي وهي الحلقة الكبيرة التي شكلت المنعطف الخطير في الحضارات والتي تجاهلها الكثير من الباحثين على اساس ان الفكر والعلم اليونانين كانا كينونة ذاتية لا تربطها أية صلة بما قبلها ، وهذا تجن على الفكر والحضارة اليونانية وحضارة عصر الحديد ، هي التي اعقبت حضارات الوديان (مصر - بابل - والهند) وهي التي سميت باسم حضارة عصر البرونز وشهدت مرحلة مختلفة من الحضارة اليونانية وهي مرحلة المدن الحرة والسيطرة المقدونية والتي بدات بالاسكندر واجتثت آخر ما تبقى لهم بعدها تمت السيطرة على مصر من قبل الرومانيين اثر موت كليوباترا في العام 43 ق.م وهي المرحلة التي سميت بالعصر الهيليني لقد كان للاسكندر المقدوني اثر كبير في تغيير الحياة السياسية في العالم ففي السنوات العشر الاولى قام بفتح آسيا الصغرى - وسوريا - ومصر - وبابل - وفارس - وسمر قند ، وبعد معارك دامية قام الاسكندر بتدمير الامبراطورية الفارسية والتي كانت اعظم امبراطورية عرفها العالم القديم . ومن الاسباب الرئيسية التي دعت الاسكندر لهذه الغزوات والفتوحات هي تدهور الاوضاع الاقتصادية والنزعات الكبيرة في المدن الكبرى والصراعات الطبيعية العنيفة داخل هذه المدن اضافة الى التراث العسكري وطبيعة التفوق القتالي للمقدونيين ، هو الذي ساعدهم في حسم المعارك والاسكندر ادرك هذا النوع من الوعي العسكري ، ان القوات التي جاء بها وفتحت هذه البلدان الواسعة هي اعجز من ان تقوم بالمحافظة عليها تحت تاثير تلك القوة فحاول القيام بتاسيس مدن يونانية يقيم فيها نوعا من المؤسسات اليونانية ذات البناء الفكري والسياسي مع هامش من الحكم الذاتي والقيام بعملية التوافق مع التشكيلات البشرية المغلوبة في المدن البعيدة وهذا ما شجع الاسكندر على عملية التزاوج والتوافق بين اليونانيين والتشكيلات المحلية من الناس والتوافق والمزج بين اليونانيين والبرابرة ، غير ان هذه العملية كانت محفوفة بالمخاطر وادت الى موت الاسكندر وعند وفاة الاسكندر كان احد نجليه صغيرا والثاني لم يولد بعد برغم ان لكل منهما انصاره لكن الحروب الاهلية التي حدثت بعد نهاية الاسكندر حدث توزيع للامبراطورية بين ثلاث عائلات من القواد التابعين له وان احدهم سيطر على الاجزاء من اوروبا والثاني سيطر على الاجزاء الافريقية والثالث سيطر على الاجزاء الآسيوية وكان الجزء الاوروبي من نصيب (انتجونس) والجزء الافريقي من نصيب (بطليموس) الذي جعل مدينة الاسكندرية في مصر عاصمة له اما (سيليس) الذي سيطر على آسيا بعد معارك عديدة ، فهو مشغول بمعاركه العسكرية مما شغله هذا الامر في اتخاذ عاصمة له بشكل ثابت وان تحولت انطاكية بعد ذلك عاصمة لاسرته . ويستشهد رسل بمقال مهم للاستاذ (تارن) Tarn عنوانه (المســـــــألة الاجتماعية في القرن الثالث ق.م.

التطور في مجال العلوم
لقد شغل التفكير العلمي للحضارة اليونانية وهو يمارس وجوده ليشغل في حقيقة الامر نحو تسع مئة عام لينقسم الى ثلاث مراحل ولكل مرحلة نحو ثلاثمئة عام . وكانت المرحلة الاولى اشد خصوبة واختلافـا واصالة في ظهور الوعي والافكار الثورية في ظل العلم وتمثل هذه المرحلة البطولية رغم كل الافكار النظرية لكنها لم تضع منهجا علميا التي ابتدأت بها المرحلة الثانية التي تلتها .
والمرحلة الاولى كانت قد بدأت نحو 600 ق.م الى موت ارسطو في العام 322 ق.م وحقيقة الامر ان هذا الحكم لم يكن نظاما فلسفيا ينطبق على كل هذه المرحلة بشكل دقيق والحقيقة ، ان هذه المرحلة الناضجة والعظيمة والتي شهدت نشأة وتطور المدرسة الايونية اما المرحلة التي تاثرت من 400 ق.م - 320 ق.م داخل المرحلة الاولى فقد سما (فانجتون) والذي انتهى بتأليف كتب الاسكندرية وهذه المرحلة بالذات هي مرحلة ازدهار التفكير الفلسفي والمنطقي لاشهر الفلاسفة اليونانيين (سقراط - وافلاطون - وارسطو) وتأتي المرحلة الثانية وهي المرحلة (الهيلينية) وكان الابتداء بها وهي تنتهي عندهم .. وهي بداية مرحلة الغزو الروماني للمشرق وهي بداية المسيحية وفي هذه المرحلة التاريخية تعد المرحلة الزمنية من 320 ق.م - 120 ق.م أكثرها اهمية ، فهي المرحلة التي تكونت فيها باشراف ورعاية (البطالسة) في مدينة الاسكندرية ورعايتهم لفروع العلم والمعرفة وفق اسسها المجالية هذه المرحلة هي التي انضجت وقدمت للانسانية العلوم الرياضية وقدمت للرياضيين الثلاثة العظام (اقليدس - وارشميدس - وأبولونيس) وقد قام اقليدس بتقنين الرياضات ووضعها في سلم معرفي وقدمها على هذا النسق الدقيق في كتابه الاصول ، هذا الكتاب المرجعي الذي مازال حتى يومنا هذا يدرس وقد ساهم (ارشميدس) اسهامات فعّالة وعلمية وعبقرية في الهندسة والرياضيات عموما كما قام بتقديم كتابه المرجعي المهم (بحث في توازن القوى) الذي كان ومازال نقطة علمية في دراسة الميكانيكا كما قام العالم الرياضي (ابولونيس) بتقديم ابحاثه في القطاعات المخروطية والتي استفاد منها (غاليلو - وكبلر - ونيوتن لاحقا) في القرن السابع عشر استفادة جمة في علمي الفلك والقذائف وقد عرفت هذه المرحلة من حضارة اليونان بمرحلة الكتاب المدرسي لكثرة ما تم تاليفه من كتب علمية وتدوين وتبويب ويمكننا ان نضع علامة فارقة وان نميز بين القرن الاول الذي امتد من العام (320 ق.م - 220 ق.م) والذي اختتم برحيل (ارشميدس) في مدينة سيراكوس بصقلية والذي كان في حقيقة الامر هو خاتمة للعمل العلمي الجبار اما القرن الذي تلاه (220 ق.م - 120 ق.م) والذي تم فيه بذل جهود كبيرة وعظيمة في التدوين والدراسة الدقيقة لما مضى من الخلق العلمي وكان لموت (ارشميدس) وابولونيوس هو نهاية مرحلة التجديد الفكري في مجال العلم والمعرفة اضافة الى احتلال الرومانيين (سيراكوس) كان بالغ الاثر حيث فقد اليونانيون الثقة بالنفس مما ادى الى اصابتهم بالشلل التام وبالمقابل كان الاحترام الكبير لما انتجه اسلافهم من العلوم والمعارف .

العلوم الفلسفية
بقيت العلوم الفلسفية حبيسة التسمية المرئية وان شروط الانتساب الى هذا المرفق او الى المعنى هو تحقيق اشياء واقعية وقدرة على تمثيله لا يزال يخضع الى هاجس التاريخ للاشياء . والعلوم الفلسفية اختصرت الاشياء والمسافات من اجل تحقيق نوع من التمازج والتزاوج في الاشياء المنظورة من الوعي اكثر من الرؤية البسيطة للكلمات . فتاريخ الفلسفة الطبيعي بقي تسمية مرئية ولكن الشروط الفكرية الدائمة هي التي فرضت منطقا جديدا لمعنى الوعي الفلسفي وشروطه وحقيقته وما يتعلق بقابلية التاسيس العلمي لهذه القاعدة التاسيسية للعلوم ، يقول الفارابي (ان اسم الفلسفة يوناني وهو دخيل على العربية وهو على مذهب لسانهم (فيلاسوفيا) ومعناه ايثار الحكمة وهو في لسانهم مركب من (فيلا وسوفيا) فيلوسوفوس ، فان هذا التعبير هو تغيير : وهو تغيير كثرت فيه الاشتقاقات عندهم ومعناه (المؤثر للحكمة) وابن سينا يشرح لنا شيئا لمعنى هذه الكلمة في سعتها ويقول الحكمة : هي استكمال النفس الانسانية ، بتصور الامور والتصديق بالحقائق النظرية والعملية على قدر الطاقة الانسانية : فالحكمة المتعلقة بالامور التي لنا ان نعملها وليس لنا ان نعمل بها تسمى (حكمة نظرية حكمة عملية) من جهة اخرى فان حقيقة الامر المعلوم من العلوم وما يتعلق بالزهو الذي سيطر على حقب طويلة في هذا الحقل بشكل خاص تبقى الرؤية في العلوم الفلسفية تتاسس على النظرة الشيئية في معناها العلمي الدقيق ، وان العصور الكلاسيكية كانت لا تنظر الى الامور الا وفق نظرة مستكينة وهي بالتأكيد أقل بالنسبة لعملية الترجيح للاشياء ، هذه النظرة القاصرة تتقلص عن قصد او بدون قصد في الحقول التجريبية الانسانية وعليه : فان العلوم الفلسفية كانت قد بدأت مع بداية نشوء وتكوين العالم وقد بالغ الاغريق واحيانا وكما يقول المؤرخون قد كذب الاغريق عندما قالوا انهم الفلاسفة الاوائل .. فالفلسفة كانت قد بدأت وتأسست في حقيقة الامر من (موسى وحضارتي مصر - وبابل) وان نظرياتهم قد اقتبسوها من هذه المصادر المهمة الثلاثة وليس الاغريق هم الفلاسفة وليس عصر الاغريق هو عصر الفلسفة انما هو العصر الهمجي وهذا الرأي يجمع عليه المؤرخون جميعهم ، فالفلسفة تحمل الاصل الالهي ، كانت قد انتقلت الى الانبياء من اليهود ثم الى البابليين والى المجوس والكلدانيين والى المصريين الاحباش - والهنود وحتى الى الجرمان ، بعدها استقبل الاغريق هذه المأثورات واخذت شروط الابتداء فيها حتى نمت عملية الملابسة لديهم وان اقصاء تفاعلاتها الى الكثير من الملل والنحل ثم انتهت من جهة اخرى الى الاكاديمية الجديدة وهي نهاية الفلسفة والى الافلاطونية المحدثة والتي عملت على افساد جوهر الفلسفة المسيحية ويعد تاريخ الفلسفة هو تاريخ معنى تحليل اقصى الاجزاء الكلية وتدرجها المتواصل للفعل البشري والبرهنة العملية على ذلك هو وجود الملل والنحل التي تأسست وفق التعارضات الوضعية المباشرة والتي قامت مقام المركز الاصلي وبديل الفكر الاغريقي بشكل عام( ) والفلسفة كانت قد تمركزت في خلق التصورات والصياغات في المعاني المجردة والمتعلقة بحقائق الحياة والتجاوز المستمر للميتافيزيقا وللفلسفة وظيفة وبنية فعلية وعلمية متحركة في ابتكار التصورات والصيرورات والمعاني المتعلقة بالمهمة الموكلة لها عبر تاريخ المعارف وكان المنافسون لها لم يحققوا تلك التصورات وفي تحقيق حتى المنافسة التأملية . والفلسفة : قطعت اشواطا دون توقف لاثبات صحة تلك التصورات والصيرورات التي جاءت بها ، والمعاني الجديدة والمجردة والشروط في تلك المعاني وضرورة امتلاك التصورات الحقيقية وهي الفكرة التي تمخضت عن نضج في تفاصيل واشكاليات التصور العلمي والمعرفي دون تحويل هذا المعرفي الى عملية قتل للفلسفة وكذلك المعاني المجردة هي جزء اساس وشيء متعالق مع تشكيل اللغة وكذلك المنهج الاسلوبي هو الخلق الجديد في حالة التغيير والتبدل في بوتقة اللغة كذلك الشخصيات في النصوص الروائية والمسرحية فهي تصورات لمعانٍ في زمكانات وهي بالتالي فضاءات كبيرة ترسم للحياة خيوطا بدل عمليات التقوقع . وعليه فان اللغة تصبح نظاما حيا في التجريبية الحسية للعلوم الفلسفية وملابساتها ومداخلاتها في الموضوعات المتعلقة بالجدة والتجريد والسيطرة على تقنيات الحدث الفلسفي بوصفه حدثا يعصف بمجموعة من الشروط السلبية التي أحدثت شرخا كبيرا في التجربة الحسية للفلسفة ، وقامت بتشويه الشبكات الرؤيوية التي وضحت الرغبة في الوصول الى منطق رؤيوي يساعد في استخدام مجسات الحس والاعتماد على التغيير الذي يتعالق بالقياس على مستوى التنظير الفلسفي ، وصار دور الفلسفة في شد الانطباعات والاندماج في حدود المنظور ، بامتداده الخاص لكي يشكل الجوهر في مفاصل الادلة الرؤيوية وحل مشكلة الانتقال الى الاختلاف العلمي واشكاليات الهوية الفلسفية وتماثلاتها في نسق الرغبات الملحة في ميدان المشكل المتعلق بثبات الاختلاف المتطور وهو يشهد استخدام آليات مركزة في تحديد طبيعة الموقف بالنسبة الى البنية الفلسفية واحكامها المباشرة بدل التقصي المعلن والمباشرة في تحديد منهجية في الرؤية التحليلية والكف عن التشابهات المنهجية في المعارف لانها تدخل الفزع والملل في النص الفلسفي .
 Posted by Picasa
أسطرة الغزو الثقافي
محمد الدعمي

على الرغم من أني واحد من الذين كتبوا بإنفعالية في موضوع "الغزو الثقافي"، يداً بيد مع عدد كبير من الكتّاب العرب الذين "إنتخوا" للتصدي لهذا "الغزو الخطير"، بيد أن السنين وتراكم الخبرة تكفل للمرء توسيع الآفاق وكشف الغطاء عن المبالغات والتسويقات، المدفوعة سياسياً، التي شابت طرائق تعاملنا مع هذا الموضوع (الذي أخذ يفقد بريقه) درجة تحويله إلى إستذكار ساذج لرواسب عصور الجاهلية حيث كان "الغزو" والغزو المقابل، الإنتقام والثأر، من قيم البداوة التي لم تتمكن النفس العربية من التخلص منها حتى بعد إنتقالها إلى الحواضر وإستعمالها للطائرات والسيارات والكومبيوترات ! إنه محك آخر لمصداقية تأشير ما يعانيه الكثيرون من إزدواج في الشخصية.
لابد أن يكون عنوان "الغزو الثقافي" قد طرأ في عقد الثمانينات من القرن الماضي كنوع من الفذلكة اللفظية ، المبتناة على ملاحظة من أطلقه لوجود تفاعل أو تلاقح بين الثقافات المختلفة لدى الأمم، وهي ثقافات تتراوح بين التفوق والتدني. ولكن، ضمن هذه الحدود، كان الموضوع مقبولاً، لولا أن لفظ "غزو" يستثير في النفس العربية عامة ذكريات تاريخية تتصل بالعصور المظلمة التي أشرنا إليها في أعلاه. اللفظ ينطوي، تلقائياً، على هالة معبأة بالأفكار والألفاظ الأخرى المثيرة للحساسية وللعدائية، وهي ألفاظ من نوع: هجوم، هدم وقتل، سبي النساء، ومصادرة الأموال، المنقولة في هذه الحالة. هذه الهالة من العناوين قد تمت إستثارتها وتأجيج العواطف حولها عبر ترويج فكرة الغزو الثقافي وتسويقها في الدوائر الثقافية والسياسية العربية، عبر أنواع وسائل الإعلام، الأمر الذي أحالها إلى موضوع فكري/سياسي مثير في آن واحد.
إن مجرد الحديث عن هذا العنوان الذي يستحث عصور الخوف من الآخر يمكن أن يقودنا إلى الإنغلاق وربما إلى التحجر، ذلك إن إستثارة "البداوة" في دواخل الإنسان، الذي قد يبدو متحضراً، تؤول به إلى الإنغلاق المفاجيء والمقاوم لكل ماهو جديد أو طاريء أو وارد من خلف الحدود. لذا وظف السياسيون المؤدلجون، الذين يرمون إلى إحتكار الجمهور لفكرهم فقط، "الغزو الثقافي" أداة لتكريس الإنغلاق والتقوقع من أجل توجيه الجمهور إلى فكرهم عبر الحفاظ على سكونية الجمهور ولجم تطلعاته، بينما حاول بعض "فرسان" الثقافة المسيسة تمجيد الموروث، بغض النظر عن إيجابياته وسلبياته، صفقة واحدة، لفرض نوع من الإقامة الجبرية على العقل في دواخله التي قد تكون فيها زوايا مظلمة أو خانقة. بل إن الأخطر من هذه الظواهر، يتمثل في ظاهرة العبث بأفكار الشبيبة والنشء من خلال تقديم صورة مفبركة لوجود "مؤامرة" مبيتة، دقيقة التخطيط، للحط من الثقافة المحلية على طريق خلق "فراغ ثقافي" قادر على إمتصاص الوافد، بغض النظر عن فوائده وسلبياته، عن طريق الإستبدال بثقافة أخرى.
لقد تطور الأمر لدى القاريء والمتابع السياسي في العالم العربي درجة أنه سيق إلى عالم خيالي مصطنع يصور العواصم الغربية وهي مشغولة في تطوير أجهزة خاصة، غاية في السرية، يشرف عليها خبراء من الراسخين في العلم والتآمر، من أجل وضع خطة لمحق الثقافة العربية، بأبعادها القومية والروحية والسياسية. إن الموضوع ليس بهذه الدرجة من السوء: فلا يوجد مخططون ولا خبراء غزو ثقافي همهم الوحيد إلحاق "الهزيمة" بالثقافة العربية (أو الهندية أو اليابانية)، بمحتواها الإسلامي والتراثي الثر. كما لا توجد دوائر متخصصة بهذا الغرض، بكل تأكيد، لأن الحديث عن الغزو الثقافي، في أصله وجوهره، هو حديث عن "التفاعل" أو "التلاقح" الثقافي بين ثقافات العالم التي كانت عبر التاريخ ثقافات متحركة على نحو دورات وذروات، تبرز هنا مرة وهناك في المرة الثانية، وهكذا. وللمرء أن يتأكد حد التيقن إن الذين تكلموا عن الغزو الثقافي، من الكتّاب العرب والمسلمين الجادين، لم يكونوا يريدون التقوقع وإثارة الحساسية المرضية من كل ما هو أجنبي أوغربي حد "الإنكماش" والتكلس. لقد أراد هؤلاء التصدي لموجة ثقافية طارئة، جرفت الغث والسمين مع سيلها، من أجل إتاحة الفرصة لثقافتنا كي تحافظ على الإيجابي والمفيد، وكي تستل من "الآخر" ما يمكن أن يدعمها ويكرسها ويقوي الإعتزاز بها.
لذا فإن "نظرية المؤامرة" المرتكنة إلى المتخيل من أجهزة وخبراء متآمرين على الثقافة القومية والروحية قد تمكنت، على نحو واع أو غير واع، من قيادتنا إلى نوع آخر من المؤامرات، وهي مؤامرة القبول المتعامي بالسكونية اللامجدية من خلال تقديس المحلي، حتى وإن كان سلبياً أو ضارا. وكانت النتائج مدعاة للأسف، إذ بقي العقل العربي الشاب، في أوسع مدياته الأفقية، حبيساً في سجن يعلمه ويلقنه عدداً كبيراً من الممارسات الخاطئة وطرائق التفكير التي لم تعد تصلح لعصر هو في جوهره "عصر حوارات": الشمال /الجنوب، الشرق/الغرب، الأغنياء/الفقراء، من بين تشعبات أخرى لجدل الحوار. وهكذا راح البعض من هؤلاء الشبان يتباهى بإنتخاب السلبي من التراث لممارسته على شاشات الفضائيات، بينما أخذ الإيجابي من تراثنا يتراجع لصالح إجترار الخلل والتماهي به.
لهذ السبب كان فرض الإقامة الجبرية على العقل العربي الشاب من أخطر أنواع المؤامرات (التي صنعناها بأنفسنا) والتي أدت إلى الإمتناع عن التفاعل والعزوف عن كل ما هو مفيد، خاصة إذا ما كان وافداً من الغرب (الذي صار مرادفاً لليهودية والصليبية، للإستحواذ والهيمنة). لذا يقرأ المتابعون اليوم حالات مؤسفة عن إحياء الولاءات المجهرية والطائفية والرجوعية بين العديد من الشباب الذين يتعمدون الظهور على الفضائيات وهم يلاعبون "المسبحة" باصابعهم دون توقف، كناية عن التمسك بالتراث والتصدي للطاريء من الغزاة الثقافيين. إذا كانت هذه هي النتيجة النهائية لعملية إطلاق وتسويق الخوف الهاجسي من الغزو الثقافي، فإنها تكون نهاية سلبية بالنسبة لنا فحسب.
إن الثقافات العالمية تمر بدورات تقدم وتراجع، كما هي عليه الحال مع ذبذبة المد والجزر، وقد أخذت ثقافتنا العربية/الإسلامية دورتها عبر ذروة العصر الوسيط. ولكن هذا لا ينبغي أن يعمينا عن حقيقة أن هذه الثقافة ينبغي أن لاتحفظ وتحنط دون تفاعل مع الثقافات الأخرى، ومن بينها الثقافات التي تحيا عصور الذروة الخاصة بها. بل أن التفاعل الحيوي مع الثقافات الحية والقادرة على التوليد، حتى وإن كانت متموضعة في أوربا أو في الصين، هو من الواجبات التي تضمن لثقافتنا البقاء والإستمرار على طريق الحفاظ على الموروث المفيد والتخلص من الموروث السالب بشكل إستلالي إنتقائي يضمن التواصل: فما قيمة الثقافة القومية إذا كانت ثقافة طللية لا تستحق سوى الحفظ على رفوف المتاحف ؟ إن الثقافة الحيوية لا تخشى "بعبع" الغزو، بل هي ثقافة متفتحة متفاعلة ترتهن بالتطورات والتنوعات القادمة إليها والمغادرة منها.
إن عملية "النفخ" في بالون الغزو الثقافي راحت تتجاوز حدودها نحو فرض التحجر والتصلب القائمين على الخوف الوسواسي من كل ماهو أجنبي xenophobia، الأمر الذي يفرغ ثقافتنا من قدراتها الحية على الأخذ والعطاء عن طريق الإعارة والإستعارة، الإبدال والإستبدال
 Posted by Picasa
وردة حمـراء واحدة
عمر الدليمي

ولو لمرةٍ واحدةٍ اشتري الورد من ناتاشا
ربما تحتاجينه يا صديقة ،
لاحلام ،
او بلاد ،
او لقبر لن يتسن لك زيارته ..
على ضفة (خريسان)2 أريد قبري ،
قرب ذلك الرصيف ، حيث ابتسم شاب لمطر وبساتين خلفنا
_ كنت التفت لنور مشاكس وعصافير تصلي ،
كنت التفت ولم استطع التقاط شمس
فكم كنت مرتبكاً بك ،
وجشعا ،
وانا احوزك لموتٍ مؤجل _
فاشــــــتري الورد من (ناتاشا )
ليس مهماً ان تقولي _ انه لحبيبي _
فلم يعد لي ما يخصني ،
فما بيني والصباح مسافات مفخخة
وما بيني وحريتي ملثم يقود قطيع ذئابٍ كاسرةٍ
فاشتري الورد .. ،
قليل من الوقت كل الذي تبقى من المواسم
لست مضطرة لاختلاق مناسبة ،
فأنا اتوزع على اوقاتك دمعة .. دمعة ،
واتقرب لذكرى البلاد طلقة .. طلقة .
لم يعد لي ما يخصني
الموت خمرة القاتل
والبلاد طاولة يحتسي عليها كاساً قانية
***********
قولي لناتاشا ،
لم يهدني أحد وروداً من قبل ،
وأهلي لا يزرعونها ،
لذلك لم نتعلم العطر بعد ..
ننام حيث تئن الارض من فرط انين آلاف الاعوام المظلومة ،
وعند الصبح نحصد دموعاً
نسكن حيث يُنبِتُ الدمُ ثكالى ،
وفي مناسباتنا غالباً ما نتهادى الصمت ،
لتسقط اشواك الشكوك في الطريق الى ذواتنا ،
ولذلك يتطلب الامر التكفير عن وجودنا ،
ولذلك ايضا اريد ان تشتري الورد من ناتاشا ،
فلربما كان هناك عيد !!
قولي لها اننا نتبادل زهور الدم في غياباتنا ،
قولي لها ان لا تبيع الورد كله ..
لتخبئ لنا وردة واحدة فقط ..
وردة حمراء واحدة ،
ثم مدي يدك للافقِ .. للافقِ تماماً ..
عند ذاك
ستضيئ وردة
حمراء على صدري



1 ناتاشا_ بائعة الورد في قصيدة الشاعرة كولاله نوري _ لمن سأهدي الورد يابائعة الورد .
خريسان _ نهر في مدينة الشاعر بعقوبة
 Posted by Picasa