١٨‏/٠٧‏/٢٠٠٥

وحيدة حسن


في لا وعي نخلة
د. وحيدة حسين



مختلط انت ،،وحبيبي وزجاج

من يدري بانني ساكون سواك

انهض من المؤاب كي
تلثم دموعي،،الأسماء الباردة

من يدري بانك ستروح،،لتترك لي جثتك في ثياب آب

من يدري انني ساكون سواك

وان الارصفةستسرق المعلم من اعشاب المائدة

وانني والشرطي والقدس ،،سنبايعها على الخلافة

من يدري بأن حمزة يسقط ،،

قبل ان يقتل الصراصير

التي تلوك كبد الصحيفة

من يدري بأن سيكارة الشوق ،، ستحرق ربا كان من خشب

من يقاضي تسارع اقلامي ،، وحبر قلبي ،،والتاريخ المومأ علي

من يشابه سؤالي ،، او يساوي حقيبتي ،، او يستعيدني للزنبق

بعدما نفضت جبينك عن دروسي

واين المسافة التي كانت من لؤلؤ ،، كي اتبع اليها لحيتك

واصحح الشمعة في الطريق الى توهمك

ميت انت ،،ومدسوس ونبي

بعدمانسيت ظلك في جيوب الشوارع

وانا التي ابحث عن القدس بين صبيتك،،

وهاهم يهود البارحة يسترخون في عينيك

من يشير علي بالضحك ،،وبالغباء

من يهلهل بوجه بغداد ،، ويهدي اليها معطفا او منديلا

من يمسح الغبار عن ذاكرتها كي تتهيأ للقمار

من يستدل على رصيفها بين اصابعي

اويقرأ في راحتيها عطشي ..

حتى يحترق الدخان في الساعة المتبقية من سكراتك

قبل ان تغمض عيني على جنودك المترددين

القلم كنت ،، وظلا يقايض البنفسج

وفي وضح الشرطي كانت النخلة بلا اجفان ،، وفي قلبها يتعبد يسوع

وفي وضح الاغراب ،،

كانت جيوبي تنبح بدنانيرك ،، وبالاموات ،، وبالرجاء

كلما ادنو من نومي ،، اجدك تستيقظ على صفحات الذكرى بضراوة

واجدك ولا اجدك ،،

تنتحر الوردات من على شرفة كانت بالامس تنتضرني معك

وكانت بالامس تشرق بالازدحام الذي سيصيبني فيك

قبل ان تتقيأ السطور حملها

قليل انت ،، ومدان وشهيق المدرسة

ويتساقط المعلم من اصابع الزيتون ،، وانا التي جئتك من قلب النخلة

كي التقط لك صورة في مراياي

لكن شيخوخة يديك كانت اكبر من جوازي

اسرعت الى بغداد ،، قبل ان يصرخ المنديل

وعدت الى بغداد ،، قبل المؤاب ، ولم اشم حناءها الذي راودتني فيه

عدت الى بغداد ،، كي اشك من جديد في صلواتي

وقبل ان تشهد القرى ميتتك

عدت كي انسى انهم يقتلونك هناك ،،

وكي لا اشنق البيوت التي توهم الرهان

وكي اغادرك ،، يابضعتي

ياباقة وعودي ،، حتى تضيع قرب النزيف

علي فرحان بقلم مشتاق عبد الهادي


إذا كان المسدس أول القتلى … فمن القاتل إذن…؟]

قراءة
مشتاق عبد الهادي
أن عنصر الإغراء ضرورة من ضرورات الكتابة الشعرية ، وهذا الإغراء يكمن في كل مفاصل ومقاطع القصيدة وفي مجموعة [المسدس اول القتلى] الشعرية ، الصادرة عن منشورات اتحاد الأدباء والكتاب /ديالى لعام 2002 ، للشاعر علي فرحان ، نجد ان عنصر الاغراء متوفر في كل أركان المجموعة بدءاً بلوحة الفوتوغراف التي صممها الاديب المبدع صباح الانباري مروراً بعنوان المجموعة الذي يسحبنا للانغماس بالتأويل العقلاني حتى يصل بنا الى التأويل الفوضوي ، ذلك التأويل الذي يجعل القاريء مشتركاً في كتابة النص ، وعبارة الفوضوي هذه لاتخص قاريء واحد فقط بل عدة قراءٍ تتباين ثقافاتهم واعمالهم وحتى تجاربهم من خلال تأويل المذكورين اعلاه تولد الفوضى اللذيذة التي تجعل كل قاريء يفهم ويؤول من النص ماتريد دواخله بمعزل عن ارهاصات الشاعر ، ففي قصيدة [نشيد السواد] ص 5-18 يروض الشاعر نمر القصيدة ليعترف : ((ان المسدس اول القتلى)) اذاً… هنالك تمنعٌ يتمثل بنمر القصيدة الذي يحاول الشاعر ترويضهُ ،ومع ذلك فان المنطق اللاشعري يقر بأن المسدس اداة بيد القاتل فكيف اذن قُتل…؟ واذا كان المسدس اول القتلى فمن القاتل اذن…؟ بل من سيكون اخر القتلى …؟ان الشاعر علي فرحان ومن خلال تضاد شعري بعث القلقلة باطباق اللغة الشعرية وجعلها اكثر وضوحاً ونضوجاً من خلال تفعيلة لحنٍ غافٍ تساقطت اعمدة الرموز فيها اقتنصها المسدس/ القتيل ،فيعلن الشاعر وصيته بالحنين وكذلك ((بالسفن التي تأتي وبالغرقى القدامى )) اذن … انا أُقرّ بأن المسدس اول القتلى لآنه ببساطة أداة مسيرة والشاعر حتماً سيكون اخر القتلى لانه كائن مخيرُ وخالدُ بفراشاته.

وفي قصيدة[ طحين العصافير ]ص 19-20 تتساقط من خلال اسقاطات متوالية كل الارائك وكل اماكن الاتكاء وتتلاشى ، وذلك لان الشاعر قد شيد من اللاشيء جدرانً للآمان ولكن هذا اللاشيء يُشهر الفراغ بوجه من يحاول دَقَّ مسمار الحقيقة في جدار اللاحقيقة ، أذ لاجدار يحتضن حقيقة الشاعر فيصرخ:((نَدقَّ مساميرنا في الفراغ ونبكي ، أيا وطني أين جدران أرواحنا …؟)) ومن وسط هذه العتمة الغبية ينبثق ضياء قد ينمو من خلال طحن الاحلام او الايام او الرسائل التي تُقمط((قصائد يافعة)) انها تضحيات تخص عنصر الشمول ، هدفها افتراض جسد /طفل ، يؤطر بجماله صورة الوطن او صور الاوطان ، فيكون هنالك مانستطيع ان ندق عليه مسامير همومنا.

وفي قصيدة [بين الناي والقطار قُتل المحارب]ص 21 –26 ، إدانة للحرب وحزن أيامها المتمثل بأنين الناي الذي يلجأ أليه الشاعر كلما لجيء المحارب للقتال ، اما القطار فهو امتداد حديدي غير عادي ، هو أجنحة موت سريع يأخذ مع الأيام ارواحاً والواحاً واحلاماً كان لها حق بالوجود ومعانقة النور ، أمام هذا الوضوح المقيد بالسلاسل ، ما كان أمام الشاعر الا ان يقول :

((سلاماً قطار الحروب السريعة ، أخذت من الروح أجراسها))

وفي قصيدة [فيروز]ص 27 – 28 حول الشاعر مطربة العرب الخرافية – فيروز – الى أسطورة تحاكي همومنا على لسان الله أثناء الصلاة من خلال ((كيفك أنت …؟)).

هذا السؤال الذي يتطلب الرد عليه ،دموعاً وقصائد ،وقنابل تبعثر الكلمات وتكسر قوائم العالم فيبقى ذلك العالم كسيحاً ومهاناً حتى يلمله ذلك السؤال /الاغنية .

وفي قصيدة [دمعة في الفاكس]ص 29 – 32 :نواحُ عبر الفاكس يرسله الشاعر مغلفاً بدمعة يعقوب ، نشيدٌ احتواه الرحيل ، وبالغربة صيّره قصائد ندم وبكاءٍ يسيل ((تسيل على كُمَّ حُزنك أعمارنا))

وفي قصيدة [احتضار الشاعر اللص ]ص 33 – 40 ، استعراض لقيامةِ منكوبٍ بطعنة ليل ، يبعثُ بعد الموت مع قيام الفجر ، اذن هنالك نبيُ يموت ، وهنالك افتراض يطرح فلسفة خاصة بمتوالية الموت ، هذا الموت المهدد دوماً بالقيامة ، وتلك القيامة مهددة ايضاً بالغربة الظلماء التي تجدد عملية الموت ((يا رجلا لا تجيد سوى الموت ))، ولكن قبيل الاحتضار هنالك دعُاءٌ او أُمنية تأخذ شكل الأنثى /البلاد((ليت الليل يبيض براحة كفي امرأة تعبق منها رائحة الوطن الازلي)) اذن المرأة في قصائد علي فرحان هي مسلة تاريخية تتغير أشكالها وصورها ، وتنعكس هذه التغيرات على العدسة /القصيدة ، الخاصة بالشاعر فقد اتخذت المرأة او ارتدت ثوب المواء في مرحلة ما ، فتخلفت قصائد الشاعر بالصهيل ، وتحلُّت المرأة في مرحلة بِحُلة المدينة، وبالمقابل تقمصت قصائد الشاعر شكل نهر اجتاح فخذي تلك المدينة ، وظلت هذه التقلبات والتطورات تتخذ مراحل تقابلها مراحل خاصة بالقصيدة حتى وصلت المرأة ذروتها لديه فصارت بلاد ((كنت قبيل الحرب شجيرة لوزة ، كنت اعد ثمارك ومفاتن وطني )) .

وفي قصيدة متفردة بموضوعتها وطريقة عرضها من خلال المحاكاة الميثولوجية الخاصة بالمدينة/التاريخ ،حول علي فرحان في قصيدة [ليل معطل ]ص 41 – 43 ميثولوجيا المدينة بكل ثمارها وسبائكها إلى امرأة تكالبت عليها الأجيال متمثلة بسنوات من عقود وقرون وأجيال يضلل أحدهم الآخر ، فمسخوا بذلك التحريف الجسد والبسوها فصارت كما يقول :((وانك عاهرة رغم جراحاتك يابنة هذا الليل القواد)) ان علي فرحان برئتيه الشعرية يستنشق الكذب والتزوير والحزن والقتل والحروب ، ويطلقه زفرة شعرية طويلة جدا امتد تألقها فتشظى شتائما تخص المدينة /الضحية ، وكذلك القواد الذي عطل عجلة الليل الرتيبة نكاية بالصباح،ويمضي علي فرحان على نهج يكاد ان يتوحد فيفترض في قصيدة [الولد الناصري]ص 44 – 49 مدينة تتمثل بالحضارة ، ويفترض أيضا [صبي/نبي - فيها] واجبه التمسك بالحضارة المتمثلة برمال حمورابي الثائرة وحفظ ماء وجه الجنوب هذا النبي المطارد ، قد خبأ تراب الحضارة وبكارة الأرض وطهارتها وضلل ذلك لصوص التراب الذين يشهرون سلاح الاندثار والموت والقذارة بوجه رمال شاء الله ان تكون خالدة وثائرة وطاهرة.

أما قصيدة [غنائم للروح]ص 50 – 53 يمكن من خلالها ان نفهم بان الشاعر قد مارس غربتين ، غربة خاصة بالروح وغربة اخرى تخص الجسد ، وفي كلا الغربتين تكون هنالك ثمة غنائم ، انها كنوز من كلمات معبأة بصندوق القصائد البلوري ، ومن هنا يمكن ان نقارن بين غنائم الشاعر من خلال هاتين الغربتين ، وذلك لانهما تجربتان شخصيتان قام باحداها الشاعر في سنوات قليلة رحل فيها خارج الوطن ، وعقود من الخوف والحرمان والجوع والظلام كانت قبل ذلك الرحيل ، ومن خلال المقارنة بين غنائم الروح الخاصة بغربة الروح وغربة الجسد ، أستطيع القول بان الغنائم التي حصدها الشاعر من خلال غربة الروح كانت اسمى واجمل ، وكذلك متعته نفائس لا حصر لها ،إذن أقول الغربة في الوطن احلى واسمى واجل كما قال شاعرنا السياب في قصيدة [غريب على الخليج ]: ((الشمس اجمل في بلادي من سواها ، والظلام … حتى الظلام ، هناك اجمل فهو يحتضن العراق)).

قد قدم علي فرحان مجموعة متميزة ،فيها فلسفة للقتل والقاتل واداة القتل من خلال حرب وغربة وقبلة وانفجار وموت جعل المسدس حقاً اول القتلى .

١٧‏/٠٧‏/٢٠٠٥

عبد الستار زنكنة و ظاهر شوكت


????? ?? ????? ??????? ????? ?????? ?????? ????? ??????

بلاسم الضاحي

شوقي كريم حسن


????? ?? ????? ??????? ????? ?????? ?????? ????? ??????

زملاء

فاضل عبود التميمي


غسق الكراكي حلم روائي

فاضل عبود التميمي
fadilaltamimi@yahoo.com
الغسق في اللغة أول ظلمة الليل ، والكراكي جمع كركي ، وهو طائر بحجم الاوزة يعيش في المناطق الجبلية ، ويهاجر الى السهول في وقت الربيع … وأن يكون للكراكي غسق فذلك حلم يمكن ان يتحقق عن طريق الاستعارة المكنية ، وهي متن مجازي تتحقق فيه أقصى غايات التخيل ، والتخييل … وهما متمثلان في أستعارة الغسق للكراكي في مستويات : السرد واعارة اللغة ، وعنونة الرواية . لقد شغلت الرواية بوصفها نوعاً أدبياً مساحة واسعة في فكر سعد محمد رحيم مذ ادرك بوعيه الانساني المتميز أهمية هذا النوع من الادب الذي صرف من اجله زمناً ليس بالقليل يقرأ ، ويتأمل ، ويعيد القراءة ليعيد انتاج ما قرأ … لقد قادته عملية القراءة الى مظان روائية كثيرة : منها ما هو عربي ومنها ما هو مترجم الى أن القت به في أحضان قراءة أخرى قامت على أليات التذكر ، والتصور ، ومحاكاة القراءات السابقة ، ثم تجاوز ما هو كائن الى ما سيكون ، بمعنى أدق ، إن القراءة الاولى قادته الى قراءات واعية يمكن تشكيلها فيما أصطلح علي بـ (( التناص)) أي الكتابة على أديم كتابات اخرى فكان له أن كتب روايته الاولى (( هكذا أستنطقنا الفولاذ )) 1983 والثانية (( رصاص العمق الهادئ)) 1985 ،و(( الطرائد )) التي لم تنشر بعد ، فضلاً عن خمس مجموعات قصصية معروفة .. تنتمي رواية (( غسق الكراكي )) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية –بغداد-2000 الى نمط من الروايات التي يتم بناؤها عل أسس غير تقليدية ، هي ما تسمى بالراوية الاطارية التي تعتمد بنيتها الشكلية والمضمونية على رواية أخرى مفترضة يبحث عنها الراوي لتظهر في عمله المنجز وتكون في النتيجة هدفاً لتصوراته المعلنة … فضلاً عن أنها رواية قصد يسعى الكاتب الى البوح بها ومن خلالها … والقراءة الدقيقة لما جاء في (( غسق الكراكي )) من افكار تسهم في حل أبرز مشكلاتها إن كانت لها مشكلات … ولعل أستهلالها يؤكد ما نحن بصدده ، قال الروائي على لسان الراوي : (( قال لي : حلم حياتي الكبير أن أكتب رواية )) صفحة 11 ، أتراه حلم كمال فقط أو حلم الكاتب نفسه ؟ لعله حلم الاثنين معاً فهما يتطابقان في متن الرواية حد التمازج وكأنهما شخصية واحدة ولك أن تقرأ : (( غادر كمال ولم يكتب روايته ، غير أن روايته المؤجلة تكتبني الان ، تفرض عليّ سلطتها الباهرة القاسية .. )) ، صفحة 12 و (( تحت وطأة الحضور الكثيف لكمال الباحث عبري عن روايته..)) صفحة 17 و(( وهذه أهي الرواية التي أريد ، أو أراد هو كتابتها )) صفحة 112 والرواية عند البطل تساوي الحياة ، وهو القائل : (( من لم يترك رواية قبل أن يموت كأنه لم يعش )) صفحة 11 ، وهي عند الراوي إثبات واقعي لحقيقة أن كمالاً لم يمت ، صفحة 12 ولهذا شرع بالكتابة مستنداً على خطة حكيمة بنى من خلالها عالماً خاصاً به وبنا أيضاً ، فقد جاء الكاتب – الراوية كما يقول من الكون الأرضي ليدخل بطله كون الورق ليجعله شخصية تتحرك بين الاسطر ، وعلى صفحات الرواية ، صفحة 12 على الرغم من واقعية الحدث ، والشخوص فالبطل كمال كما يقول الكاتب –الراوية شخصية حقيقية ولد بمكان معلوم هو ناحية السعدية ، صفحة 13 وهي أحدى نواحي محافظة ديالى مولد الكاتب نفسه ، فضلاً عن أنها شخصية ليست بالغريبة عن خارطة الوطن كله … لقد قرر سعد أن يكتب روايته ، ولكن الرواية كما يقول الراوي صنيعة خيال صفحة 12 ، وهذا ما لا يفسد بناءها فهي ببنيتها اللغوية تعالق نصي يحتضنه الخيال ، وهو الاديب الذي تمرس في كتابة القصص ، والروايات ولا خوف من تمرد شخصياته ، أو جنوح خياله ، فمثل هذه الشخصية الأليفة لا يمكن لها إلا أن تطاوع الكاتب ، وأن جنح الى التخيل فهذا شيء لا بد منه ، أما قلقه كيف يكتبها ؟ وبأي لغة ومنظور ، فهذه أسئلة على القارئ أن يجيب عنها ، وليست للكاتب الا أن يثيرها بعد أن أعترف بوطأة حضور بطله فيها ، صفحة 17 . إن التذكر سمة من سمات الكتابة وقد مارسها الكاتب –الراوية وهو يعيش تجربة الاقتراب من فضائه الروائي مستذكراً أسماء روايات معروفة ، وأشعاراً مهمة وكتباً قيمة : خريف البطريك ، صفحة 63 ، هنري ميللر ، الف ليلة وليلة صفحة 24 ملحمة جلجامش ، هاملت ،أشعار طاغور ، ديوان بدر شاكر السياب ، رواية للحب وقت وللموت وقت ، لاريك ، ريمارك ، رواية نجيب محفوظ ثرثرة فوق النيل ، مئة عام من العزلة لماركيز ، كتاب الانسان ورموزه لغوستاف يونغ ، صفحة 24 و… و…. معلناً السعي لكتابة رواية عن كمال ، صفحة 25 ، وهو بسعيه هذا يصر على تأكيد موهبته ، ووجوده الادبي والتاريخي فالمهم عنده أن يكتب رواية بطريقة واضحة ولا يهمه الاسلوب ، صفحة 26 ، ترى ما الفرق بينهما ؟ هل الاسلوب غير الطريقة ؟ أو هما شئ واحد ؟ يخيل لي أن الطريقة جزء من الاسلوب ودليلي تعريف عبد القاهر الجرجاني له ، فالاسلوب عنده (( الضرب من النظم ، والطريقة فيه )) ، أي أن الاسلوب رصف الكلمات بطريقة خاصة تدركها موهبة الكاتب .. ولأنه جاد بمشروعه الادبي فقد استشار عدداً من عارفي كمال : (( أخبرت نبيلاً بمشروع كتابة الرواية ، فحذّرني من أسباغ الهالة الاسطورية عليه )) ، صفحة 26 أي على البطل و (( قلت لعارف وقلت لسارة سأكتب رواية كمال )) صفحة 25 ، ,واستشار كذلك شيخ الجامع عبد العليم ، صفحة 142 ، وقرر أن يكتب روايته بأدوات روائية معهودة بعد أن لجأ الى حيل بلاغية جعلته يمد خيطا من دم امتزج بالطين بين الثلج والحريق .. بين الماء والنار، صفحة 27 ، أي بين الشئ ونقيضه ، وهذا ما يمكن للبلاغة العربية أن تمده به…. لقد أدخل سعد في بنيته الروائية تقنيات معروفة مثل :
1- أسلوب القطع وهو أسلوب أخذه الروائيون عن السينما . 2- كتابة الرسائل .
3- كتابة المذكرات . 4- الاستدراك . 5- عنونة الفصول . 6- شخوص واقعيون مثل ((هاجك)) المجنون المعروف في مدينة السعدية والذي توفي قبل سنوات، وشيخ الجامع .7- الافادة من نصوص معروفة الصقها الكاتب في الراوية مثل أفادته من نص واضح من كتاب آفاق ، الفن صفحة52. 8- الاستذكار .. أستذكار الطفولة والحرب معاً.
وكشف الراوي عن معاناة الكاتب وهو يحتضر أثناء الكتابة ، فالكتابة الادبية أحتضار لذيذ بطله الكاتب نفسه، فكيف يكون والكاتب يرى بطله ينأى عنه كلما دنا هو منه ؟ وكيف له أن يمسك بالمشهد الروائي من أليفه الى يائه وأن يرسم الارخبيل ، ويستوعب جغرافية الاقيانوس أي أن ينجز روايته ، صفحة 71 ؟ فمذ قرر الروائي أن يكتب روايته والبطل يتشظى بين يديه يتبعثر في الف ذرّة وذّرة ، ويملأ الفضاء من حوله ، نعم فمذ قرر كتابة روايته وهو يسطو على أفكاره ، وأنفعالاته ، وهواجسه ، ويعلن عن حضوره ، ويصر على نشر فضائح أحتراقاته ، صفحة 72.
ورواية سعد محمد رحيم (( غسق الكراكي )) (( إزاحة لها من الضرورة بقدر ما فيها من الخطورة … أنها الورطة التي تختارها بمحض الحرية وتبقى نكابر في فخاخها .. )) ، صفحة 71 وهذا يعني أن الكاتب كان إزاء عمل أدبي غير معروف النتائج ، ولعل في تعبيره: الرواية إزاحة تمثيل لحقيقة موقع الرواية – الخام في قلب الكاتب بوصفها هما جاثماً في القلب.
لقد تعامل الكاتب مع بطله بوعي أدبي مميز ، فهو يصف معاناته معه بقوله : (( منذ اللحظة التي فيها غدا كمال بطل روايتي بدا من المنطقي أن أتعاطى معه شخصية مختلقة .. )) صفحة 72 ، ثم يكتب بلغة نقدية عن مرجعيات روايته الكثيرة بقوله : (( إن هذا الشد بين العمل الفني والمرجع ، بين الخيال والتاريخ ، بين الخريطة الموضوعة، وفق ما يلائم حركة الشخوص والاحداث وبين المكان الواقعي (…) يجنح بي نحو منظور مغاير ، ويمنح لغتي نبرة لم أعتدها ، كأني أكتشف الاوردة الخفية لهذه اللغة ، وافهم نبضها ورعشة روحها )) صفحة 72 ولكم كان الكاتب صادقاً مع نفسه وهو يدون هذه الانطباعات النقدية عن لغة الرواية التي وجدتها بحقّ لغة – على الرغم من المآخذ القليلة التي تؤخد عليها – تبتعد عن الصياغات السردية التقليدية التي كانت جاهزة في أفواه القصاصين وأقلامهم ، لغة ليس فيها غموض يصل الى حدّ التعمية ، ولا وضوح يصل الى حد الركاكة في الدلالة ، لغة لست أدري ما هي وجدتها تجري مترقرقة على لسان الكاتب مضيئة عتمات الروح تستعير من الشعر رؤاه ، ومن النثر قواه … أهي لغة صادمة ؟ كلا أهي لغة مغايرة ؟ كلا كلا أنها لغة تجاوز الكاتب بها متونه السردية القديمة وظهر من خلالها متلبساً بدلالات نفسية تحيط بالظاهر، والباطن، وبالوجه والقفا.
ثم تحدث الراوية عن محنته التي لا تنتهي : (( كيف يجسد شخصياته فنياً )) صفحة 72 وكيف له أن يؤسس شخصيته المحورية كمال ؟ وصولاً الى رسمها وجعلها تتحرك على خلفية الحرب، صفحة 73 على الرغم من شعوره بزئبقية حياة كمال … ولكنه في النهاية يسعى الى لملمة ما يلوح متشظياً ومبعثراً من حياته فهو يباغته من حيث لا يدري ليطيح ببناء الرواية المخطط له ، صفحة 111 .
ويهم الكاتب أن يشرك قارئه في تقبل الرواية وتلقيها وهو العارف والمطلع على نظريات النقد الحديث .. نظريات ما بعد البنيوية وهو القائل : (( من سيعيد كتابة الرواية في ما بعد ؟ أنا ؟ أم أنت أيها القارئ الصديق ؟ )) صفحة 112 .
ويرفض الكاتب أن ينهي روايته نهاية تقليدية ذلك لأن النهاية بوصفها اسدال ستار اسود على حياة أنسان مثل كمال تعني تشويها لحقيقية الحياة نفسها ، فكمال يجب أن يعيش ، وان لا يكون الستار الاسود فاصلاً بين حياته وموته ، ولهذا وجدناه – أي الكاتب - يقدمّ رواية مشبعة بروح التمايز والمغايرة ففي الصفحة قبل الاخيرة يعلن عن تخليه عن روايته التي قرأناها ورغبته في كتابة رواية جديدة عن كمال بعد أن يلتقي بمها ويحاول أن يقابلها علّها تجد له مساراً أخر لأستئناف كتابة رواية كمال ، صفحة 149 .
وبعد :
ففي غسق الكراكي بحث دائب عن رواية أخرى مقترحة هي رواية الاطار التي لم يتمكن الكاتب من الامساك بها وتحييد أبطالها ، وما هذا المتن الذي بين أيدينا سوى شكل من أشكال البحث عنها رواية سعد وبطله كمال .. ولعلّ هذا البحث يسوغ لي أن أقول: أنني لم أكتب بعد عن (( الرواية )) لأنني سأنتظر صدورها في قابل الايام .